مقامات الشاعر المغربي تأتي من تلال قصية حيث تتمنع القصيدة وتركن الى استعاراتها، تنتظر بفارغ الصبر شاعرا يقبض على جمر اللغة ويختلي بنفسه يرى تجليه في الرؤية ويشكل ذاته على منصات البياض كلما ارتخت الصياغات ولامست المعنى كلما ابتعد فيض الشعر الى اللانهائي وأبعد من الأقاصي حيث جوهر الشعر وجوهر الشاعر وبين العبور والحضور والغياب يحفر بوعزة قصيدته في اللغة كي تسبك من فيض الشعر بحيرة تنام بين راحة اليد.

مقامات في مديح الشعر

فتح الله بوعزة

 

مقامُ الْوحْشةِ

الْبنتُ التي خبّأتْ قرنفلةً بيضاءَ في سرّتها

ورفْرفتْ بين نافذتينِ، وانْفجارٍ عظيمٍ

كانتْ تسألُ الرّبّ أن تنامَ الْبراري

والسّفوحُ، على وسائدَ من حبَقٍ وياسمينٍ

الْولدُ الذي رشّ في الْفراغِ دمعتيْن ساخنتيْن

وتسلّق الْبخارَ الواصلَ بين حقيبةٍ، وسماءٍ

كان يسألُ الرّبّ أن يمرّ النّهرُ القديمُ

بسُرّة الصّغيرةِ، وحدائقِها المشْتهاةِ!

الْبنتُ التي تأخّر الشّتاءُ عن موْعدِ بسْمتِها

فمالَ إلى حائطٍ، وشطّ في عزلتهِ

بين هشيمٍ، وحطامٍ

الْبنتُ التي أضاءَ الْقمرُ نصْفَ كأسِها

ونصفَ الْولدِ الْمحاصَرِ بالنّدى، والْبخارِ

كانت تحبّ برْدَ الصّباحِ

وندْفةَ الثّلجِ التي تقْرصُ أنْفَها

فيضحكُ منْها الْوردُ

والْفَراشُ الْواقفُ على حوافِ الْوردِ!

الولدُ الذي غادرَ الْبحرَ

وفي سلّته قراصِنةٌ، وغرْقى

وقُرى غالبَها النّعاسُ

فأوْصتِ الصّيادينَ بالأشْجارِ الْمجاورةِ

وماتتْ على مهْلِها

الْولدُ الذي أهْرقَ نصْفَه في الْخلاءِ

فأنْساهُ صَدى الْماءِ الْمبْهمُ

نصفَه المُكوّمَ بين الْعرباتِ

وأرْصفةِ الْمسافرينَ

كان يحبّ العصافير، وأولَ الشّكّ

عرقَ الْورْدِ في كفِّ أبيهِ

وأقْصى الْيقينِ في حماقاتِ الرُّواةِ

كانَ يوزّعُ الْغيمَ على الْباكينَ، بالتّساوي

ويوصي الْقُرى التي تأخّر الشّتاءُ

عن ميقاتِ سهْوها

بالْبنتِ التي تسلّقتِ الْبخارَ المُقيمَ

بين أهازيجِ الرُّعاةِ، وأزهارِ الْقرنْفلِ

ورفْرفتْ بين عيدَيْنِ

وانْفجارٍ عظيمٍ!

 

مقام الحضور

أنا الحيّ الميتُ فيكمْ

لمْ أرَكمْ تعْبرون مع الْعابرينَ

إلى لوْعةِ الطّيرِ في مسالكِ العمْيانِ

ولم أرَ على أكْتافِكمْ حرَجاً، وَطِيناً

كنْتم تَزِِنونَ الْخطوَ، والنّدى

بميزانِ الذّهبِ

وكلّما أرْسلْتُ نهْراً جديداً

تباطأْتمْ في الْعناقِ

وأنا الْميتُ الحيّ فيكمْ

حارسُ الضّبابِ الْكثيفِ

بين بابٍ، وبابٍ

دليلُ الْكائناتِ إلى نَداوَةِ الرّملِ

وآخرِ الأحْزانِ

أذكر أنّي حملتُ الْغامضَ

منْ فرح الأوّلينَ إلى مرْتعٍ بعيدٍ

مطْمئنّا إلى حكْمةِ اللواتي

تَخََطّيْنَ يقينَ الرماةِ

إلى هرجِ الْماءِ بينَ المنْحدَراتِ

شاهقاتٍ، ومبْتهجاتٍ

أذْكرٌ أنّي خفْتُ قليلاً

من نُباحٍ متختّرٍ بين نافذتيْنِ

ومنْ لزوجةِ الدّمِ في الْبياضِ الْواصلِ

بين جمْجمتيْن، وشرفةٍ

فطفْتُ عليكمْ بأفْراحي

وبين أحْمالي حبقٌ كثيفٌ

وبضعُ أغْنياتٍ عنِ الْمذابح

والْحرْثِ، والنّساءِ

وما رأيتُ على أكْتافكمْ حرَجا، وطِيناً

كنتمْ ضجِرينَ

وصامتينَ مثل رسائلَ ملْغومةٍ

فابْتكرْتُ بلاغةَ الْبرقِ

ومتّ!

 

مقام التجلي

خائفيْنِ، كنّا

من نداوةِ الحيطانِ، وفئْرانِ البيْتِ

من خفّةِ الهواءِ في مخابئِ الموْتى

ومن ظلّ الغريبِ المحاذي

حبقَ الْعائدينَ إلى طفولتِهمْ

ضجِرينَ من سَكْراتِ الرّيحِ

في ليْلِ الذّئابِ

خائفيْنِ كنّا

منَ الرّبّ، وحرّاسِ الرّبّ

وضوضاءِ الدّمِ الْمهْملِ

بين طياتِ معاطفهمْ

ومن صُرّةِ الغريبِ إذا مالتْ بها

ريحُ المساءِ إلى شجرٍ قليلِ الْكلامِ

أو نباحٍ صدئٍ في خلاءِ الْمدينةِ

حذِريْنِ كنّا، نمْشي بين الأيامِ

على أطْرافِ أصابِعِنا

مثل فراشاتٍ تراوغُ النّدى

وبُخارَ الْعائدينَ من غاراتٍ سريعةٍ

ومثلَ رعاةِ الإوزّ الْهائجينَ

اسْتبقْنا مطرَ الأمّهاتِ

إلى مخيلةِ الْودْيانِ

حتّى إذا بلغْنا زهْرة الْبُركانِ

"أوْقَفني بين يديّ"

ودلّنا على أعالي الْكلامِ!

 

مقام الغياب

كنتُ مخطئا حين طلبتُ منكِ

أن تشْغلي الريحَ بالوقت السّائلِ من تجاويفِ الجدران

وأن تغْمسي قدميْكِ الصغيرتيْن في غبش المساء

و تنفخي من أنفاسك في كفّيّ

كي ترْبكَ العواصفَ رائحةُ الترابِ

وأوغلَ في الحريق مثل صرخةٍ تائهةٍ

بين فروجِ الجبالِ

لا الريح اكتفتْ بالجدران

ولا القمح غطّى حوافَ الجراحِ

ولا أنتِ تدلّيتِ إلى آخرِ البئرِ

وزرعتِ غيمةً

أو دمعتينِ !

لمْ أكنْ جادّا تماماً، حينَ قلتُ إنّي متهورٌ

وسريعُ الْجريانِ

مثل حرْبٍ صغيرةٍ تُطلّ من كفّ خائفٍ

الشّتاءُ الذي هطلَ البارحةَ، لم يكنْ دمْعي

والرّياحُ التي تفرّقتْ بين شبابيكِ الْبحرِ

لم تكنْ أنْفاسي

طفلاً خائفاً، كنتُ

بالْكادِ أحْصي أزرارَ قميصي

ومُنعرجاتِ الماءِ في عيونِ الحَزانَى

أشير إلى مخابئِ الخطّائينَ

وكفّايَ تُطلّ منهما

حربٌ سائلةٌ

وموْتى يصغونَ إلى الحياةِ

بانتباهٍ شديدٍ !

كانت مزحةً حين قلتُ إني جسورٌ، ومقدامٌ

وراعي أشجارِ تتفرّقُ منها الغزلانُ، والأيامُ

كانت مزحةً فقطْ

حين قلتُ إنّ عظامي من حديدِ الموْتى

وصيحاتِ القراصنةِ الهائجينَ

بينما أنا لاعبٌ شطرنجٍ فقطْ

خبيرٌ بمسالكِ الحطّابينَ

و أحرسُ رفاقي من العياءِ، والسّهوِ

وكيدِ الرفاقِ

هذه رقعتي، وتلكَ أحْمالُهم

وهذي الجثامينُ ليستْ لي

أنا أمهرُ الرّماةِ بين أدخنةِ المعاركِ

أرفعُ هامتي دوما

في المكانِ الخطأ

كلما نطقتُ

تلاشيْتٌ!

 

شاعر من المغرب