يقدم لنا الكاتب الجزائري هنا قراءة شيقة في رسائل ماركس التي بعث بها من الجزائر التي بقي فيها عدة شهور للاستشفاء، وعانى فيها من الضجر والمرض، في أواخر أيام حياته، ويكشف لنا كيف أنه لم يستطع رؤية الجانب المأساوي فيما فعلته فرنسا في الجزائر في هذا الوقت.

ماركس في الجزائـــر

قراءة في رسائله إلى ابنتيه ورفيقه إنجلز

إبراهيـم مشـارة

 

وصل كارل ماركس إلى الجزائر في 20 شباط ومكث فيها إلى غاية 02 أيار من عام 1882 فقد كان يعاني من ذات الجنب، والتهاب في القصبة التنفسية. وقد نصحه أطباؤه وبعض رفاقه بمن فيهم إنجلز بضرورة المكوث أسابيع في شمال إفريقيا حيث الشمس مشرقة والهواء صحيّ. وكان القصد هو توجه ماركس إلى مدينة بسكرة، لكن تردي صحته حال دون توجهه إلى هذه المدينة الداخلية، حيث يستغرق السفر إليها أسبوعا؛ ناهيك عن مشاق الرحلة. واكتفى بالمكوث في الجزائر العاصمة، حيث أقام بنزل الشرق أولا، ثم نزل فكتوريا في شارع ميشليه (ديدوش مراد) اليوم. يزوره الطبيب "اسطفان" في النزل يفحصه ويعالجه بمختلف الأدوية، ويوصيه بالمشي والتنزه صباحا، والإقلال من القراءة، والاكتفاء فقط ببعض الصحف التي لا تتطلب إمعانا في التفكير.

فقد كانت حالته تنتكس أحيانا وتتحسن قليلا، وفي رسائله التي بعثها إلى ابنتيه جيني ولورا لافارج، وصديق عمره فريدريك إنجلز، يتحدث دائما عن الأرق الذي كان يلازمه وعن السعال الشديد أحيانا، حتى إنه بصق دما ذات مرة. وعن فقدان الشهية، وعن صدمته من كون الجو في الجزائر كان استثنائيا منذ عشر سنوات، فقد ظلت الأمطار تهطل والبرد شديد والسماء دائما ملبدة بالغيوم، وهذا الجو بالذات لا يناسبه، إنه يزيد في معاناته. ولذا لم يكن مستريحا في إقامته بالجزائر وظل ينتظر الرحيل بفارغ الصبر. لكن الأطباء لم يسمحوا له بذلك. إن البقاء في البلد ضروري، فهو مرهق وحالته الصحية هشة وعلامات التعب على وجهه ما تزال ظاهرة. فالراحة وأخذ الدواء والامتثال للتعليمات الطبية، والحرص على الرياضة الصباحية، والمتمثلة في النزهة الصباحية لازمة. وهذا أمر يتطلب أسابيع إضافية. لذا يمكن القول إن ماركس أقام على مضض في الجزائر متسليا بقراءة الصحف الكولونيالية، الصادرة في الجزائر خاصة "المعمر الصغير" والصحف التي تصله مع البريد من أوروبا، ويتسلى بكتابة الرسائل إلى إنجلز وابنتيه جيني ولورا لافارج، وقد كتب خلال إقامته في الجزائر 16 رسالة أغلبها إلى جيني وإنجلز.

لم يتحرك ماركس خلال إقامته في مدينة الجزائر كثيرا، حيث كانت آنذاك تقسم إلى ناحيتين مصطفى الأعلى حيث شارع "ميشليه "و"اسلي" (العربي بن مهيدي) اليوم ومصطفى الأدنى حيث حديقة التجارب وقد زارها مرة. إذا كانت نزهة ماركس اليومية وغالبا صباحا في ناحية شارع ديدوش مراد أو العربي بن مهيدي، وقد سجل ماركس في إحدى رسائله إعجابه بالريف الجزائري أي ضواحي مدينة الجزائر. حيث أبعد في خرجاته هذه المرة وامتدح كثيرا دفء العاصمة وجمال الجو والشمس مسفرة والإطلالة البحرية على خليج الجزائر. كما امتدح كثيرا الاخضرار والزهور التي تزين بعض المناطق. وفيما عدا ذلك ظل يستعد للرحيل فالآلام والأرق والسعال ظل يلازمه. وأنحى باللائمة على إنجلز الذي من فرط حبه لصديقه، حرص على رحيله للاستشفاء-وقد قتله حبا كما قال- لولا أن الحظ كان عاثرا، فالجو كان مكفهرا باردا ملبدا بالغيوم، إلا من أيام قليلة تشرق فيها الشمس ويعتدل الجو.

إذا هي رسائل قصيرة فقد كانت حالته لا تسمح له بالإطناب كما لا تسمح له بالتنزه بعيدا واكتشاف مناطق هذا البلد الإفريقي وعاداته وتقاليده وثقافته ومعاناته من الاستعمار الوخيم الذي دمر كل البنى التحتية والفوقية، وكان بحق أجرم استعمار في القرن التاسع عشر والعشرين معا. إن الذي يهم في هذه الرسائل اكتشاف مدى المعرفة السطحية التي يحملها ماركس والمفكرون الغربيون عن الآخر المختلف، خاصة إفريقيا والعالم العربي. ومن ثمة كانت مقولاتهم وتنظيراتهم أوروبية محضة، ثقافة متمركزة على ذاتها، حيث تهيمن نرجسية متعالية. فالحضارة البيضاء هي المتن والمركز، وغيرها هو الآخر غير الأبيض، الهامش والحاشية واعتراف ضمني بان الآخر ليس عنده ما يستحق النظر أو الاهتمام. ولا أدل على ذلك من سذاجة المعلومات الجغرافية والتاريخية عن البلد والاكتفاء بالاطلاع عليها نتفا من موسوعات وقواميس ذلك العصر. وهي لا تخلو من ابتسار وأخطاء بكافة أنواعها.

ولقد وجد ماركس نفسه في ورطة فهو لم يدن الاستعمار الفرنسي للجزائر، لأنه اكتفى بالنظر إليه اقتصاديا إنه في مصلحة الرأسمالية التي تدخل التحديث الضروري إلى هذا العالم البدوي المتخلف، إنه تغاضٍ سياسي وتركيز على الجانب الاقتصادي للاستعمار. حيث تتأزم الرأسمالية وتبحث عن حلول لأزماتها بتشجيع الهجرات، وما يتبع ذلك من اكتشاف للموارد الأولية، وهجرة لرؤوس الأموال، ومن ثمة خلق دينامكية اقتصادية وتجارية وصناعية وعلمية وثقافية في تلك البلاد المتخلفة. منددا أحيانا من الناحية الأخلاقية بالفظاعة التي يرتكبها الجنود الفرنسيون. والاستعمال الزائد للقوة، وواصفا المعمرين الجشعين باللصوص أو بنات آوى الذين استولوا على أرض الأهالي، ودمروا الملكية الجماعية للأرض (المشاعية)؛ وبالتالي قضوا على الرابطة الأسرية والدموية، وارتباط الأهالي بالأرض. وهي حيلة كان يهدف المعمرون من خلالها إلى تشتيت العائلات، بتشجيع الملكية الفردية، بامتلاك الغير للأراضي وبذر بذور الفرقة والانقسام بينها حتى لا يتهيأ أمر الوحدة والتمرد جماعيا. ندد بهذا لكن لم يندد بالاستعمار على أنه انتهاك للحق الإنساني وبربرية وجرائم للرجل الأبيض باسم نشر الحضارة والتمدين.

وهذه إحدى ورطات ماركس فهو ظل مركزيا، ولم يكن يعني له الآخر المختلف غير تابع لا حظ له من حضارة، ولا من رقي، ولا من تاريخ. نظر ماركس إلى الاستعمار الفرنسي للجزائر على أنه عملية تعمير للأرض، وهجرات بشرية مثل الهجرات الأوروبية إلى أمريكا وأستراليا. فهؤلاء المعمرون الأوروبيون بنوا حضارة ونشروا التقدم وتطورت الحياة والمعارف العلمية والحضارية بهجرة أولئك المعمرين. ولكن ماركس لم يتذكر كافة أشكال الإبادة التي تعرض لها الهنود الحمر والتي كانت بالملايين، ولم ينظر في الاستعمار من الناحية الثقافية، حيث يطغى عليه الشعور بالتفوق والغلبة، فيبيد الثقافة الأخرى لصالح ثقافته المتنصرة والمهيمنة، وهذي جريمة أخرى من جرائم الاستعمار.

نظرة ماركس للاستعمار الفرنسي للجزائر نظرة اقتصادية بحتة أهملت الجانب الحضاري والثقافي والإنساني واهتمت بالجانب الاقتصادي حيث تحتل النظرية المادية حجر الزاوية في تنظيراته وهذه إحدى مآزق كتاباته. فهي فكر مركزي منغلق على ذاته، فالواقع ليس إلا مقولة غربية. في إحدى رسائله إلى لورا لافارج يكتب ماركس ما يلي: "كان المنظر مدهشا كان بعض أولئك المغاربة يرفل في ثياب أنيقة، بل فاخرة، وكان بعضهم الآخر يرتدي ما سأجرؤ على وصفه بأنه بلوزات، كانت فيما غبر من الصوف الأبيض، وحالت اليوم إلى مزق وأسمال، لكن مثل هذه الاحتمالات من يسر وعسر لا يمكن في نظر المسلم الحق أن تقيم من فروق بين أبناء محمد، وهي لا تؤثر في شيء على المساواة المطلقة التي يظهرونها في علاقاتهم الاجتماعية". كتب هذه الرسالة بعد زيارة قام بها إلى حديقة التجارب بالحامة، وقد رأى مقهى في الهواء الطلق يجتمع بعض الشباب والكهول من الأهالي على موائد خشبية يلعبون لعبة الأوراق، ويرتشفون القهوة العربية الإعداد.

وواضح أن ماركس وجد نظريته في الصراع الطبقي لم تفسر سبب هذا الاجتماع الحميم بين موسرين ومعدمين، وهم يلعبون الورق ويحتسون القهوة. فمن المفروض أن الصراع الطبقي والحقد الطبقي لا يترك فرصة لاجتماع الموسرين والمعدمين بهذا الدفء والحميمية والروح الأخوية. وماركس يستبعد الإيديولوجيا – الدين - في تفسيراته للتاريخ الإنساني مما حدا ببعض النقاد إلى اعتبار هذا النص بالذات دليلا على تمركز ماركس على نفسه وانغلاقه على ثقافته الأوربية، وإحساسه بالاستعلاء، وبالتالي فتحليلاته للصراع الطبقي لا تخص إلا الواقع الأوروبي. فالواقع مقولة أروبية لا غير، أو لعله انقلب في هذا المشهد مثاليا! ولا تفسير لذلك إلا بالإقرار بأهمية البعد الروحي في الحياة الاجتماعية، بله والتأثير فيها بصرامة، ولكن يا للعجب يحدث هذا في الشرق وليس في الغرب!

وفي إحدى رسائله أيضا يتحدث عن فجيعة إعدام الفرنسيين للص مسكين؛ وهذا توصيف ماركس ولا شك. أنه يعرف سبب كثرة اللصوصية في الجزائر في ذلك الإبان، والسبب في انتشارها إنه الاستعمار الذي جعل الشعب مشردا وأخذ أرضه وماله وقتل ناسه، أي دمر البنى الاقتصادية والثقافية برمتها للشعب. فظهرت الآفات الاجتماعية بكثرة مثل اللصوصية والسكر وقطع الطريق. وهي مثالب تسبب فيهال الاستعمار، وقد أدانها ماركس سطحيا لكنه لم يتعمق المسألة. وبروح النكتة والطرافة يقص على لورا لافارج فاجعة إنسانية حيث أعدم الاستعمار رجلا بالمقصلة وقطع رأسه، وكان الأهالي يريدون استرجاع الرأس ليلصقوه بالجثة ويدفنوها كاملة. لكن السلطات الاستعمارية رفضت. ويعلق ماركس أن هذا المسكين حين يصل إلى الجنة يجد محمدا يرفض دخوله إلى الجنة حتى يعود إلى الكفار ويأخذ رأسه، فالجنة لا يدخلها مسلم بلا رأس. هكذا روى ماركس هذه النكتة، بروح الاستخفاف والتندر، عن فاجعة إنسانية، وعن استخفاف بثقافة ودين، ولو أنه وصف الضحية بالمسكين! لكن هذا لا يشفع له قلة اعتباره لثقافة الآخر واحترامه للتجارب الحضارية والروحية عند الشعوب غير الأوروبية.

وتجدر الإشارة إلى أن القاموس اللغوي الذي يستخدمه ماركس في رسائله في حديثه عن الأهالي مثل: عصابة من العرب، البدو، ملكوت المسدس، العروق الدنيا، وهي كلمات كان ينتقيها من الصحف الكولونيالية الصادرة بالجزائر - يخففها بالتعاطف البسيط مع الضعفاء دون إدانة عميقة للجريمة وسببها الرئيس- وهي صحافة ناطقة باسم المعمرين الكبار، أو المعمرين الصغار حيث اهتم ماركس بتحليل الصراع الطبقي بينهما، ولم يهتم بإدانة جريمة الاستعمار في حد ذاتها.

وإلا فكيف يسوغ لنفسه أن يكتب في إحدى رسائله مثل هذه العبارة: "الزنوج عبيد للبربر والعرب أحرار في العهد الفرنسي. "إن الشعب برمته من بربر وعرب وزنوج صار عبدا للاستعمار الفرنسي." أخيرا يعلق جورج طرابيشي على أن سطحية معرفة ماركس بالجزائر وإدانته الخفيفة للإجرام الفرنسي، كانت بسب أنه رأى الجزائر بعين القاضي الفرنسي "فرميه." والذي كان لا يندد في الاستعمار إلا بالشدة، وينقل إليه صورا غير كاملة، وما يحب هو أن يسمعه من وجهة نظر طبقة من المعمرين الصغار، الذين كانوا في صراع طبقي مع المعمرين الكبار. وبالتالي أدانوا القسوة الزائدة فقط، ولا يمكن أن يكون تبرير طرابيشي مقبولا. فالاستعمار هو الاستعمار، والظلم هو الظلم، منذ أن خلق الله الأرض والإنسان والسماء. إنه فعل بربري لا إنساني همجي ولم يكن الأمر يحتاج إلى بروز الإمبريالية، وتنامي الاستعمار، وينتظر العالم المخلص لينين، ليدين الإمبريالية ويمجد الحركات التحريرية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ليعرف فداحة الظلم وجريمة الاستعمار منذ عصر الرومان إلى يوم الناس هذا.

كما أن المغالاة في الاعتقاد بصدقية النظريات الماركسية مع حرفيتها – وهي مجرد أدوات لفهم الواقع وتحليله تخطئ وتصيب - والهوس بها إلى درجة الإيديولوجيا، يولد العمى الإيديولوجي، ذلك العمى الذي يجعل الفرد يرى في الحياة لونا واحدا، وجهة واحدة مسطحة ذات بعدين على الأكثر، أحدهما عماه الإيديولوجي. فهو الهوس بالماركسية إلى حد الماركسوية وهي أصولية أخرى على غرار الأصولية القومية والسلفية والعلمية التقنية وما شئت من أشكال العمى الإيديولوجي. وقبل أن يعود ماركس إلى إنجلترا، عبر فرنسا، حلق ذقنه، وتخلص من شعره المستعار، وأرسل لابنته صورة شمسية بلا لحية ولا شعر مستعار، وغادر الجزائر فرحا بالعودة يوم 02 أيار من عام 1882 ليموت بعدها بأشهر قليلة.