يرى الناقد المصري أنه إذا كانت الحقيبة هي ما يحمل فيها المسافر أمتعته، فقد حمل الكاتب في حقيبته فِعل الحاضر، متأثرا بما فعله الماضي، وأفعاله المؤثرة عليه - مثل السلطة الأبوية والموروث الديني، والاستسلام للعاطفة، ومؤسسا لأمل المستقبل، كي يكون أكثر سعادة، فيأتي من يملك القدرة على كتابته.

البحر يحمل .. «حقيبة الرسول»

شوقي عبدالحميد يحيى

 

لم تكن نكسة يونية 1967 ابنة اللحظة الحاضرة، حينها. فقد كان لها ما سبقها، وما لحق بها، لتظل جرحا نازفا فى عمق النفس المصرية خاصة، والعربية عامة. كما أنها – ورغم كم ما كُتب عنها، فى السرد والشعر العربي، إلا أنها ستظل بؤرة ، ينبع منها، ويصب فيها، الكثير من الأعمال الإبداعية، خاصة بعد أن بردت نار الجروح – ظاهريا- واستوت التجربة، لينظر إليها المبدع بتأن، خاصة الأجيال التى لم تعش مرارتها، وإن عانوا آثارها. وهو المدخل الذى يمكن الدخول به إلى رواية "حقيبة الرسول"[i] للمبدع الذى أتى للحياة بعد وقوعها (1968) محمد صالح البحر، حيث تحضر آثار النكسة لتشكل البؤرة التى تتشعب إتجاهاتها، لتنحت جذورها فى تاريخ مصر المعاصر، وتمتد فروعها لمستقبلها. حيث يتشكل الشكل الدرامى لها، من إبراهيم العائد محملا بعار الهزيمة، ليتخذ من الجبل مهربا، ولينجب "إسماعيل" بعد طول معاناة، ليكبر وتتوق نفسه للارتباط بمن أحب، فيفشل من الزواج بها، ليقف وحيدا، فى انتظار أن يثبت ذاته، قبل أن يأكله النسيان، مثلما ابتلع أبوه من قبل.

إلا ان الكاتب لم يقدم تلك الصورة مجردة، لتقف كالشجرة الجراء فى الصحراء، وإنما جاءت التفاصيل، لنتحت فى تربة الأرض المصرية بحثا عن الجذور التى لعبت دورا جوهريا، فى ماضى الواقعة، سواء على المستوى المحلى/ مصر، أو على المستوى العربى عامة. فلعبت التقاليد، والموروث، دورا فى التأسيس للواقعة. حيث إستسلام إبراهيم / والد السارد لكل ما كان يقول (إله) تلك المرحلة، فيروى الأب إبراهيم عن تجربته فيها { كيف سمحت لنفسي أن أصدقه مرة أخرى وهو يزعق بصوت حزين "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة " لعله كان الأمل الأخير في التعلق بحبل الحياة، الأمل الأخير في استعادة الإله المفقود، والإمام الضائع، مَنْ وضعنا فوق النُصب وأمام الصفوف، وطَفِقْنا نسير من خلفه فتَرَكَنا في حالة السجود....  هذا صنيع عبد الناصر بي} ص110 حيث يلخص إستعمال الأب ل (الإله) تلك النظرة المقدسة (للزعيم)، فضلا عن تلك الجملة الشاعرية التى تحمل فى جوانجبها صورة عصر كامل، مكثفة فى كلمات { وطَفِقْنا نسير من خلفه فتَرَكَنا في حالة السجود}، والتى تعمى الاستسلام والفرعونية التى حولت شعبا إلى حالة (السجود). و {فينتشر صوت عبد الناصر يملأ الصحراء من حولنا، لم نكن نهتز وحدنا لكلامه، أو تتزلزل أجسادنا فقط بعدما تمتلئ بالقشعريرة وتهتف بالنداء، بل اهتزت أيضاً رمال الصحراء من حولنا، والجبال علي البُعد منا سمعنا صوت تململها فوق سطح الأرض كالرعد في قاع السماء، لكنه علي عكس ذلك بدا الموقف في الجبهة فهل خدعنا إلهنا، أم قَصُرَتْ بصيرتنا عن إدراك حكمته؟!}.

ويتوارث الأبناء من الأباء تقديس السلطة الأبوية، فنرى الإبن "إساعيل" يروى عن الأب المستسلم للدموع على سن الجبل يقول { من أين يأتي أبي بكل هذه الدموع؟ وعلى أي شيء يسكبها؟ ويظلُ ساكناً حتى أخشي عليه من الموت، فأقوم إليه، أهزه في تؤدة ابن تَرَبَّي على الأدب الجم فلا يتحرك} حيث تعكس {ابن تربى على الأدب الجم}. تلك النظرة لذلك التقديس.

 ولم يكن ذلك الاستسلام والتواكل، الذى أدى للخديعة، سوى ابن الرؤية الغيبية التى غلفت رؤية الإنسان المصرى، والعربى، والمتمثلة فى رؤية المعجزات الدينية، الرافضة للمناقشة أو للعقل، فتخير منها الكاتب ما يخدم فكرته، وهى قصة سيدنا إبراهيم (أبو الأنبياء)، وزوجته صفية، والتى أعلن هو أن اسمها "هاجر" وابنه إسماعيل (المفتدى بالذبح)، لتصنع الخلفية لكل الأرث الذى يتحكم فى تصرفات البشر، وهو ما نجده فى رفض أهل مريم تزويجها لمن أحبها وأحبته (إسماعيل بن إبراهيم) لأنها محجوزة لابن عمها، وهو ما أدى فى النهاية إلى موتها، بعد أن رفضت الخضوع للتقاليد والموروث، والامتثال لرؤية قبيلتها. حيث تقول عنها صديقتها سعاد وهى تروى لإسماعيل ما كان من أمرها { لقد تمنتْ فقط أن تراكَ وأنتَ تخرج من ديوان عائلتها، أن تُشبع عينيها بكَ قبل أن تفقد رغبتها في الحياة وترتحل إلى عالم آخر، عالم جميل وخالص وخالي من العادات والتقاليد وسلطة القبيلة والقهر}. لتكشف عن نوع آخر من السلطة الفارضة نفسها على فكر الإنسان العربى، سلطة العادات والتقاليد وكأن الكاتب يُرجع بالنكسة إلى سيطرة الديكتاتورية، وتسلط الرأى المتحكم، غير القابل للنقاش أو المجادلة، والمتمثل فى :السلطة الأبوية وسلطة العادات والتقاليد المستمدة من طبيعة الصحراء (الجبل).

وكما ذكرنا أن أى واقعة ليست ابنة لحظتها، وغنما لها ما سبقها، وما لحقها، فالزمن لاعب أساي من بين المؤثرات التى صنعتها. يقول السارد، مبلورا رؤية القضية، وعبورها للأجيال {أأبحث عن الخلاص وأتأمل في فراغ الحكاية، مَنْ يستطيع الجزم بفراغ الحدوتة واهم حقيقي، إذ ليس للحكايات أن تنتهي، إنها فعل ممتد في الزمن}. فإن كل ذلك لم يأت جزافا، أو عشوائيا، أو تعنت منا فى التأويل، وإنما أيده بذكر أصل كل من الأب "إبراهيم" والأم "هاجر" المنحدرين من أصول بعيدة وعريقة، تعود بهما إلى زمن الليبرالية التى كانت قبل 1952. فيتحدث الكاتب عن أصول الأب وكذلك كان نسب الأم، وما يقوله عنهما السارد: فعن نسب الأب يقول { ولم تنقطع زياراته لأعمامه في القاهرة إلي أن تزوج من صافيناز هانم ابنة مدير المديرية بقنا في سِنِّهِ هذه، ولم تنجب له صافيناز هانم غير أبي إبراهيم في عام 1946، وقد توفي عبد الله بعد انهيار الوحدة الوطنية مع سوريا وهو لم يزل صغيراً ابن خمسين سنة، وهي ذات السن التي مات عليها أبي في منتصف التسعينيات من القرن الفائت}

 {وهذا نسب أمي:-

لما كان مبروك ابن خمس وعشرين سنة كانت هوجة عرابي، ولما انتصر الإنجليز أخذوا في القبض على أنصار عرابي من الفلاحين، ففر مبروك – الفلاح الأجير – إلى بلاد الصعيد في رحلة استغرقتْ شهراً كاملاً، راكباً على ظهور حمير الناس الطيبين أحياناً، وسيراً على أقدامه أحياناً عديدة، حتى استوطن مدينة قنا، اشتغل بأعمال كثيرة إلى أن استقر الحال به أجيراً في أرض عبيد باشا، تزوج مبروك من أم الهنا وكانت بنتاً لأجير في نفس الأرض، وأنجبتْ له أحمد ومحمود وخديجة، عاش مبروك خمسين سنة ودُفِنَ في مقابر الصدقات التي خصصها عبيد باشا بجانب من أرضه لدفن الموتى من أُجرائه، ولما كان أحمد ابن ثلاثين سنة تزوج من آمنة وولدت له مبارك وصفية وفاطمة وسعاد، وعمل أجيراً في أرض مكرم باشا التي ورثها عن أبيه عبيد باشا، ولما كان مبارك ابن خمس وثلاثين سنة كانت ثورة يوليو التي أممتْ أرض مكرم باشا، غير أن مبارك لم يمتلك أرضاً من الأراضي التي وزعتها الثورة على الفلاحين، فبرغم اتساع مساحة أرض مكرم باشا إلا أن عدد الفلاحين الأجراء كان أكبر بكثير من إمكانية توزيعها لتشملهم جميعاً ....... تزوج مبارك من حميدة وهو ابن أربعين سنة وولدتْ له أمي صفية التي دعاها أبي هاجر بعد زواجه منها، وقد امتدتْ حياة مبارك إلى ما بعد حرب أكتوبر، وما زالت أمي تعيش إلى الآن.}. ليعكس ذلك كله إرتباط كل من الأب والأم بالحركات الثورية، الاحتجاجية، وكأن زعيم النكسة قد أوقف تلك الروح التحررية، التى كانت. وهو ما يعكس ما حدث من تحول فى المجتمع المصرى، والذى لم ينته فقط بهزيمة 67.- فضلا عن أن عملية توزيع أرض المُّلاك، بقدر ما أفقرت الأغنياء، فإنها لم تُغن الفقراء-. فما الذى أحدثته النكسة فى الشعور الإنسانى؟.

لم يعد ما حدث فى تلك الواقعة ما يمكن الكشف عنه، من دمار للجيش، دون قتال، وانسحاب دون تنظيم، وهو ما عرض الكثير من الجنود للمآسى الإنسانية، غير أن مبدعنا، تخطى كل تلك المظاهر الجسدية- وإن لم يغفلها- إلى المآسى النفسية، خاصة ما حدث ل"إبراهيم" ورواه بنفسه {ورأيتُ فوق رأسي اثنين، أظنهما مَنْ كانا في الطائرة، وقد جاءا يستطلعان نتيجة لهوهما ويُصران علي إكمال اللعبة، سحباني من يديّ وجرجراني إلي داخل الطائرة بعدما خلعوا بنطالي ولباسي وتركوا نصفي السفلي عارياً لا يغطيه شيء سوى بعض الدماء الداكنة التي انسالت من مكان الشظية}. فإن كانت الشطية قد اصابت عموده الفقرى، ما أثر على ساقه، كألم جسدى، إلا ان ما خلفته الفعلة من  إحساس عميق بالعار وبجرح روحي يوغل في جرحها فى النفس، بما يصعب مداواته، حيث أصابته العنة (أو فقد الرجولة)، فلم يعد قادرا على الفعل، لتأتى ابنة الشيخ "موسى" لتتهمه بأن ما فى بطنها منه، وهو الذى حاول معها كثيرا، دون أن يفلح فى تحريك ماكينته، ولتصبح الواقعة "نكسة" جديد، بعد النكسة، حيث تُشعره بالعجز من جديد، ولم يكن ليعلن السبب الحقيىقى الذى ينفى تهمتها، ويكتفى بالإنكار، لتتفاقم مآسته النفسية، فلا يجد إلا الجبل مهربا، حيث كانت{ الطريق الوحيدة التي عرفها هي الطريق إلي سن الجبل هروباً من الأهل والأصدقاء والناس أجمعين، ومن قبل هروباً من النفس التي كلما نظرتُ إلي المرآة لا أجدني فيها}. وحيث كان الجبل هو موطن النبوة، وحيث يتوافق مع الاسم الذى اختاره له الكاتب"إبراهيم"، بما يحمله من حمولة دلالية تؤهله لتلك الواقعة، التى  أوقفت أهل بنت موسى عن قتله، خضوعا لذلك الموروث الإعجازى الغيبى. فبعد أن قتلوا الفاعلة – ابنة الشيخ موسى-، ذهب من ينفذ عليه عملية القتل، بينما هو عائد من الجبل. فتجمد إصبع القاتل على الزناد، وتجمد "إبراهيم" فى مكانه، وأظلمت الدنيا تماما، فما عاد أحد يرى أحدا، حتى أصبح الصباح، وشاهد الجميع ذلك المنظر، فترسبت فى الأعماق فكرة أن إبراهيم (واصل) بالله، لتتواصل الأفعال التى ترسخ لتلك الرؤية، مثل أن يقوم من الغُسل، بعد تقرير طبيب الوحدة الصحية بالوفاة، ليعيش بعدها (أربعين يوما) ثم ليصعد إلى السماء، بعدها، دون أن يراه أحد، أو يعثر أحد له على جسد.

التقنية الروائية

على الرغم مما تحمله "حقيبة الرسول" من آلام، أقرها الكاتب فى افتتاحيته، عندما ذكر: {أستطيع أن أكون فذاً في الكتابة عن الألم، لكن شيئاً لا أستطيع كتابته عن السعادة }. إلا أنه يدعو –ضمنيا- (فى نهاية الرواية) لتجاوز ذلك الألم. وأن يعتبرها صفحة وانطوت { لقد أراد أبي أن يصنع مني رجلاً يحافظ عليه، أما الآن فأنا أصنع رجلاً من نفسي، أراني الآن يتحلق الأولاد من حولي في فناء واسع وكبير ومُظلل بأوراق أشجار كثيفة زرعتها بيدي، وأرى مريم تُقبل نحونا من بعيد، في يدها ورقة بيضاء، ناصع بياضها، وقلم بكر لم يَخُطُّ شيئاً من قبل، وحين تنضم إلينا نبدأ جميعاً في مراجعة الدرس.

كان ياما كان ..

وهذا نَسَبِي. أنا هو أنا}.

 وكأن الكاتب يصنع ما بين البداية والنهاية، حركة الزمن، القادر على فرض النسيان، مثلما فرض على كل المحيطين بالأب "إبراهيم" أن ينظروا إلى صورته المعلقة، وكأنها ديكور، فقد فرض الزمن عليهم النسيان، ومثلما اعتمد "إبراهيم" نفسه على الزمن وقدرته على النسيان، عندما رفض الإفصاح عن فضيحة ابنة الشيخ موسى، مكتفيا بأن (الناس هتنسى). فالزمن إذن، يلعب دور البطل فى الرواية، بدأها الكاتب –كذلك- عندما قسم روايته إلى أرقام متسلسلة، بدأت بالصفر (.) وكأنها إشارة لاعتبار ما قبل الواقعة (لاشئ)، ليبدأ العد من بعدها. ولعتبر تلك دعوة لترك كل الماضى الذى نعيش فيه، وبه، أو كأنها ثورة على العيش فى الماضى بكل خرافاته وتقاليده، وبطولاته، فقط أن نتخذ منه رسالة إلى الحاضر، فلم يكتب فى هذا الجزء سوى الإهداء، وكأنه رسالة الماضى للحاضر، وفى رؤية أن التركيز، يجب أن يكون  فقط على تلك الفترة التى حملت من المرار، ما يستحق الكتابة.

 ثم يعود فى الفصل (2) ليؤكد ذات المعنى، وكأنه خشى أن لا يُدرك القارئ مقصده { لا يعنيني في ذلك حساب تاريخه جيداُ، كيف هو ممتد في الزمن، فالأزمان السابقة مِلْكُ أصحابها فقط، أولئك الذين عايشوا أحداثها، وطعموا حلوها ومرها}. يضاف إلى ذلك أن الإهداء جاء إلى "مريم" تلك الحبيبة التى تحرك كل كيانه لها، وكأنها دعوة للحب، حيث تتحول "مريم إلى رمز الحب، ورمز المقاومة، فهى التى رفضت أن تخضع للسائر من العادات والتقاليد، فرفضت الزواج التقليدى من ابن عمها، وفقما تقول عادة القبيلة – وكم كان موفقا استخدام هذا اللفظ (القبيلة)-. كما أن تعلق الإبن "إسماعيل" بها لم يكن لجمالها، أو لأى صفة خارجية، الأمر الذى يحولها إلى رمز، رمز الحرية، ورمز الإنسانية بمعناها السامى، مثلما كانت كل شخوص الرواية –تقريبا- تخلو من الأوصاف الجسمانية، رغم أنها أصبحت حيوات تنبض بالألم، وتعانى الهوان. وهو ما يؤكده تَرْكُ مساحة لكل الشخوص، كى تُبرز جزءً من القضية، فتعددت صور السارد، الأساسى منها، مثل "إبراهيم" و"إسماعيل، والأم "هاجر"، والعم " إسماعيل إبراهيم العبراني". وحتى غير الأساسية مثل "سعاد" صديقة "مريم" وحاملة رسائلها لإسماعيل، حيث تولى كل منهم الكشف –للسارد الرئيسى- إسماعيل- عما لم يكن ليعرفه بنفسه، فاصبح السرد كله –تقربيا- بضمير الأنا، وإن تعددت الأصوات.

وهنا يمكن النظر إلى جانبين من الرفض، رفض الأب ، ورفض الإبن، أو رفض الجيل السابق ورفض الجيل التالى. حين ننظر إلى لجوء الأب إلى الجبل، والصمت، الصمت على الهزيمة الأولى، نكسة يونيو. والهزية الثانية، نكسة ابنة الشيخ موسى، أنه كان نوعا من الرفض (الاحتجاج). أو الرفض السلبى. بينما إقدام الإبن على التقدم لخطبة "مريم" – رغم علمه بالتقاليد- لهو رفض لهذه التقاليد، أو رفض الخضوع لها، وليجيئ التوافق بين الطرفين، إسماعيل ومريم. الذى يمنح الواقعة منطقية الفعل، حتى وإن انتصرت التقاليد أو السلطة، برفض الخطبة، ومرض مريم الذى أدى بها للموت، وكأنها صرخة تعلن أن (الديكتاتورية) تقتل الحياة، لا فى الجانب الفردى المتمثل فى إسماعيل ومريم، وإنما فى الرؤية الأوسع، خاصة أن الأب إبراهيم قد عاد لطلب مريم من جديد، وهو الذى لم يذهب فى المرة الأول، لتأتى المحاولة واهنة، وبعد فوات الأوان. وكأنها الفشل فى إعادة الزمن. وهنا قد تعترضنا واقعة عودة "إبراهيم" إلى ممارسة الحياة من جديد، ثم عودته للجبل مرة أخرى بعد وفاة عبد الناصر، الأمر الذى قد يٌرى على أنه تناقض بين الموقفين. إلا أن نظرة متأنية إلى الموقف، نرى أن الرواية بذلك تكشف عن بعد جديد، أو رفض لما يبدو أنه تناقض، بين رفض ما فعله بنا عبد الناصر فى 67، وحزن الجماهير عليه بعد موته، وهى (العاطفة). فالواقعة تكشف عن بعد أصيل فى الإنسان المصرى، أنه سريع التقلب، ويخضع للعاطفة أكثر مما يخضع للعقل، وهى السلطة الجديدة من بين السلطات التى يسعى الكاتب لتحطيمها والثورة عليها. وليصبح عودة الأب إلى الجبل بعد موت الزعيم، نوع جديد من الهروب الاحتجاجى، أو الرفض الصامت، الرفض لموت الزعيم، والرفض لموته وما زالت المشكلة قائمة، فقد كانت سيناء تحت الاحتلال لم تزل. وهو ما يكشف عنه –أيضا- إختيار الكاتب لقصة إبراهيم وابنه إسماعيل، ليلبسها شخوصه، ويمعن فى نسج خيوط روايته لما يتوافق مع تلك القصة، من زواج إبراهيم من صفية، رغم رفض القبيلة، وإصراره على تسميتها "هاجر" والحمل بإسماعيل بعد فترة وصلت حد اليأس، ويكفى تأمل الآية التى صارت دستورا [يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى إنشاء الله من الصابرين}[ii] . وخاصة إذا تأملنا رؤية الموروث الذى يُلبس أولياء الأمور ثوب الآلهة. فهى دعوة للتأمل فى ذلك الاختيار، لندرس تلك القصة القرآنية، وهى تتدبر الاستسلام لولى الأمر حتى إذا وصل الأمر حد الذبح، وهو ما فعله الأب –فى الرواية- لتتمثل فى الأصل القرآنى بالفدية. فهى صورة أخرى من الموروث الذى يسعى الكاتب لتحطيمه. وبتأمل الحالة التى هى محل المناقشة -النكسة-، والحالة التى أراد الكاتب التعبير بها عنها – القصة القرآنية- ، فسوف نجد أيضا تلك الآية التى –أيضا- صارت كما لو أنها دستور، وأصبح استخدامها كثيرا، خاصة فى تلك المرحلة[وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم][iii]. فأصبحت سيفا مسلطا على الرقاب، باستخدام (سلطة الدين) وإعتبار ما فيه قضية غير قابلة للنقاش.  

وإذا كان السرد قد تطور من الغموض إلى المكاشفة، فبدا الكثير من الأفعال الخارقة، أو غير المفهومة للأب إبراهيم، مما جعل من نظرة من حوله للعلاقة السماوية، منطقية. فأضفى -الكاتب- على إبراهيم من الأمور الغامضة، أو الغيبية، والتى تبرر استحضار قصة سيدنا إبراهيم وابنه الذبيح إسماعيل، وما يتوافق مع كشف تأثير تلك الغيبيات على البشر، فكانت شخصية إبراهيم –أيضا- هى النموذج أو المثال، والتى لا تنفى بشريته التى أكدها هو بنفسه فىما سماه –الكاتب بمذكرات، روى فيها معاناته مع حلم عبد الناصر المنهار، وارتباطه به، ومعاناته بين ما يراه فى كوابيسه، وخوفه على المستقبل، الذى يمثله الإبن "إسماعيل"، وأسباب لجوئه إلى الجبل، هروبا من النفس ، ومن الناس، لشعوره بالخزى والعار. إلا أن تلك (المذكرات) تحدثت فى كثير بالصيغة المستقلبية { وحين يجئ موعد الغداء سأجلسُ وسطهم في صالة البيت} { بعد العصر سأدعو ابني إسماعيل للصعود معي إلى سن الجبل} { ستنظر هاجر إليّ طويلاً كأنها تعاتبني أنني أحطم الآن فرحتها، وستسألني في حذر وخوف} وهو ما يخرج به من الحالة البشرية (الواقعية) لرؤية الغيب والحديث عما سيحدث. كما ساهم الكاتب أيضا فيما يمكن أن يؤدى إلى الإلتباس فى رؤية تلك الشخصية، وما إذا كانت شخصية عادية، حياتية، أم هو رجل من الأولياء الصالحين، حين يقول "إسماعيل" عنه { لم يكن أبي ينتهي من صلاته طواعية، بل كان يسقط مرتحلاً في غيبوبة طويلة وممتدة، يهمد خلالها الجسد وقد أضحي مُنْهَكَاً وتَعِبَاً إلى أقصى مدى، وتجف عيناه من الدموع المنهمرة، ، أهزه عنيفاُ فلا يتحرك، وعندما أخاف من الموت بشكل حقيقي، وأخاف أن أرجع إلى أمي وحيداً بغير أمانتها التي وَضعَتْها بين يديّ}. وإن كان منطقيا أن يحدث لمن حوله ذلك الإلتباس، مثلما تقول الأم صفية/ هاجر { ولم أسأله مرة أخرى بعدما رفض إجابة سؤالي الأول، لكنه بدا بالنسبة لي كمن ينتظر شيئاً من السماء، معجزة / إشارة / رسول، لا أعرف، لو كنا في زمن النبوة لاعتقدتُ واعتقد الناس معي أنه نبي، لذلك سيبقي أمره غريباً ومثيراً للدهشة حتى تأتي الإشارة، أو يأتي أي شيء آخر من شأنه أن ينهي هذا الأمر، أن يغلق صفحته إلى الأبد، وأن نجد التفسير} هذا على الرغم من بشريته العادية، مثلما يروى الإبن عنه { كان أبي يمتلك حياة كاملة، زوجة جميلة لها وجه وَضَّاء في العتمة، وروح تحلق في سماء البيت فَتَسَّاقَطُ منها البسمة والفرحة ووهج الحياة، لم يكن ثمة رجل في زمنها لم يتمن السكون إليهـا لكنها هاجرتْ إلى أبي، وسكنتْ إليه، تُظلل منه القلب والبيت والحياة بأسرها، سَمَّاها أبي " هاجر " حتى نسيتْ اسمها الأول محبة خالصة له، وجعل يردد في كل مكان: - لولا هاجر لهاجرتْ الدنيا من بين يديّ}.

 فمن المنطقى أن تختلط حالة الأب على من حوله، فهم لا يعرفون ما خبأه فى نفسه وما يشعر به من عار لما صنعه عبد الناصر، ومن ظلم الأهل والناس له واتهامه بما لم يفعله مع ابنة الشيخ موسى، ولإحساسه بالعجز المخجل على الانتصاب، وهو ما يعنى الرجولة؟. أما القارئ الذى يُدرك حقيقة الأمور، فكيف يبرر الصعود إلى السماء، فيما يقربه من الرؤية الدينية، وتشبهه بالمسح عيسى ابن مريم؟. الأمر الذى قد يشتت الرؤية الكلية فى النهاية، فيسأل عن الرابط بين ما حدث على الأرض من هزيمة عسكرية ونفسية، وبين تحول الشخصية إلى شخصية مقدسة. وبالطبع لايمكن أن اتصور أن تتحول الشخصية إلى أحادية الاتجاه أو الرؤية، ولكن ما كان يضر لو أن الرجل مات على فراشه، كما يموت البشر العاديون؟.

 فضلا عن أن التفاصيل التى وصفها الأب، كان الإبن قد وصفها، بتفاصيلها من قبل، ولم تُضف جديدا. لذا فهى تكرار – غير مفيد – مثلما جاء وصف بيت مريم مستغرقا عددا من الصفحات، لو تم حذفها لما تغيرت الرؤية.

       اتخذ الكاتب من الجبل مسرحا، ليس لأحداث روايته فقط، وإنما بما يحمله من عمق تاريخى، حيث فى حضنه انبثقت الديانات، وسكن الكهنة، وزحفت على رماله الجيوش والخيول، فضلا عن أن المآىساة الأساسية فى الرواية، وقعت على أرض سيناء العامرة بالجبال، وكأن "إبراهيم" قد فر منه إليه، خاصة حين آلمه ما حدث فى 67، وما آلمه حين موت من صنع ما حدث فى 67. وهو ما عبر عنه فى الجملة الافتتاحية بالرواية { لم يكن أحد يعرف الجبل مثل أبي}. فكان الجبل هو الملجأ، حين الضيق، وهو الأمل حين كان مولد المستقبل عليه "إسماعيل". فهو الماضى بما يحمله، وهو المستقبل بما يأمله. لذا خصه الكاتب منذ البداية  بصورة تحمل من الشاعرية، أكثر مما تحمل من السرد العادى، وتصوير يحيله إلى كائن حى، وشاهد على مرور الزمن، وحكمة التاريخ، تلك الرؤية التى يضمرها الكاتب، خلف كل تلك الأحداث{وتترامي أطراف الجبل من تحتي ممتدة وموغلة إلى الأسفل في غور سحيق ومخيف، يتسع وتصغر صخوره الحجرية كلما نزل إلى الأرض، فيما تبدو الرمال مسطحة وفي استواء مرآة أحسن الصانع صقلها، لونها الأصفر الفاقع تتكسر من فوقه آثار أقدام كل التواريخ السابقة بكل ما حملتْ فوقها ـ وامتدتْ في الرمال تحت وطأة ثقله ـ من ناس لا حصر لهم، وجِمال بمواكبها المبهرجة، وخيول بفرسانها الأشاوس قطعوا طول الأرض ولم يسعهم عرضها، وحيوانات برية ووحشية أكلتْ وأُكلتْ، ولم يبق لهم من تاريخ سوى آثار أقدام متكسرة فوق رمال مستوية، لم تزل الريح تأتي بحبيباتها الصغيرة من كل صوب بغية طمس المعالم كأنما عن عمد.} وكأن الكاتب قد أعد المسرح، بديكوراته، التى تتناسب مع وقائع العرض. فلعب المكان دورا فاعلا فى الكشف عن شفرات الرواية، وحاملا لحقبة، طالما مر كثير قبلها، وقد يأتى بعدها، لتروى حكمة التاريخ، وتجاوز الزمن، ليتوافق مع رؤية الكاتب فى تخطى مرحلة النكسة، أو طى صفحتها، بل إلى تخطى الماضى كله، وأن ننشئ لأنفسنا ما يناسبنا، وما يتمشى مع ظروفنا الحاضرة، للنظر نحو المستقبل، نحو الحب الذى به كان الإهداء.  

       فإذا كانت الحقيبة هى ما يحمل فيها المسافر أمتعته، فقد حمل محمد صالح البحر، فى حقيبته، فِعل الحاضر، متأثرا بما فعله الماضى، وأفعاله المؤثرة عليه -مثل السلطة الأبوية والموروث الدينى، والعادات القبلية، والاستسلام للعاطفة-، ومؤسسا لأمل المستقبل، كى يكون أكثر سعادة، فيأتى من يملك القدرة على كتابته، مثلما كان هو فذا فى الكتابة عن الألم.

 

EM:shyehia48@gmail.com

 

 

[i] - نحند صالح البحر – حقيبة الرسول- دار العين للنشر 2010.

[ii] - الآية 102 من سورة الصافات.

[iii] - الاية 59 من سورة النساء.