يقدم الناقد الفلسطيني المرموق هنا تحليلا ضافيا لمأزق رواية خوري الأخيرة، وما تنطوي عليه من التباسات بين الإنساني والعقلاني الماثلين في استنكار تقتيل اليهود، ورؤية أفعالهم الإجرامية في النكبة والتي مازالت تتوالد حتى اليوم. وهو تحليل يكشف عن رغبة كاتب الرواية في أن يبدو مدافعا عن جميع المضطهدين، تاركاً النصر لمنتصرين يخترعون حقائق تسوّغ إرهابهم. وفي مقال آخر بهذا العدد يكشف درّاج عن مأزق آخر في هذه الرواية.

عنف التاريخ ودلالات الموت

إلياس خوري في روايته «اسمي آدم: أولاد الغيتو»

فيصل درّاج

 

داومت الرواية الفلسطينية التي أعقبت النكبة، على وصف هوان اللجوء وتعيين المستقبل بصفته امتداداً لتاريخ احتلته دولة إسرائيل، وأُزيح عن مساره، لكنه سيعود مثلما كان. واعتُبرت الكتابة الروائية، كما الكتابة الفلسطينية بصورة عامة، فعلاً كفاحياً يسبق أي فعل غيره أو يوازيه، وينتمي إلى الأدب ويتساهل في معاييره، أحياناً، ويؤدي، في الحالين، وظيفة وطنية تبدأ بفلسطين وتنتهي بها. وقد تبوّأ الانتماء إلى قضية الوطن موقع الأولوية لدى سائر الفنون، ولا فرق إن كانت أدباً، أو اقتربت منه، إذ يكفيها فخراً أن الانتماء بحد ذاته يُعتبر أدباً.

شاء إلياس خوري في روايته (اسمي آدم) أن يختار منظوراً مغايراً، إذ اعتبر الرواية عملاً أدبياً تنسجه علاقات أدبية متعددة فأنجز نصاً روائياً جامعاً، يكسر الحدود بين أجناس الكتابة، ويتعزز بإحالات أدبية متنوعة الأزمنة، تمتد من أمرئ القيس إلى محمود درويش. فاستنطق الروائي إمكانات اللغة وأنطقها نثراً كأنه شعر، واقترب من شعر يتخفف من القواعد، وساءل بهما الاغتراب الإنساني وعتمة الوجود. واجه بروايته، المفتوحة على آفاق التأمل والتأويل، خطاب مؤرخين فقراء، يزهدون بالوجع الإنساني، ويحتفلون بـ "وثائق مفترضة" تتمازج فيها المعرفة "والعماء المتعالم".

جمع خوري بين المعرفة والإحساس وجماليات اللغة، ووصف وجهاً من تاريخ فلسطيني مرعب، ترسّب في أوراق متنوعة، وحفظته ذاكرة جيل، وكان في طريقه إلى الزوال. عاد إلى مجزرة اللد الرهيبة في سنة 1948، محققاً النص الأوسع والأعمق تأثيراً بين النصوص التي تناولت مجازر فلسطينية متواترة، فجاء هذا النص أدباً متكاملاً إلى حدود الإدهاش.

أيقظت رواية "اسمي آدم" واقعة دامية أقرب إلى الكابوس، تجلّت في كتابة أدبية كثيفة الإشارات ورحيبة الدلالات، لكأن الإبداع الحقيقي مدخل موائم إلى فاجعة كونية لا تتضح أبعادها، غير المألوفة، إلّا بكتابة مغايرة، وغير مألوفة في آن. فالأدب هنا يشهد على هذا الفاجع غير المحدود، والذي يتساقط من ذاكرات أرهقها المنفى وداخلها النسيان.

كتب خوري رواية عن مآسي الفلسطينيين، وأعاد كتابة روايات فلسطينية تصادت فيها مأسوية غسان، وسخرية إميل حبيبي السوداء، وأسى حسين البرغوثي. لم ينجز خوري رواية عن فلسطين، وإنما رصد الوجع الإنساني المتمثل في مجزرة سقطت على الفلسطينيين، فنفذ إلى قرار المأساة، وصيّره مجازاً تراجيدياً جسّده مآل شاعر يمني قديم، ولاجئون مخدوعون، ومدينة ذُبحت وشكت عذابها إلى الله، وإلى لا أحد.

1 - الكلام الأدبي وحياة الكلمات:
أوجد الروائي سارداً، وأنطقه بما يريد: أعاده إلى زمن أموي قديم، وحكاية شاعر متوّجة بالصمت المميت، وجعله شاهداً على مجزرة، واقتفى آثاره منتحراً في مدينة نيويورك حيث تقاطع مصيره مع فلسطيني آخر يُدعى راشد حسين. قامت رواية "اسمي آدم" على المتخيل المحدد واللغة اللذين سُردت بهما وقائع تاريخية موادها الموت وأرواح مقتلعة من تاريخها، ومدينة شهيرة الاسم تحولت إلى جثة مدينة. وصفت الرواية دقائق الوقائع الدامية بمنظور أدبي أمدّها بأبعاد إضافية، كما لو أن في "الإضافة الأدبية" ما يحرر الوقائع من زمنها المباشر، ويفتحها على زمن متوالد تجدده القراءة وتتجدد به.

يقول السارد الذي يحجب الروائي: "أعتقد أن على الأدب ألّا يشبه الحياة، بل أن يكون أدباً خالصاً لوجه اللغة وجمالياتها التي لا حدود لها" (ص 99). بذلك، يحرر القولُ الأدبَ من الأحكام الأخلاقية التي لا يمكن التحرر منها، ويشتق صفة "الخالص" من مجزرة "خالصة"، مؤكداً، بقصد أو من دونه، التشابه بين الأدب المنشود ووقائع الحياة المأسوية، ومعلناً أن جماليات اللغة التي لا حدود لها، تكمن في قدرتها على توصيف ما يرى ولا يرى، وعلى التوحيد الصعب بين المألوف واللا مألوف. لقد كان الإرهاب الذي عامل به المسلحون الصهيونيون مدينة اللد إرهاباً غير مألوف.

عاد السارد ليثبّت ما قال مرة أُخرى: "الحياة لا تشبه سوى المنامات، ولا سبيل إلى رؤيتها إلّا عبر مرايا الكلمات. هنا تقع أهمية الأدب الذي هو تظليل عالم بلا ظلال، من أجل اكتشاف خفاياه" (ص 188). فالمنامات في علاقتها بالمدينة الذبيحة، ليست سوى كوابيس، وما الظلال إلّا ما يُشعر به وتخذله اللغة. وفي هذه الحدود، تتراءى جماليات اللغة، ويقدم الراوي وصفاً للكوابيس بما لا يمكن وصفه، الأمر الذي يقضي بتفعيل اللغة إلى حدّها الأقصى، كي تصف الفعل الانفعالي الغامض والفعل المعرفي المباشر الذي يحيل على بشر وتاريخ. إن الأدب الحقيقي يفيض على ما أراد أن يقوله، ويوقظ اللغة "الخالصة" التي هي هاجسه الأول، بخبرة مستمدة من الحياة، تترجم قصدية الكتابة بمعطيات يضيئها التأويل.1

سردت لغة إلياس خوري ما روته ذاكرة الناجين من المجزرة، مجسدة المسافة بين الكلمات والأرواح، ومسجلة ما لا تستطيع الضحايا البوح به، ومعبّرة عن صمتها القريب من الخرس الكلي، أكانت قد استقرت في قبور حُفرت على عجل، أو تابعت السير في غبار الحياة. لقد اتكأ الروائي – السارد على وثائق بشرية صريحة الألم ومختنقة الصوت، وحاورها بمذكرات وكتب ومقالات، وبحكايات راحلين، وبشهود لا يزالون في قيد الحياة، وأعاد ترتيبها بمتخيل خصيب اللغة.

صيّر الراوي الذي يعي المأساة، كتابته كوثيقةً أدبية جديرة بمكان في تاريخ الكتابة الروائية، وعيّنها وثيقة تاريخية تكشف عمّا لا يستطيع المؤرخون الوصول إليه. وما حديثه عن "أدب لا يشبه الحياة" إلّا إشارة إلى فضاء كتابي يُنطق الخائفين والموتى، ويستنطق ضحايا عُطّلت إنسانيتها، وصدمها ظلم الوجود الذي لا يُستنفد. اعترف الراوي بحياة الكلمات التي تنبض وترثي وتلوذ بالصمت، فالكلمات في نسيجها الأدبي لها كيانها المفرد المختلف عن وجودها العام، ولها قدرتها الغامضة التي تواجه المرئي بالمحتجب، وتعقد حواراً بين الأحياء والأموات؛ قدرة لغوية تكاد تحذف الفرق بين صدق الأدب وجماله، ذلك بأن الأدب عمل في اللغة، في التحديد الأخير، وهي لغة تُقصد لذاتها، كأنها الحب، لا تبغي مصلحة ولا تنشد منفعة.

لمّح الروائي، من لحظة الاستهلال، إلى الفرق بين "الذين يعلمون والذين لا يعلمون"، وأكد الكتابة كمعرفة فاصلة، ومنح الكلام "عتبات مضيئة". وتلا الاستهلال القرآني دفاتر روائية جاءت بها المصادفة، وبينها وبين رواية إلياس خوري "باب الشمس" آصرة أو شبه علاقة، ثم أعقبها "مدخل - وصية" يعود إلى صاحب الدفاتر الفلسطيني السائر إلى انتحاره. تبع ذلك كله "صندوق الحب"، وهو رواية ناقصة لم يكملها الفلسطيني، وإنما استعاض عنها برواية عن مآسي مدينة اللد في سنة 1948.

تشهد الملاحظات السابقة على كلمات متعددة الطبقات تُعلن صعوبات القول الروائي في سرد الحقيقة، ففي كل طبقة قول يكتفي بذاته وينفتح على غيره، ويقيم بين الطبقات حواراً مضمراً يضع القارئ أمام أسئلة عليه أن يجيب عنها. يبدو القول المتعدد الطبقات مدخلاً إلى "لعبة الأدب"، بلغة إلياس خوري، القائمة على اقتفاء الأزمنة الهاربة، وتصريحاً بيقين منقوص لا يتصالح مع المعطى المتعدد، إلّا مصادفة.

اجتهد سرد إلياس خوري في تحويل واقعة تاريخية إلى واقعة أدبية أخبرت أن المأساة الفردية مأساة جماعية مستمرة التوالد وكونية الأبعاد، تواجه الحضارة الإنسانية ببربرية صهيونية متغطرسة. فالأدب هنا يصور المأساة بوحدة الصمت والموت، وبرغبة مخذولة بينهما، تستنجد بمَن لا ينصت إلى أحد.

2 - صندوق الحب ومرايا الفلسطينيين
بدأ خوري في روايته ناقداً أدبياً عاين روايات غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي بأحكام سريعة نافذة، ووسّع نصه بإنارات محمود درويش، وبالتعليق على روايات إسرائيلية لمّحت، ذات مرة، إلى قرى فلسطينية سوّتها الأيديولوجيا الصهيونية بالتراب، وأيقظت حافظته الأدبية التراثية جمال "طوق الحمامة"، وأطياف عنترة وعبلة وكثيّر عزّة. توقّف خوري أمام شاعر يمني تفوّق مآله الحزين على أشعاره، ويُدعى وضّاح اليمن، وقد دفنه صمته، اختناقاً، في صندوق خشبي. فوضّاح عشق زوج الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، واكتُشف أمره، وتُرك في الصندوق حيث خبّأته المعشوقة، وآثر الصمت حتى قَضى، بينما انتقم الخليفة بطريقة تليق بهيبته، في حين لفّ زوجه صمت يليق بها. لقد دافع الشاعر عن حبه مثلما يليق بالشعراء الفرسان، متدثراً بصمت معذب قاده إلى الموت.

علّق السارد على القصة، فقال: "الحب والكتابة وحدهما يعطيان معنى للحياة التي لا معنى لها"، مساوياً بين الحب والكتابة ومعنى الحياة، ومعترفاً بأن في الصمت الطوعي حباً وكرامة ومقاومة غامضة أقرب إلى السؤال، وأن "صندوق الحب" استعارة إنسانية "تتسع للفلسطينيين وللمضطهدين في العالم جميعاً، بل لليهود أيضاً. سيق يهود أوروبا إلى الذبح كالأغنام"، وغضّ العالم طرفه عن ذبح الحق الفلسطيني وأهله. وأحال صندوق الحب على شاحنة "رجال في الشمس"، التي خنق فيها الصمت لاجئين فلسطينيين توهّموا الراحة في المنفى، وانتهوا أمواتاً بلا قبور. ولم تكن حالهم بعيدة عن الشاعر الضليل أمرئ القيس الذي عثر على صندوقه القاتل في عباءة مسمومة، أنعم عليه بها قيصر روماني، عرف بعشق الشاعر لابنته، ولم تكن بعيدة عن حال الفلسطيني المغترب الذي خلّف وطنه المحتل وراءه وانتحر في نيويورك. لقد جاء هذا الفلسطيني إلى صندوقه من يأسه، فدخل إليه ولم يخرج، بعد أن حملت ذاكرته أطياف مدينة اللد القتيلة، التي أحكم الجنود القتلة إغلاق "صندوق مجزرتها" حتى أسلمت الروح.

لكل مغترب قتيلٍ صندوقه، وجميع الصناديق القاتلة تسرد سيرة عالم غادره المعنى، واحتفظ بأحكام دامية. سأل القتلى عن معنى عالم بلا معنى، وجدّوا في الطلب وحسمهم الموت، بينما حافظ الصندوق على وحدة الحب والصمت والموت. أصمت العشقُ الشاعرَ اليمني الوسيم، وأسكت الأملُ الضليل لاجئين باحثين عن الرزق، وأطبق اليأس على فلسطيني ضاع وطنه واحتفظ بأطيافه، ولم يغادر أهل اللد مدينتهم وانتظروا المجزرة.

حدّق خوري في أشكال الشر المنتشرة وصاغها أدباً. ارتكن إلى ثنائيات أفصحت عن عتمة الطبيعة الإنسانية: الصوت النافل والصمت القاتل؛ العشق والكراهية؛ العفوية الخاسرة والحسبان الرهيب؛ جماليات الأدب وقتام اللغة المتسلطة. ورسم احتمالات الشر الواسعة، وقرأها في جثة مدينة فلسطينية عاشت، سعيدة، قبل الإرهاب الصهيوني.

قرأ الروائي وجوه الشر والتحق بالأدب الإنساني الرحيب، فالشر هو موضوع الأدب الجوهري، مثلما جاء في مقدمة كتاب الفيلسوف الفرنسي جورج باتاي "الأدب والشر"، وهو الحكايات المتفرقة التي يتلوها الخير. وأفرد الروائي للصمت أيضاً مكاناً واسعاً، متكئاً على ذاكرة ماضية، ومؤسساً لذاكرة لاحقة، لا فرق إن نطقت أو سقطت في منتصف الطريق وأنطقها الأدب. وكان الأميركي هنري ميلفيل، كاتب رواية "موبي ديك"، مأخوذاً بفكرة الصمت، أكان على وجه الماء، أم في أعماق البحر، وهو الذي يقول: "لا يكون البحر رمزاً للروحي عندما يكون مضطرباً، بل حين يكون هادئاً"،2 كأن في البحر لعبة تنكّرٍ مروعة، تكسو الأمواج المنذرة بالهول بصمت تعقبه فاجعة. وقد لامس ميلفيل الصمت المضطرب الذي يسكن الروح، موحياً بأن الصمت ذروة الاضطراب، وهو أمر أكدته الشاعرة إميلي ديكنسون حين قالت: "الصمت هو كل ما نرهبه - هناك تحرر في الصمت - لكن الصمت ليس له وجه وغير محدود"،3 فالصمت رعب سديمي الوجه، لا يمكن التعبير عنه، ولا يجلوه إلّا الموت.

رسم خوري صمت الضحايا، وأنطقها كلاماً، ووصف الخَرَس الكلي المحاصر في الأرواح والمجلل بالموت، قائلاً: "هل رأى أحد في العالم جثة مدينة؟" الجثة سكون مستمر سبقه صمت رهيب مختنق الصوت، والروائي هو مَن "تقصى بلاغة صمت الضحايا في الجامع الكبير في اللد." أفرج خوري عن بلاغة الصمت ببلاغة أُخرى ضاعفت الأولى بوسائل أدبية نفذت إلى "غبار صمت ينتشر ويغطي الجميع"، ذلك بأن "الأعمال الأدبية تصور الواقع من خلال مضاعفته، معتمدة الاختزال والتكثيف والتصعيد وقوة الإدهاش"، مثلما يقول بول ريكور.4

انطوت رواية "اسمي آدم" على ما قال به هذا الفيلسوف الفرنسي، وعيّنت الصمت مركزاً للكلام، وانتهت إلى فرضية أدبية تعلن: "إن ميزة أدب النكبة الفلسطينية هو أنه صنع من صمت الضحية فواصل تعيد بناء الصورة الشعرية" (ص 234)، وأن "مفتاح أدب النكبة هو ما لم يُقل" (ص 312). والأمر أن صمت الضحية الفلسطينية هو صوت قتيل لا يستمع إليه قاتلوه، ويضيفون إلى فعل القتل إنكاره.

اقترب خوري، وهو يصوغ المجزرة الفلسطينية، بصيغة الجمع، من عوالم إدغار آلان بو التي تنقل القارئ من رعب مفهوم إلى رعب غير مفهوم. فالرعب غير المفهوم، والناتج من "التردي في الدوامة الهائلة"، ليس عند بو، إلّا "لوثة الدم المتفجرة التي استباحت اللد" عند خوري، والتي وضعت رعباً وراء الرعب، أفقه رعب مطلق يترجم وحشية تتاخم اللامعقول. والفارق بينهما أن حكايات آلان بو رمزية، بينما سردية خوري واقعية، مرجعها مكان فلسطيني معروف التاريخ، وجثث واقعية تطايرت أوصالها ودُفنت على عجل.

اعتقد القَتَلة أن صمت الضحية دليل على جريمة لم تقع، فاستولد خوري "وثيقة أدبية" أنطقت الضحية، وشهدت على جريمتَي القتل والتستر عليه. خلع صندوق الصمت قناعه وكشف عن صندوق الموت والخديعة، وأنتج رواية تعرف التاريخ ولا تعترف بطريقة كتابته، تُسائل الطرفين وتسخر منهما، فعلم التاريخ لا ينصت إلى وجع الضحايا، وكتّابه يضيفون إلى صمت الضحية، العالية الصوت، صمت الوثيقة التي تبحث عن البراهين ولا ترى آلام البشر.

3 - الروائي والمؤرخ: كلام الريح ولغة الحطب:
ينزع المؤرخون، في الكتابة المسيطرة، إلى تثبيت "الوقائع الكبرى"، فلا موقع لفرد إلّا إذا أخضع غيره، ولا وجود لشخصية مفردة إلّا إذا أشهرها انتصارها، أو هزمتها شخصية شهيرة. فالكتابة تنصاع ظاهرياً، إلى "المعرفة الموضوعية" الصادرة عن مؤرخ تبرز معرفته من اختصاصه المفترض، وتخضع، فعلياً، إلى عادات قررها المتسلطون المنتصرون، ذلك بأن قوة العادة التي يتوارثها المؤرخون السلطويون، تملي كتابة متماثلة، لا تقبل بالكلام المهزوم، وتكتفي بإعادة إنتاج ما كتبه مؤرخون آخرون، محافظة على ما لا شذوذ فيه.

يعلّق السارد الروائي على كتابة التاريخ المأخوذة بالمجانسة، فيقول: "هكذا تصير كتابة الحكاية جزءاً من كتابة التاريخ، من وجهة نظر المنتصر، وبذا نخون الأدب" (ص: 88)، وهذا التعليق يُبرز ملاحظة تمس "موضوعية التاريخ"، وأُخرى تفصل بين لغة التأريخ المتجانسة ولغة الأدب. واعتبر طه حسين في مقدمة كتابه الكبير "الفتنة الكبرى"، أن العرب لم تعرف التاريخ، فما عرفته هو قَصَص، أو يشبه القصَصَ، الأمر الذي يدفع بادعاءات المؤرخين إلى زاوية مظلمة، كما أن المتخصصين بالأدب اعتبروا أن الأدب عمل في اللغة. أمّا السارد فجاء بإضافة ثالثة بنى عليها حكايته الكبرى الموزعة على حكايات: "الحكاية هي تاريخ المهزومين الذي لا يجرؤ المؤرخون على كتابته." وقد أكدت إضافته هذه "ذاتية الأديب"، فلا إبداع إلّا بمفرد جاء به، ولا أدب إلّا بمنظور لا يلتفت إلى منتصرين يشبه بعضهم بعضاً، وينفذ إلى أرواح مغتربين يهجسون بما كان وما سيكون. وعلى خلاف علم التاريخ، أو ما يُدعى ذلك، المشدود إلى موضوعية منتقاة، تأتي موضوعية الأدب من اكتفائه بذاته، مدركاً أن المكتفي بذاته لا وجود له، حتى لو كان رغبة قصوى، وأن في الأدب جملة علاقات تذوب فيه، وتوهم بكفايته الذاتية. لماذا إذاً يُفصل بين المهزومين والمنتصرين إذا كان المرجع ذاته؟ إلّا إذا اعتُبر التعاطف والعدالة والتنديد بالشر علاقات مضمرة في بنية العمل الأدبي!! وهذا سؤال يطول شرحه.

يعرّف الأدب ذاته أولاً في رواية "اسمي آدم"، ويشتق منها تعريفات لاحقة تضيء على معنى الأدب قبل أن تنير معناها المحايث لها، اتكاء على لغة تختلف عن لغة المؤرخين. نقرأ أولاً: "الأدب منزّه عن المعنى الذي يقع خارجه"، كما لو أنه فضاء لغوي مغلق يعيد صوغ مقولات تنتسب إليه، حيث "الشعر فواصل الصمت"، و"القصص كالحياة تملك أقدارها التي لا تُردّ"، و"موت الشاعر الصامت قصيدة كتبها بأنفاس مكتومة"، و"الكتابة هي الشكل الملائم للنسيان"، و"الحزن ليس ندماً، لكنه ذاكرة، كما أن الذاكرة ليست حنيناً، بل وشماً منغرساً في أعماقنا." وضمن هذه الحدود، يقترب الأدب من منظور "الفن للفن"، ومن اجتهادات ثيودور أدورنو في كتابه "النظرية الجمالية".

تُردّ المقولات القريبة من "جوامع الكلم" إلى الأدب كمتخيل لغوي ينتج صوراً تنبعث من اللغة، ولا ترجع إلى المحسوس والمباشر اليومي، وينتظرها تأويل يفصح عن دلالتها. في هذه الحالة يحدد المتخيل بعداً من أبعاد اللغة، فيقيس تجربته الحاضرة على تجارب ماضية، معتمداً على صور تنبثق من ذاك البعد، كأنه يستعيض عمّا يرى بتشكيله الكلامي، أو ينفي العالم المحسوس بعالم خلقته لغة طليقة، وهذا قريب ممّا قاله الفرنسي ريكور: "الخيال هو تجاور متزامن لعالمين مختلفين: حقيقي وغير حقيقي، من خلالهما ينبني المعنى الجديد والمبتكر."5

رسم خوري المأساة الفلسطينية بلغة "شعرية" يتداخل فيها الحقيقي والمجازي، فتحدّث عن "امرأة العطش، ماء الأمومة، خراطة الألم، عطش العيون، معمودية الدموع، أنين البيوت المهجورة وعنق الصبي القتيل المطعوجة"، واقتفى آثار العذاب الفلسطيني، من اللد إلى صبرا وشاتيلا وما بينهما، وقصّر المسافة بين فعل القتل والمخلوقات القتيلة، وأيقظ إمكانات اللغة التي لا تُحدّ، وبنى العوالم الداخلية للمهزومين بالصور، مقترباً من معنى الشعر عند باشلار، حيث "الشعر إدهاش على مستوى الكلام، لا غير، إدهاش في الكلام وبالكلام."6 لقد تصرّف خوري بإمكانات اللغة، قاطعاً مع لغة الحطب الباحثة عن وثيقة موروثة من وثيقة، ومصاحباً لغة الريح التي تنهى عن لغة اليقين. أنطقت لغته عوالم المضطهدين، واعترفت بقارئ له الحق في الاستقبال والتأويل، ولذاكرته الحق في الحوار مع ذاكرات أُخرى. فلكل فلسطيني حكاية فلسطينية تُكمل حكايات أُخرى، وتظل ناقصة، بعيداً عن حكايات المنتصرين الذين لديهم حكاية واحدة. أنتج خوري نصاً أدبياً يحاور القرّاء والنصوص والذاكرات والأحياء والأموات، ولا يقرر جملة أخيرة.

4 - مأساة اللد بين سرديتين:
سرد خوري مجزرة اللد بصور العيون المطفأة وقارعة الموت والاحتضار الطويل وحضيض القامات المنكسرة والعطش والغبار والذباب ورعب القذائف والنار ونهب الحياة الفلسطينية. نفذ إلى جحيم المهزومين وجوهر الوحشية الصهيونية.

في مقابل "يوم الحشر اللدّاوي"، بلغة خوري، قدّم الأديب والمؤرخ الإسرائيلي آري شبيط في كتابه الشهير: "أرض ميعادي" الذي حصد عدة جوائز، سرداً مختلفاً لا يغير قلقه المعلن فيه من قناعات صهيونية وطيدة لديه. لقد اطمأن شبيط إلى عنوان مشبع بإيمانية دينية وعلمانية، مضيفاً إليه عنواناً ثانوياً منقوص الرضى: "إسرائيل النصر والمأساة". كما أخبر عن بداهة النصر بأمثلة متنوعة، وأثنى على حيوية يهودية مبدعة جديرة بالثناء، بينما نجم قلقه عن مآلات صهيونية رفيعة القيم، أنشأت دولة باهرة النجاح، وتراخت قيم المنتسبين إليها من أجيال لاحقة، ومن فلسطينيين لم يغادروا أرضهم، وتعكر ظلالهم صفواً إسرائيلياً منشوداً.7

بعد مقدمة عنوانها: "علامات استفهام"، يمتزج فيها الشك باليقين، أنجز شبيط كتاباً لامعاً من سبعة عشر فصلاً (439 صفحة في ترجمته العربية المتقنة)، أفرد الخامس منها لمجزرة اللد. وقد أعطى فصول الكتاب عناوين وتواريخ، باستثناء ذاك الخاص بمدينة المجزرة، فهو فصل لا تاريخ له ولا عنوان، واكتفى باسم المدينة، كما لو أن فيها ما يمضّ الذاكرة. إنها حكاية أُخرى - غير سارة - من حكايات "أرض الميعاد"، التي كلّفت اليهود - بلغة المؤلف - مالاً وجهداً واجتهاداً مبدعاً وقتالاً إلزامياً، بعيداً عن روح صهيونية "أرادت أن تفيد البشرية جمعاء، [....] صهيونية استيطانية تقدمية لم تتلوث بالاستعمار، حركة قومية بدون ندوب شوفينية" (ص 127). صرّح المؤلف بقناعات "تنويرية النظر"، تعتنق "التقدم" وتشجب الاستعمار والشوفينية، فمأساة "أرض الميعاد"، بهذا المعنى، ما هي إلّا ندوب سلبية لم يشأها اليهود، ولم تأتِ بها الصهيونية، وإنما جاءت من مفارقات الأقدار المؤسفة التي ليست سوى "لحظة الحقيقة سنة 1947" المرتبطة بـ "حرب التحرير" وما جرّته من مصادفات وقعت دامية على مدينة اللد في 11 و12 تموز / يوليو 1948. وقد ترجمت هذه المصادفات "المؤسفة" مأساة صهيونية طهرانية دفعها العرب، أي سكان فلسطين، إلى القيام بما لا ترغب فيه، على اعتبار أنهم مستعمرون يجب إخراجهم لإنجاز "التحرير"، وآيتهم أهل اللد "المتعنتون"، الذين لم يدركوا دلالة الصهيونية وبقوا في مدينتهم، وألزموها بالقيام بما يعارض طبيعتها. فلو خرج الفلسطينيون طوعاً لما أصابهم أذى، ولما دفعوا آري شبيط إلى اعترافات يخالطها الأسف، وإلى كلام تتنهشه تناقضاته.

أشار شبيط إلى "عملية لار لار"، التي أقرّتها القيادة العليا لاحتلال اللد والقرى المحيطة بها، والتي اعتبرت أن إشاعة الرعب تتكفل وحدها بإقناع الفلسطينيين بالهرب. لكنه لا يلبث أن يتناسى "خطة التحرير الجاهزة"، ويعزو المجزرة إلى أسباب "لم تكن في الحسبان"، كأن يذكر "عربتين مسلحتين أردنيتين"، تفتقران إلى الأهمية العسكرية، مثلما قال، ورأى الفلسطينيون فيهما "طلائع تحرير عربية"، فأطلقوا الرصاص ابتهاجاً و"موجة جديدة من العنف"، من دون أن يذكر شيئاً عن "موجات العنف" السابقة. وأضيف إلى المصادفة الأولى مصادفة ثانية، حين اعتقد "جنود الفوج الثالث الإسرائيلي" أنهم في مواجهة "خطر هجوم أردني داهم"، دفع بهم إلى إطلاق نار كثيفة في عدة اتجاهات: "وخلال ثلاثين دقيقة، وفي عز الظهيرة، قُتل أكثر من مئتي مدني." ولم يسوّغ شبيط الموت الكثيف في عز الظهيرة، لكنه سوّغ الأسباب التي قادت إليه، و"الخارجة عن الإرادة الصهيونية."

جاء فصل اللد استتباعاً لفصول سابقة برهنت جميعاً عن "الإبداع اليهودي" في مجالات غير عسكرية، الأمر الذي يجعل، لزوماً، من "المجزرة إبداعاً مختلفاً" بأدوات مقاتلة وقاتلة. فمثلما يُحسن اليهود زراعة البرتقال، فإنهم يتقنون بدورهم زراعة الموت. وإذا كان إلياس خوري تحدّث عن "لوثة الدم"، ذلك بأن إراقة الدم الأولى تُستكمل بسيل من الدماء، فقد لمّح شبيط إلى "حمّى الاستنفار" التي تبرئ الجندي القاتل وتؤثّم آلته القاتلة، وتمحو الإثم والقتل بحجة "تحرير أرض الميعاد من المستعمرين [....] عندما وصلت أنباء إلى مقر قيادة عمليات لار لار في قرية يازور المحتلة، سأل إيغال ألون ديفيد بن - غوريون ما يجب فعله بالعرب. لوّح بن - غوريون بيده قائلاً: اطردهم. بعد ساعات من سقوط اللد، قام قائد العمليات يتسحاق رابين بإصدار أمر مكتوب إلى لواء يفتاح: يجب طرد جميع سكان اللد العرب بسرعة، وبغضّ النظر عن السن" (ص 133).

تجسد المجزرة حكاية ضرورية من حكايات تحرير أرض الميعاد، قوامها خطة عسكرية مسبقة، وحركة يد سريعة، وكلمة واضحة قاطعة، وأمر مكتوب لا يمكن تجاهله. وقد التحق شبيط بقوافل المنتصرين في التاريخ، الذين يعترفون بجرائمهم بعد فوات الأوان، مقايضين حيوات القتلى بقبضة من الكلمات. والفرق بينه وبين غيره شجاعة معنوية لا تغير من مآل "المطرودين شيئاً". ولعل التعارض بين عواطفه المتأخرة ومبادئه السياسية - الأيديولوجية هو ما دفعه إلى القول: "اللد هي صندوقنا الأسود. فيها يكمن التاريخ الأسود للصهيونية. الحقيقة هي أن الصهيونية لم تكن قادرة على احتمال اللد [....] أو اختارت أن لا تعرف." بلغ شبيط أطراف "البداهة الغامضة"، فما لا يُحتمل يجب التخفف منه، والصهيونية اجتثّت ما لا تستطيع تحمّله، والذي لم تكن اللد استثناءه الوحيد.

دفع "لغز" ما يُعرف ولا يُعرف شبيط، المولود في سنة 1957، إلى تصور أخلاقي مبهم "يربّع الدائرة". فبعد قول "اللد صندوق الصهيونية الأسود"، أراد أن يفسر ما أقلق ضميره، فقابل عسكريين أشرفوا على المجزرة، واستطاعوا مسح شيء من السواد الصهيوني، الأمر الذي أتاح لعقله الباحث عن الحقيقة أن يرى أن "في الحرب تحدث أشياء فظيعة"، محيلاً كلمة "الحرب" إلى مجهول، وتحويلها إلى ظاهرة شريرة لا تفسير لها. انتهى "تفكيك شيفرة ما حدث" إلى ممارسات دموية غامضة السبب، خلّفت في ضمير "المؤرخ الأخلاقي" ذكريات مزعجة.

وقع شبيط في مفارقة بيضاء، فاستنكر مجازر الصهيونية في سنة 1948، ولم يستنكر الصهيونية. حافظ، وهو العلماني المعلن، على لاهوت صهيوني واضح التعاليم: خصّ الله اليهود بأرض "إلهية"، واختصهم بنصر مؤزّر لا دماء فيه، لكنه خادع الصهيونية وأسال دماء "جاءت بها الحرب." بَيد أن شبيط الباحث عن الحقيقة، لا يتأخر في إعلانها حين يقف إلى جانب صهيونيين "رحيمين" هما: غوتمان وإيغال ألون. فالأول منهما مثلما وصفه: "علماني، عقلاني، فهمه للصهيونية روحاني. رأى في الصهيونية مبادرة شعب مهزوم لم ينتظر المسيح، بل أخذ على عاتقه القيام بمهمة المسيح" (ص 145)، لكن هذا الإنسان الروحاني الذي غدا حاكماً عسكرياً للدّ، هو الذي أعطى أوامر: "إطلاق النار على كل شخص يشتبه باشتراكه في العصيان"، أي البقاء في مدينته ورفض الرحيل. كذلك حال إيغال ألون: "كان إنسانياً، لكنه قال إن على العرب ألّا يبقوا. وبغير ذلك لن يكون هناك دولة." والأمر المؤكد أن للصهيونية قاموساً "أخلاقياً" خاصاً بها، ينطلق من وجوب وجود الدولة، ويمحو المسافة بين الروحاني والفعل القاتل، وبين الإنساني وبعثرة أوصال البشر، ويعتبر الفلسطيني عاقلاً إذا فرّ من أرضه، وأخلاقياً إذا لم يدفع الصهيونية إلى "عبث الحرب"، كما لو أن الفلسطيني الإنساني هو الذي يحترم إرادة اليهود ببناء دولتهم فوق "أرض الميعاد".

وصل شبيط، بعد اعترافه بالدمار الواسع الذي أنزله الجيش الصهيوني بالمدينة إلى نتيجة مطمئنة: "هل أتنكر للصهيونية؟ هل أدير ظهري للحركة القومية التي قامت بهذه الأفعال؟ إنني مثل غوتمان أرى حقيقة لا أقدر على استيعابها. وعندما أحاول أن أكون نزيهاً في الحكم، أرى الخيار قاسياً: إمّا أن أرفض الصهيونية، بسبب اللد، أو أن أقبل الصهيونية مع ما حصل في اللد" (ص 162). والجواب واضح، فالصهيونية فوق القيم والأرواح الفلسطينية.

تحوّل شبيط، بعد أن فكّ شفرة المجزرة، إلى عسكري آخر، فتلبّس شخصيتَي غوتمان وألون، وتقاسم معهما "الإنساني والعلماني والعقلاني"، ورأى في تذبيح الفلسطينيين وطردهم أمراً حتمياً يندرج في آفاق الحركة القومية اليهودية والثورة الصهيونية، وبالتالي وقف إلى جانب شعبه آخذاً مكان المسيح!!! وواقع الأمر أن الإنساني والعقلاني ماثلان في موقف إلياس خوري الذي استنكر تقتيل اليهود، ورأى في النكبة فعلاً إجرامياً لا يزال يتوالد إلى اليوم.

تحدث المؤرخ الإسرائيلي عن "خطأ حتمي" نبيل الغاية، سرده بلغة مؤرخ "يربّع الدائرة"، ويقايض عذابات الفلسطينيين بالندم المجاني، بينما دافع خوري عن جميع المضطهدين، تاركاً النصر لمنتصرين يخترعون حقائق تسوّغ إرهابهم.

5 - الفلسطينيون في هويتهم السردية:
سؤال ربما يبدو مقحماً على رواية "اسمي آدم": هل في رواية خوري ما يلمس الهوية الفلسطينية بعد اكتمال المجزرة؟ يحتاج السؤال، كي يكون صحيحاً، إلى ديمومة اجتماعية - ثقافية، واستقرار واضح اللغة والحدود والجغرافيا للفلسطينيين الذين مزقتهم متواليات الحصار والرحيل، وفهم لـ"هوياتهم الشتاتية"، الموزعة على ما تبقّى من الوطن والمنافي المفتوحة، ولإرادة الانتماء التي أرهقتهم وبقيت قائمة.

تتضمن رواية "اسمي آدم"، وهي عمل كبير، خطاباً روائياً متعدد المستويات وقابلاً للتأويل. فقد كتب خوري عن حكاية مأسوية كبرى، موزعاً وجوهها على متواليات حكائية تخفف من الأيديولوجيا والأحكام السياسية اللتين لا يمكن إقصاؤهما، إذ لا نص أدبياً كبيراً إلّا داخلته، شاء أم أبى، بداهات أخلاقية، كما توجه إلى قارئ كوني سارداً عليه فاجعة كونية، بقدر ما تطلّع إلى تاريخ "الكتابة الخالصة"، وحاول أن يكون امتداداً لها.

لكن ما هو موقع الهوية الفلسطينية في نص روائي يروم لغة أدبية خالصة؟ أجاب عن السؤال - وكل إجابة نسبية - بول ريكور الذي قرأ الرواية الحديثة بمعطيات فلسفية. فقد مايز بين الهوية العينية التي يعلنها إنسان محدد المعيش، والهوية السردية الصادرة عن متخيل أدبي يتصرف مع الواقعي بحسابات دقيقة، وهي "هوية يلعب فيها الخيال الدور الأول لا الوقائع التاريخية [....] تقوم على التبادل والتمازج بين التاريخ والخيال والقصص"، فيقول: "أولسنا نعتقد بأن حياة البشر تصبح أسهل للقراءة حين تؤوّل بحسب الحكايات التي يرويها الناس عنها؟ وأن هذه الحكايات تصبح أسهل للفهم حين نطبق عليها النماذج السردية، مع إيجاد حبكات مقتبسة من التاريخ الفعلي أو من مصنفات الخيال (الدراما أو الرواية)؟"8

لا تكون حكايات الناس المترجمة سردياً، دائماً، سهلة القراءة، كحال حكايات أهل اللد على سبيل المثال، ذلك بأن القراءة تعتمد على شكل الكتابة. وقد اتفقت رواية خوري مع ما قاله ريكور، واحتجّت على "سهولة الفهم" التي قررها الأخير، بحيث إنها سجلت ما لا يمكن النطق به، ذلك الصمت الذي يصادر الكلام، ورسمت شخصيات فلسطينية شكلت المأساة هويتها، فباتت ملتبسة المصير، حتى إنها دخلت إلى فضاء المجزرة معطوبة، وخرجت منه إلى مصير معتقل، كأن الهوية السردية التي باطنت الرواية، مجزوءة الوضوح وأقرب إلى الاحتمال.

تتراءى الهوية الملتبسة المصير في شخصية الرواية الأولى: آدم الذي ولد في لحظة أقرب إلى الجحيم، هو متعدد الآباء: أب بيولوجي مجهول، وآخر نسبته إليه أمه ولم يلمسها، وجاورته محتضراً، وأب ثالث موقت "أعمى" جاءت به المصادفة وسافر على غير توقع. لم ينتسب الولد الفلسطيني الذي ولد في سنة 1948، إلى أحد، كما لو أن لا أب له. فقد رعته أم لم تكن أمه، وانتقل معها إلى بيت زوج قبيح طلّقها. توزَّع نسبه على أب مجهول، وآخر غادر الحياة، وثالث أعمى انتهى إلى المنفى. لا متكأ ولا وضوح إلّا مأساة النكبة المنفتحة على مآسٍ يتداخل فيها الخوف والتخفي والضياع، الأمر الذي يجعل من ابن النكبة بقية من زمن مهزوم، و"لقيطاً" تتقاذفه الدروب ولا مستقبل له، مصيره الانتحار في مدينة نيويورك، ورفات منثورة فوق نهر "الهدسون"، كأنه شاء أن يقطع مع موقع مولده، قبل موته وبعده.

لا غرابة أن ينتحر "الطفل الناجي" قبل انتحاره. فقد هجر أمه واندمج في المجتمع الإسرائيلي، والتحق بمدينة "وارسو" التي كان فيها "غيتو يهودي" شهير، وشغف بالأدب العبري، وأتقن لغته وتستّر على أصله الفلسطيني، ولم يعنِ رحيل أمه له شيئاً. والصبي الذي بدا "لقيطاً" هو متعدد الأسماء: اسم أول مجهول أطلقه عليه والداه البيولوجيان قبل "رحيلهما"، وآخر سمّاه به الناجون من المجزرة، وثالث عرفه به الإسرائيليون، ورابع أنعمت به عليه، ربما، مدينة نيويورك. وهذا المتعدد يشي نظرياً، باللايقين، بوجود قلق متنوع الأحوال، كما لو أن "آدم" من شظايا زهدت بها الحياة، وزهد كهلاً بالحياة، وحقق معنى حياته بالانتحار، بعد أن أفرغ ذاكرته في رواية مدينة صارت جثة. إنه "متشائل" آخر حجب هويته حيناً، وقلب الضحكات السائبة إلى انتحار لا معنى له، محاكياً راشد الذي احترق بالمصادفة في نيويورك.

لا يختلف مآل "المتشائل المختلف" عن مآل منال - المرأة الجميلة كالصمت - التي تبنّته ولم تستطع حمايته. دخلت إلى فضاء المأساة مع الهاربين "اللائذين" باللد، وعيّنت نفسها، وهماً، زوجة بطل مشتهى، شهدت احتضاره ورحل، وأَنِسَت إلى مراهق أعمى استغنى عنها وابتعد، فاقترنت بإنسان قبيح هجرها، وعادت إلى قريتها (عيلبون) حيث بقيت حتى جاءها موت قبل الأوان. اجتمع في حياتها العجز والصبر والمشقة والرغبة العاجزة، وختمت حياة لواؤها الإخفاق.

شكلت الهُجْنة صورة "الطفل الناجي" المتوّجة بالانتحار، واستغرق الإخفاق صورة أمه التي حُرمت من الأمومة، واكتفى الأب الموقت بصفتين: العماء والانصراف إلى ذاته كمرجع أخير. حصل على قدر من التعليم في فلسطين ما قبل الكارثة، وعاش تفصيلات المجزرة، واستكمل تعليمه في القاهرة، ووصل إلى نيويورك، وحاضر عن شعر محمود درويش. بحث عن أمان مستديم يضعه في عالم القراءة والكتابة، ويقصيه عن ذكريات قديمة موجعة. حسم الموت "آدم" وأمه، وحصد قبلهما مدينة اللد التي غادرها تاريخها، ومنه شارع صلاح الدين، مستبقياً شظايا بشرية حُشرت في زوايا خانقة دعيت: الغيتو، لا فرق إن كان تسمية إسرائيلية، وهو مستبعد، أو لأن هذا الاسم المتداول آنذاك تناهى إلى بقايا سكان المدينة فأطلقوه على الأطلال التي آووا إليها.

تسير جميع هذه الشخصيات، بانكسار مروع وبخطو ثابت، نحو الموت، بمَن في ذلك "المتعلم الأعمى" الذي يحمل الموت في عينيه المطفأتين، كأن الموت أفق الفلسطينيين الوحيد بعد النكبة، وهو موت ذو طرائق متعددة، فقد وقع على الشاعر راشد حسين في نيويورك، والذي أحرقه منفاه وسيجارته معاً، وعلى "الفلسطيني السبعيني" المستريح في "خياره النيويوركي"، والذي أدرجه السارد في حكايته كصورة عن ذاكرة ملتاعة يقرضها الموت شيئاً فشيئاً.

ما الذي يجعل الموت مآلاً فلسطينياً مستمراً، من حيث هو أثر للحكاية السردية، وما معنى نيويورك "الروائي"، التي اختارها الفلسطيني الخمسيني مرقداً له؟ جاء ذلك ربما من فتنة الحكاية المشتقة من سيرة راشد حسين، والتي لا تعني الفلسطينيين كثيراً، أو من متخيل لغوي يسيطر على عناصره ولا يسيطر عليها في آن. ولعل فكرة "الموت الفلسطيني" الصادر عن نكبة لا اقتصاد فيها، هي التي استقدمت "صندوق غسان الحديدي" في روايته "رجال في الشمس"، حيث الموت يترصد اللاجئين في الطريق، عقاباً على "فرارهم" إلى أرض من رمل وأمل وشمس قائظة، و"حفنة من خبز وخيبة." فقد كان للشاعر اليمني صندوق من عشق ومغامرة، وكان للاجئين، الذين انتهوا موتى بلا قبور، صندوق من خيار خائب وعار، وكان لهم موتهم المتكاثر الذي يصيّر حياتهم استثناء!!

حاور المتخيل الروائي الذي يحايث "الهوية السردية" مصائر مغتربة، وزعها على ماضٍ قتيل، وحاضر يعتاش بذكرياته، ومستقبل مجهول. وقد ترجم المتخيل أقدار "أبناء النكبة" بلغة يعرفها اللاجئون وبعيدة عن "أبناء الغيتو"، وهذه استعارة غير ضرورية، ما دام الأدب لا يشبه الحياة، وهو ما شدد عليه السارد غير مرة.

الغيتو مقولة اجتماعية - مكانية، تمثل - موضوعياً - فئة اجتماعية لا تنتمي إلى الأغلبية، وتحيل إلى الأقل والأضعف والمغاير والمختلف، وهو ما عرفته ولا تزال تعرفه مدن كثيرة في هذا العالم، ويحتاج إلى معالجة خاصة على أي حال. أمّا النكبة فواقعة تاريخية مأسوية عرفها الفلسطينيون في القرن العشرين، ولم يعرفها غيرهم. ومع أن "الغيتو" ارتبط، في شكله الأكثر شهرة، بيهود وارسو البولونيين، الذين عاملهم النازيون بوحشية كبيرة، فليس في وضع فلسطينيي اللد ما يجعلهم "يهوداً جدداً"، إلّا إذا اعتبرنا الذين أشرفوا على تدمير مدينتهم نازيين جدداً، وهو نظر يحتاج إلى معالجة تاريخية لا مكان لها في دراسة عن رواية تستنكر الاضطهاد في كل مكان.

أخيراً، حقق إلياس خوري في "اسمي آدم" الرواية الأكثر تكاملاً عن المأساة الفلسطينية المستمرة. فقد أبان أن مَن لا ذاكرة له لا تاريخ له، وساجل مؤرخين فقراء يختصرون المأساة في وثائق شكلانية، وتوجّه إلى قارىء كوني، محرّضاً إياه على المساءلة والتحرر من الانقياد الأعمى لـ "صناعة الهولوكوست" بلغة نورمان فينكلشتاين. أعطى خوري نصاً متعدد المستويات لا يفتقر إلى الالتباس الذي هو من أبعاد الإبداع الأدبي الحقيقي.

(عن دراسات فلسطينية)

المصادر

(1) ريتشارد كيرني، "دوائر الهيرمينوطيقا عن بول ريكور"، ترجمة وتحقيق سمير مندي (عمّان: دار أزمنة للنشر والتوزيع، 2009)، ص 59.

(2) جي. إيه. وارد، "أشكال الصمت الأمريكي: واقعية جيمس آجي، ووكر إيفانز، وإدوارد هوبر"، ترجمة وتحقيق محمد هاشم (عمّان: دار أزمنة للنشر والتوزيع، 2006)، ص 39.

(3) المصدر نفسه، ص 35.

(4) كيرني، مصدر سبق ذكره، ص 73.

(5) انظر اقتباس بول ريكور في المصدر نفسه، ص 62.

Christian Doumet, La déraison poétique des Philosophes (Paris: Éditions Stock, 2010), p. 253(6).

(7) آري شبيط، "أرض ميعادي"، ترجمة عماد الحطبة ووسام عبد الله (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ حيفا: مكتبة كل شيء، 2018).

(8) بول ريكور، "الذات عينها كآخر"، ترجمة جورج زيناتي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، 2005)، ص 323 - 326.

عن مجلة دراسات فلسطينية