ذاكرة الكلمة تستعيد شاعرا مجددا وكاتبا ومفكرا من الهند، ربندرانات طاغور (1861-1941)، مواليد كالكوتا في الهند.. ولقد أسهم طاغور في إغناء الثقافة والأدب والموسيقى البنغالية كما اكتسب شهرة كأديب وقدم طاغور للتراث الإنساني أكثر من ألف قصيدة شعرية، وحوالي 25 مسرحية بين طويلة وقصيرة وثماني مجلدات قصصية وثماني روايات، إضافة إلى عشرات الكتب والمقالات والمحاضرات في الفلسفة والدين والتربية والسياسة والقضايا الاجتماعية.. في العام 1913، نال طاغور جائزة نوبل للآداب، ليكون بذلك أول أديب شرقي ينالها.

قصائد

ربندرانات طاغور

 

1.

طيور تائهة

في الصفحة الأولى من التاريخ،

 كانت سلطة العملاق

غير محدودة كإنسان،

وبربريّ،

وأبله

وكانت أصابعه خشنة،

ويده سخيفة،

وبالقضيب في يده

نشر الدمار التام

فوق اليابسة

وفوق البحر،

وبالنار والبخار

أدار أحلامه المنحرفة الضالة

في أعماق السماء،

وحقق لنفسه السيادة العظمى

على عالم الجماد،

 أَمَّا نحو الحقيقة الحية،

فقد أعمته الغيرة..

 

2.

الإنسان الطائر

ومثل الأمواج المأخوذة

بإيقاع رقصتها المجنحة،

تلهو تلك الطيور

في ظلّ الأمن

الذي يسري في السموات،

لقد حملت من عصر

إلى عصر

رسالة الحياة للسماء

وللغابة وللجبال..

 

3.

عندما أذهب إلى الغابة

وأرى عظمة الأشجار

والجبال

والطيور

والمخلوقات كلها،

أعرف أن هناك إلها واحدا

لا يُرى

ولكن يجب أن يعبد،

فالذي خلق كل هذه الأشياء العظيمة

هو بالتأكيد أعظم منها،

لذا فهذا الإله

يستحق العبادة..

 

4.

كنت أظن

أن رحلتي أوشكت على الختام،

إيه أيها الموت،

يا منتهى حياتي الأسمى،

تعال واهمس في أذني.

يوما بعد يوم

سهرت في انتظارك،

من أجلك تذوقت هناءة الحياة

وعانيت عذابها.

 إنَّ الكفن المنسدل فوقي

هو كفن التراب والموت،

وإنني لأكرهه،

ولكنني أشده

وأجذبه

في شغفٍ ووجد..

 

5.

المساومة الأخيرة.

ناديت في الصباح

وأنا أسير على الطريق المرصوف بالأحجار:
تعال واستأجرني
وجاء الملك شاهرًا حسامه

وهو على عربته الحربية

التي تجرها الخيل.
أمسك بيدي وقال:

سأستأجرك بقوتي
ولكن قوته كانت لا تعد شيئًا،

فمضى على عربته
في حرارة الظهيرة

كانت المنازل مغلقة الأبواب
ومضيت على الدرب الملتوي.
وجاء رجل عجوز

يحمل كيسًا مليئًا بالذهب
فكر مليًا وقال

سأستأجرك بنقودي
وزن عملته قطعة قطعة،

ولكني أشحت بوجهي.
جاء المساء،

وكان سياج الشجيرات حافلًا بالأزهار.
ظهرت فتاة حسناء وقالت:

سأستأجرك بابتسامي
شحبت ابتسامتها

واستحالت إلى دموع وعادت
وحيدة إلى العتمة.
التمعت الشمس على الرمال

وتكسرت أمواج البحر بتمرد.
وقعد طفل يلعب بالمحارات

على الساحل
رفع رأسه وبدا كمن يعرفني وقال
سأستأجرك بلا شيء
ومنذ تلك اللحظة

والمساومة التي عقدت في لعب طفل
جعلتني رجلًا حرًا.

 

6.

أغنية الشاعر
حين كنت أوالف قيثارتي

على لحني المتقطِّع
كنتَ قصيًّا عن إدراكي.
كيف كان لي أن أعرف
أن تلك الأغنيات كانت تسعى إليك
على شواطئ المجهول؟
وحالما أتيتَ قربي،
رقصتْ أغنياتي على إيقاع خطاك
وكأن نسمة الفرح الأسمى،
في هذا الاتحاد،
كانت تنتشر عبر العالم
وكانت الأزهار تتفتح،

عامًا بعد عام
في أغنية الشاعر
تمدُّ عروس شعره يديها
لتقتبل قربان ما هو آتٍ.
إن المعلوم، في هذا الكون،
يلعب مع المجهول لعبة التخفِّي.

 

7.

عند الصباح
كنت أستفيق على حفيف أشرعة زورقك
سيدة رحلتي،
وكنت أبرح الأرض كي أتبع الأمواج
التي تشير إليّ،
سألتك:
هل نضح حصاد الحلم في الجزيرة
التي تقع وراء السماء اللازوردية؟
وقع صمت ابتسامتك على سؤالي
كما يقع صمت النور على الأمواج
مضى النهار مليئاً بالعواصف والهدآت،
كانت الرياح الحائرة

تغير اتجاهها في كل لحظة
والبحر كان يتأوه،
سألتك:
هل توجد دورة حلمك في جهة ما!
إلى ما وراء البقايا المحتضرة للنهار
الذي ينطفئ كمحرقة مأتمية؟
لم يصدر أي جواب عنك.
وحدهما عيناك كانتا تضحكان
مثل هدب غيمة عند مغيب الشمس،
إنه الليل،
طيفك يهوي في الدياجير
شعرك،
حيث تلعب الريح،
يدغدغ وجنتيّ
وعطره يجعل حزني يرتعش.
تتلمس يداي طرف ثوبك
ثم أسألك:
هل توجد حديقة موتك خلف النجوم
سيدة رحلتي
حيث يتفتح صمتك في أنغام؟
تتألق ابتسامتك وسط
سكون الليل الهادئ
مثل النجمة في ضباب

منتصف الليل
 

8.

دَعْ حيَاتكَ تأتيْ كَـشعلةُ ضوْءٍ ،

طفليْ ..
غيرَ مُضطربةٌ ،

نَقيةٌ ،

وَتبهجهُمْ فيْ الصمَتْ .
قَاسونَ هُمْ فيْ طَمعهمْ وَحسدهمْ ،
كَلماتهمْ كَـ سكاكينَ مَخفيةً عطشىَ للدمَاءْ ،
اذهبْ وَ قفْ وَسطَ قُلوبهمْ الَعبوسةِ ،

طفليْ ..
وَ دعْ عَينَاكَ اللَطيفَتانِ تَسقطانِ عليهمْ ،
كَـ سلامِ المساءِ الغفور بعد انتهاءِ كِفاحِ اليَومْ ..!
دَعهمْ يَرونَ وَجهكَ طِفلي ،

وَهكذا .. يَعلمونَ المَعنى لِكلِّ الأشيَاءْ !
دَعهمْ يُحبُونَكَ ..

وَ يُحبونَ بَعضهمْ البَعضْ .
تَعالَ ، وَ خذْ مَقعدكَ فِيْ كَنفِ اللاحُدودْ ..
طِفلِيْ ..
عِندَ شُروقِ الشَمْسِ ..

افتحْ قلبكَ وارفعهُ كـَ زهرةٍ تتَفتّحْ ..
وَعندَ الغروبْ ..

احنِ رأسكَ ..
وَفيْ الصَمتْ ،

أكملْ عِبَادةَ اليَومْ .!

 

طاغور

في شبه القارة الهندية ظهر مثقَّف وأديب شامل بعد منتصف القرن التاسع عشر يُدعى «رابندرناث طاغور» Rabindranath Tagore (1861-1941) الذي لم يستطع فقط أن يغيِّر النظام اللغوي الهندي بسبب غزارة إنتاجه وإرثه الأدبي، بل إنه أيضًا استطاع إعادة تشكيل وعي شعوب الهند على مدار نحو القرن من الزمان، وتكون صيغة جديدة لأسس التفكير والأفكار الهندية بميراثه الفني الضخم الذي استطاع أن يخترق جميع مجالات الفنون تقريبًا. فقد أبدع طاغور في كتابة الشعر والنثر والأغاني والتلحين الموسيقِي والتمثيل، وأخيرًا، قرابة نهاية عمره، في مجال الرسم؛ حيث ترك لوحات فيما يعرف بفن «الخربشات» Doodles. أضف إلى كل هذا، أنشأ جامعة لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، وكان يُشرِف على تصميم مناهجها بنفسه..

هو شاعر هندي مجدد وروائي ومؤلف للأغاني ورسام وكاتب مسرحي ومفكر، استخدم العامية البنغالية وحرر الشعر الهندي من النماذج التي تعتمد على اللغة السنسكريتية الكلاسيكية، وكان أول كاتب غير أوروبي يحصل على جائزة نوبل للآداب لعام 1913، وقد ارتبط اسمه بالطبيعة والسفر والدفاع عن الحرية وتعليم المرأة ومعارضة زواج القاصرات،.. أمضى طاغور ماتبقى من عمره متنقلا بين العديد من دول العالم في آسيا وأوروبا والأمريكتين، لإلقاء الشعر والمحاضرات والإطلاع على ثقافة الآخرين، دون أن ينقطع عن متابعة شؤون مدرسته، وظل غزير الإنتاج حتى قبيل ساعات من وفاته، حين أملى آخر قصائده لمن حوله، وذلك في أغسطس من العام 1941 في أعقاب فشل عملية جراحية أجريت له في كالكوتا، وقد توفى طاغور عن عمر يناهز 80 عاماً.

تفوَّق طاغور في كتابة الشعر، وبسبب اتقانه للعديد من اللغات، ومنها بالتأكيد اللغة الإنجليزية، ترجم طاغور ديوانين له بنفسه.  كانت جميع أشعار ومؤلَّفات طاغور فلسفة تمزج العلوم بالمشاعر، وتلف كل هذا بلغة شعرية سهلة الوصول لكل من الخاصة والعامة.