ينسج القاص العراقي نصه ببراعة مصوراً مأزق الإنسان المغترب، من خلال حدث يومي يتلخص بجار سكير متعب يتوهم شقته، ليدخل الشخصية بدوامة الأرق التي تجعله كأي غريب يفلسف كل ما يحيط به من أفعال مثل ممسوس فيتخيل تصرفاً غير الذي تصرفه، فيظهر في زمن القصة الوجيز أي فداحة يقع فيها من يعيش غريباً عن وطنه.

أرق طويل الأمد

مـيـثم سلمان

 

أيقظتني دقات متواصلة على باب شقتي في ساعة متأخرة من الليل. هرعت نحو الباب غير آبه لكوني عارياً  حينها إلا من "شورت" طويل يصل إلى حافة ركبتّي. قطعت المسافة نحو الباب بوثبةٍ واحدة رغم أنه يحتاج مني لأكثر من عشر خطوات للوصول إليه، إذ يتحتم عليَّ بعد الخروج من غرفة النوم إجتياز الحمام على اليسار ثم الممر ما بين المطبخ وخزانة المعاطف. وأنا أقترب من الباب سمعت الطارق يكرر بصوت ثمل: "جان، افتحي الباب أنا بوب". ركزت نظري في الثقب السحري المثبت على الباب الذي يشبه منظاراً مزوداً بعدسة (عين السمكة)، فشاهدت صلعة بيضاء يحيطها شعر أشقر يخالطه الشيب. أنه السيد بوب. فتحت الباب ووجدته مستنداً على الإطار الخارجي للباب تجنباً السقوط، ومغمضاً عينيه كما لو كان ينام واقفاً. لاحظتُ نَظّارَتهِ الكبيرة بالكاد معلقة على أرنبة أنفهِ الدقيق. قبل سؤاله عما يريده قال لي بلسان ممطوط وثمل:

 - مبروك عليك هذه الشوارب يا جان.

أجبته بتذمر: "زوجتك في الشقة المجاورة." ثم حاولت إغلاق الباب لكنه دفعه بقوة حتى كاد أن يسقط داخل شقتي. فتلقفته واضعاً يديّ تحت أبطيه لأرفعه. ولأنه أقصر مني صار وجهه يلامس صدري. سحبته ببطء كي أوصله إلى شقتهِ. بعد خطوتين قال:

 - هيي، لا يهمني أنكِ الآن تشبهين سام بشاربيك والشعر الذي على صدرك. سأبقى ... أحبووووووااع.

ثم استفرغ كل ما في جوفه على صدري. ورغم أنني كنت على وشك أن أتقيأ أيضاً نافراً من عفونة السائل اللزج الذي غطى جسدي ألا أنني أجبرت نفسي على مواصلة مهمة إيصاله إلى شقتهِ.  طرقت الباب بقوة لإيقاظ زوجته كي تهتم بشأن كومة القيء التي تدعى السيد بوب.

جاء صوت جانيت مرتبكاً من خلف الباب:

- من؟

- أنا سامي جيرانكم. معي زوجك بوب. هو ثمل جداً ولا يقوى على الوقوف. رحمة لربك افتحي الباب ... حالاً.

فتحتْ الباب بوجل فظهر رأسها الصغير المميز بخدين حمراوين منتفخين يعلو جسدها المكتنز. ترتدي (روب) خمرياً. وبمجرد أن وقع نظرها على زوجها أشرعت الباب وقالت بخجل واضح: "آسفة جداً، سام. أنت فعلاً رجل طيب"، ثم طلبت مني أن آخذ بوب إلى غرفة الجلوس لأضعه على الأريكة.

رجعت إلى شقتي مشمئزاً من عطن القيء على جسدي الذي ألتصق بخياشيمي. أطلت الوقوف مغمض العينين تحت الدُّشّ ليس فقط للتخلص من الرائحة المقززة بل لغسل ذاكرتي تماماً من ذلك الموقف المزعج واستعادة السكينة إلى روحي المثقلة بجراح وخسارات شتى تلك التي جعلتني مثل يائس يقف على حافة هاوية. دفعة خفيفة كفيلة بإرسالي إلى الهاوية.

تقلبت في الفراش لأكثر من ساعة مستجدياً النوم كي أهجع لما تبقى لدي من سويعات قبل التوجه إلى عملي في الساعة السادسة صباحاً، والذي يتطلب مني تركيزاً عالياً، إذ يتوجب عليّ قيادة شاحنة نقل البضائع لثماني ساعات. ورغم أنني لا أطيق ممارسة هذه المهنة المقرفة ألا أنها بالنسبة لي بمثابة قارب نجاة في بحر الغربة الهائج بما توفره لي من دخل معقول يتكفل بمعيشتي مع فائض مادي أبعثه لأهلي الذين يعانون الأمرين في العراق. وهي من المهن القليلة التي يمكن للمهاجرين ممارستها كونها لا تتطلب مستوى عال في اللغة الإنجليزية ولا خبرة كندية. أما عن شهادتي الجامعية في تدريس الجغرافية فلم أعد حتى أذكرها في سيرتي الذاتية في حالة التقدم إلى عمل جديد، كونها لا تساوي عفطةِ عنزٍ عند أصحاب العمل.

لكن كيف سأقوم بعملي غداً وأنا لم أنم أكثر من ثلاث ساعات قبل أن يقتحم عزلتي هذا المعتوه؟! والأنكى من ذلك هو أنني كلما فكرت بضرورة العودة إلى النوم كلما أزداد أرقي. ركلت البطانية بنفور عن جسدي وذهبت إلى المطبخ، جلست إلى طاولة الطعام القريبة من النافذة ألعن حظي العاثر الذي جعل جاري بوب يخطئ بباب شقته فيقلق راحتي. لو كنت من الذين ينامون بمجرد ملامسة رؤوسهم الوسادة، كما لو أنهم ماكنة تنطفئ بضغطة زر، لكان  وقع هذه الحادثة عليَّ أخف.

 مشيت بتوتر ذارعاً غرفة الصالة الصغيرة طولاً وعرضاً. شدة التوتر في داخلي ضاعفت من السخط على بوب. لو أن التاريخ يعود للوراء لتعاملت مع هذه الحادثة بطريقة أخرى، كأن أمتنع عن فتح الباب للسيد بوب أصلاً، أو حتى دفعه خارج الشقة عندما تهاوى على الأرض.

 لا فائدة من التوتر والندم فكل لحظة تمر هي دورة حتمية في عجلة الزمن إلى الأمام، وما علينا سوى المضي قدماً إلى نهاية المطاف بالرغم من أي خسارة. هذا ما تعلمته من لعبة الشطرنج التي أمضي في لعبها على الكمبوتر ساعات طويلة. وكنت قد  بدأت هذه الممارسة كعلاج للتوتر العصبي الذي يرافق متابعة أخبار الخراب المتنامي في العراق، من طغيان الأمس ومخلفات الاحتلال والإرهاب وهيمنة بيادق حروب الوكالة المتقاتلين على رقعة البلد، فتهرآَ مثل معطف بالٍ عصي على الرتق. كل فصل من هذا الخراب أو أي فاجعة جديدة هي لكمة على وجهي وإرجاء العودة إلى مكان النشأة.

ألعب الشطرنج بعد قراءة الأخبار كي أحافظ على الطمأنينة الداخلية والعيش ولو لدقائق معدودة بعيداً عن الواقع. لكن بعد حين رحت أمارس هذه اللعبة بشيء من الهوس كضد نوعي لتراكم الخسارات على رقعة الواقع، انتصارات صغيرة في مقابل هزائم فادحة في الحياة. فصرت أنقطع كلياً عن العالم الخارجي أثناء اللعب. أدمنت على لذة الفوز منتشياً بضرب قطع الخصم حتى غذت رقعة الشطرنج عالمي الرحب والوحيد الذي يمنحني شعور الانتصار. أما عندما أخسر فأشعر بوخزة مزعجة في قلبي. أحياناً أتأفف بمرارة وأضرب المنضدة بيدي  اليمنى التي أمسك فيها فأرة الكمبيوتر عندما أرتكب هفوة غبية (تماماً مثلما أفعل بعد قراءة خبر العواجل المفجعة)، أو أنقل قطعة بدون حسابات صحيحة، أو حينما تظهر على الشاشة تلك الصورة المستطيلة التي تخبرني بفوز خصمي كما لوأنني خسرت البطولة الدولية في الشطرنج.

رحت ألعب بكل جدية وحذر كمن يمشي في حقل ألغام حيث تتعرق وترتعش يديّ وتتصاعد نبضات قلبي. وحينما أكون في مأزق أحدق بكل ما أوتيت من تركيز في تلك السجادة المكونة من أربعة وستين مربعاً بلونين مترادفين. حينها أستنفر كل خلايا الدماغ بحثاً عن مخرجٍ واضعاً كلتا يديّ فوق رأسي كما لو أنني أحاول عصر دماغي مثل خرقة مبلولة للإجابة على أسئلة في أمتحان مصيري.

علمتني هذه اللعبة أن أستغرق وقتاً أضافياً قبل اتخاذ أي قرارٍ متأملاً تعدد احتمالات ما قد يحدث، وأتريث طويلاً قبل الإقدام على خطوتي القادمة. يقال إنه بعد أربع نقلات من إفتتاح اللعب تكون هناك أكثر من ثلاثمئة مليار سيناريو لمسرى الحركات على رقعة الشطرنج. فكل نقلة تحدد سيناريو ما. وهذا يشبه حياة الإنسان كثيراً من ناحية تعدد خياراته التي يصنعها بنفسه طبقاً لمهارته في مواجهة ظروفه الحياتيه. كلٌ منا لاعب شطرنج مستقل في رقعة الحياة. وهي أيضاً تشبه بناء الحكايات، فبعد أن تبدأ الحكاية تكون هناك خيارات جمة لمسار الأحداث، فأي حدث ما يفتح المجال لاحتمالات متنوعة.

لكن السيء في إدماني على لعبة الشطرنج هو إنها جعلتني حاد المزاج وأنظر إلى العالم على أنه ميدان معركة لا رحمة فيه، إذ صرت أتوجس من الجميع ودائم التخطيط لمجابهة الناس.

جلست إلى مكتبي الصغير وشغلت الكمبيوتر لأدخل إلى موقع الشطرنج الإلكتروني المباشر. بعد ثوان ظهر لي خصم من أمريكا (يمكن معرفة منشأ اللاعبين من الأعلام المثبتة بجانب الاسم أما حسابي فقد ثبتُ عليه العلم العراقي وهو سبب آخر يجعلني أصر على الفوز كما لو أنني أمثل بلدي في الخارج).

بدأت اللعب بتقديم البيدق الذي يحمي ملكي خطوتين إلى الأمام والخصم قدم بيدقه الذي يحمي ملكه خطوتين. وكحركة أساسية للسيطرة على مركز ميدان الرقعة وضعت حصاني في مربع (F3)  فنقل خصمي حصانه إلى المربع (F6). بعدها نقلت البيدق الذي يحمي الوزير خطوة واحدة. ثم نشرنا حصانينا الآخرين. تقدم فيله على المربعات السود متأهباً للانقضاض على حصاني الذي لا يسعني تحريكه فملكي قابع في الجهة الآخرى من فيل الخصم. قدمت البيدق الأول لإجبار الفيل على التراجع أو الانتحار بقتله حصاني. لا أريد خسار الحصان فهو عندي أهم من الفيل رغم أن كليهما يعادل ثلاث نقاط. لكن الحصان هو الوحيد الذي يمتلك إمكانية القفز أو الإنزال الجوي لو أستعرنا المفاهيم الحربية الحديثة في مقابل الفيل الذي يشبه القناص. ووفق هذه المفاهيم أتخيل أن الرخ هو دبابة بينما الجندي لا يمتلك إلا السلاح الأبيض للقتل بشكل جانبي وسلاح الملك عبارة عن مسدس يرمي بالمفرد أما الوزير فهو يمتلك كل تلك الأسلحة لذلك قتله يمنحك تسع نقاط وفرصة كبيرة لكسب المعركة.

 تأملت الفيل طويلاً برأسه المدبب الأملس الذي يشبه صلعة بوب. آه! قُتل حصاني. تذكرت حينها فعلة بوب الحقيرة التي أقضت مضجعي، ورحت أفكر بطريقة للانتقام منه. فربما قد قام بذلك عن عمد للسخرية مني. فتصاعدت النقمة عليه في داخلي عندما تذكرت عبارته: " لا يهمني أنكِ الآن تشبهين سام...". لعله يضمر العداء لي شخصياً، إو على الأقل التندر مني، فهو معروف عنه بين سكان العمارة بعجرفته وتبجحه وسخريته الوقحة من الآخرين خصوصاً من لكنة المهاجرين. وحتى زوجته لم تسلم من لسانه.

لكن كيف سأنتقم منه؟ هناك بعض الاحتمالات أمامي. ربما أتوجه إلى خزانة ملابسي وأتناول حزامي الجلدي الأسود العريض وأهرع إلى شقته. أطرق الباب بقوة، وبمجرد فتح الباب سأركله بقدمي وأندفع إلى الصالة، أزيج البطانية عن جسد بوب الممد على الأريكة ثم أشرع بجلدهِ حتى تنبجس الدماء من جسده. وحتماً سيترتب على ذلك أيضاً عدة احتمالات. فربما أضطر للهرب لأنني سأكون مطارداً من قبل الشرطة. وربما سُيقبض عليَّ بعد حين، أو أستسلم للشرطة كملك يرفع الراية البيضاء، أو ربما جانيت تقتلني دفاعاً عن زوجها، وإلى غيرها من الاحتمالات. لكن سرعان ما ألغيت تلك المشاهد العنيفة من رأسي عندما تخيلت بشاعة المشهد ومنظر الدماء الذي أمقته، فضلاً عن أن هذا التصرف يتعارض مع سلوكي المسالم، وضد مبادئي في احترام العدالة ذلك أنني لم أنتهك القوانين قط طوال مدة العشرين سنة التي عشتها في كندا. بل أنني لم أتعرض لأي مساءلة قانونية في ربع القرن الذي عشته في بلاد المهد، رغم أن جوهر ذاك القانون كان قد صُب لخدمة النظام الحاكم. فما دمنا ندعو لتحقيق العدالة واحترام حقوق الإنسان فيجب أذن أن نكون مثالاً لذلك، وإلا صرنا كرجل دين يدعو للصلاح وهو غاطس من أخمص قدميه إلى عمامته في الفساد، أو مومس تدعو الناس للعفة. ثم أن ما فعلهُ بوب السكير لا يستحق أساساً كل هذا العنف، بل ولا حتى الانتقام. فطردت هذه الفكرة وعاودت اللعب.

بعد عدة حركات نقل خصمي فيله الآخر مهدداً حصاني الذي يقف أمام وزيري. قام الخصم بالفعلة السابقة نفسها. اضطررت لإبقاء الحصان في مكانه حماية للوزير. بدأ التوتر يتصاعد وأنا أتأمل الفيل. آه! طار حصاني الثاني وتبعثرت دفاعاتي لتعود معها رغبة الانتقام من بوب.

تولد لدي خيار آخر للانتقام؛ ربما أحاول إغراء جانيت وإقناعها في المجيء إلى شقتي لتناول بعض البيرة سعياً للتأثير عليها وسرقتها من بوب اللعين. وهذا ليس مستحيلاً لا سيما وأن بوب أشبه بميت في تلك اللحظة. ثم أن جانيت لا تمل من الحديث معي كلما صادفتها، وكانت قد دعتني لتناول القهوة معها مراراً وأنا رفضت. أضف إلى ذلك أن بوب دائم التشكي من التزامات الزواج ومن ولع زوجته المفرط بكلبها، إذ سمعته أكثر من مرة يقول إن الزوجة بعد الخمسين تتقزز من رائحة فم زوجها في حين هي لا تتردد بتنظيف (مؤخرة حيوانها الأليف!). لعل تلك الطريقة هي المثلى بالانتقام من بوب وهي تشبه قتل أهم قطعة لدى الخصم في الشطرنج، الوزير، أو الملكة وفق التسمية الغربية. لكن منْ يقول إن جانيت ستفتح الباب أصلا؟  وحتى لو فتحت الباب فهي قد ترفض دعوتي وقد تصفعني رداً على وقاحتي. هب أنها ستلبي دعوتي، فمن يضمن أنها ستتمادى أكثر في خيانة زوجها؟ وحتى لو أفترضنا أنها ستنام معي، وأسجل حينها أنتصاراً ساحقاً على خصمي بوب، فهل من الأمان مواقعة امرأة لا أعرف سوى اسمها؟ نعم، لدي الكثير من علب الواقي الجنسي، لكن احتمالية الإصابة بالأمراض الجنسية واردٌ جداً، فضلاً عن انفجار الواقي أثناء الممارسة. بل الأدهى من ذلك هو أن يستيقظ بوب فجأة في تلك اللحظة ويكتشف أنني أدعو زوجته إلى بيتي. وحينها لا أدرك طبيعة هجومه عليَّ ثأراً لزوجته. لا ألومه إن تحول إلى فيل حقيقي يدعسني بقدميه. فاستبعدت الاحتمال هذا. كلما تعددت الاحتمالات، كلما تضاعف الأرق والصداع. وقفت قرب نافذة المطبخ التي تطل على باحة كبيرة مزروعة بالأثل وتحيطها أشجار كثة لاستنشاق هواء الفجر المنعش رغم برودته. بعد وهلة جاءت جانيت وهي تحمل كلبها الصغير كي يتبول قرب إحدى الأشجار. وبينما كنت أراقب المشهد انتبهت جانيت إلي، ولوحت بيدها اليمنى لتحييني. رددت عليها التحية بصمت. عندما أنتهى كلبها من التبول حملتهُ بكلتا يديها كمن يحمل طفلاً. ووقفت تنظر إليّ لوهلة ثم قالت بصوت عالٍ:

-  هل مازلت مستيقظا؟

لم أرد عليها وبقيت أحدق في المشهد متأملاً اهتمامها بكلبها فهي اضطرت لحمله وضمه لصدرها كي تمنحه الدفء حيث برودة الفجر قاسية عليه. قبل أن تدخل إلى العمارة قالت:

-أرجوك تقبل اعتذاري عما حدث. أوعدك ألا يتكرر هذا أبداً.

منتحتها ابتسامة خفيفة فيما أهز رأسي للأسفل وللأعلى كمن يقول: "لا بأس". بقيت واقفاً ممعناً النظر في تلك النقاط الفضية التي ترصع شرشف السماء الداكن، وتذكرت ما قاله بوب من أن جانيت تشبهني. تخيلتها مثل رجل ثلجي بجسدها الأبيض المدور ورأسها الصغير لكنها تستعير شواربي والشعر الأسود الكث الذي يغطي صدري، أما إذا وضعنا حبة كمثرى للأنف بدل جزرة طويلة سيكون رجل ثلج عراقي بامتياز!

عندما احتلت تلك الصورة ذهني لم أستطع منع نفسي من القهقهة عالياً حتى دمعت عيناي. استعدت تفاصيل المشهد وكيف أنني أنقذت بوب من السقوط فشعرت بالبطولة لأنني لم أتردد بمساعدة جاري بإيصاله إلى بيته متحملاً عطن قيئه. بل أنني أخذته بنفسي إلى الأريكة لينام عليها متجرعاً رائحة زفيره الكريهة التي تشبه رائحة جثة متعفنة. حينها ومضت في رأسي خاطرة:

"في لعبة الشطرنج قد نضحي أحياناً من أجل صيد أكبر يقود إلى الفوز ونسمى هذا تكتيكاً، أما في الحياة فأننا نضحي من أجل هدف سام وجليل. فالبطولة الحقيقية هي في التضحية وليست في الفوز".

تسربت نشوة لذيذة إلى داخلي ألذَ من الفوز في لعبة الشطرنج. نشوة تشبه قبلة خاطفة تمنحها لك فتاة فائقة الجمال في الشارع ثم تختفي في الزحام.

جلست إلى المكتب ثانية وعرفت أن اللاعب الآخر قد فاز بسبب توقفي عن اللعب فتضاءلت نقاط حسابي في موقع الشطرنج. في العادة أشعر بالإحباط وربما الحزن عندما تقل النقاط مع أي خسارة لكن في تلك اللحظة لم أكترث للأمر. بل لم أنقر على خيار إعادة اللعب مع ذات اللاعب كما أفعل غالباً عندما أخسر سعياً للثأر. بدل ذلك قررت إطفاء الكمبيوتر لأن النعاس  أخذ يدب في جفوني. لكن قبل أن أقوم بذلك دخلت إلى إحدى المواقع الإخبارية لمعرفة أخبار العراق في تلك اللحظة، فصعقت لخبر عاجل مؤلم تصدر صفحة الموقع الإخباري مما جعلني أشعر أنني فقدت الأمل نهائياً في العودة إلى أهلي والعيش بسلام. يقول الخبر المفجع إن هناك أكثر من سيارة مفخخة هزت العاصمة بغداد مما خلف مئات القتلى والجرحى من الأبرياء. لكمة أخرى أطارت النعاس وأنعشت الأرق من جديد.