ودع المشهد الثقافي العربي الكاتبة والمترجمة العراقية لطيفة الدليمي، والتي رحلت عنا بعد صراع مع المرض. وعلى امتداد عقود من الكتابة، جمعت الدليمي بين الرواية والقصة والترجمة والمقالة والدراسة النقدية، لتغدو أحد أبرز الأسماء في السرد العراقي الحديث. وتشمل تجربتها الكتابة الإبداعية والخطاب النقدي، إلى جانب العمل المؤسسي في المجال الثقافي، فضلاً عن اشتغالها بالترجمة والمقالة والنقد الأدبي.. في هذا التقرير نقترب من أهم محطات مسارها الأدبي وإصداراتها في مجالات المعرفة الإنسانية الى جانب شهادات عن مسارها الأدبي الحافل والغني.

لطيفة الدليمي .. مسارات الكتابة والأسئلة

 

الروائية العراقية التي تمردت على "سلطة الذكور"

انطفأ صباح الأحد 8 مارس/آذار 2026 قلب الروائية والناقدة والمترجمة العراقية لطيفة الدليمي (1939- 2026)، بعد مسيرة أدبية طويلة حافلة بالعطاء، جعلتها واحدة من أبرز الأصوات النسوية في الثقافة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد حجزت الدليمي مكانتها في المشهد الثقافي العربي بفضل مشروع إبداعي واسع امتد لأكثر من نصف قرن، سعت خلاله إلى تحرير السرد العربي من الهيمنة الذكورية، وفتح مساحات أرحب لتمثلات المرأة في الأدب والفكر، لتغدو أحد أبرز الأسماء في السرد العراقي الحديث.

وتشمل تجربة الدليمي الكتابة الإبداعية والانشغالات النقدية، إلى جانب العمل المؤسسي في المجال الثقافي، فضلاً عن اشتغالها بالترجمة والمقالة والنقد الأدبي. ويبلغ مجموع أعمالها المنشورة نحو ستين عملاً بين التأليف والترجمة. وقد عملت محررةً للقصة في مجلة "الطليعة الأدبية"، ومديرةَ تحرير لمجلة "الثقافة الأجنبية"، كما كتبت أعمدة صحافية على مدى سنوات، وأسست عام 1992، مع مثقفات عراقيات "منتدى المرأة الثقافي" في بغداد، قبل أن تؤسس عام 2004 "مركز شبعاد لدراسات حرية المرأة".

ومن أبرز أعمالها: "سيدات زحل"، و"عشاق وفونوغراف وأزمنة"، و"عصيان الوصايا"، و"كرّاساتي الباريسية"، إلى جانب دراساتها حول "إضاءة العتمة" و"كاليدوسكوب". وفي روايتها "مشروع أومّا"، تطرح إمكانية الخلاص داخل عالم يواجه العنف السياسي والصراع الطائفي، في عمل يرمز إلى المجتمع العراقي بعد الاحتلال، وسط هيمنة المليشيات والفساد والسلاح المنفلت. وقد انشغل مشروعها، خصوصاً في الكتابة التي أعقبت عام 2003، بمواجهة الصدمة العراقية بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

وتُرجمت قصصها إلى اللغات الإنكليزية والبولونية والرومانية والإيطالية، كما تُرجمت روايتها "عالم النساء الوحيدات" إلى الصينية. وعُرفت كذلك بحضورها الدائم في مؤتمرات وندوات وملتقيات في تونس والأردن والمغرب وسورية والإمارات وإسبانيا وألمانيا. وحصلت على جائزة القصة العراقية عام 2004، وجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عام 2016.

وتعرف الدليمي بكونها من الكاتبات المدافعات عن حقوق المرأة، فضلاً عن الحريات وحقوق الإنسان في العراق. ويصادف أنها رحلت في يوم المرأة العالمي. وأسست الدليمي في العام 1992 مع عدد من المثقفات العراقيات، منتدى المرأة الثقافي في بغداد.

ولدت الراحلة في مدينة "بعقوبة" بمحافظة ديالى العام 1939، وتخرجت في قسم اللغة العربية بجامعة بغداد، حيث خاضت مسيرة مهنية ثرية تداخل فيها عالم الصحافة وفنون الأدب، ما جعل أعمالها مادة ثرية للدراسات الأكاديمية والرسائل الجامعية داخل العراق وخارجه. وتشمل تجربة الدليمي الكتابة الإبداعية والانشغالات النقدية، إلى جانب العمل المؤسسي في المجال الثقافي، فضلاً عن اشتغالها بالترجمة والمقالة والنقد الأدبي. ويبلغ مجموع أعمالها المنشورة نحو ستين عملاً بين التأليف والترجمة. وقد عملت محررةً للقصة في مجلة "الطليعة الأدبية"، ومديرةَ تحرير لمجلة "الثقافة الأجنبية"، كما كتبت أعمدة صحافية على مدى سنوات، وأسست العام 1992، مع مثقفات عراقيات "منتدى المرأة الثقافي" في بغداد، قبل أن تؤسس العام 2004 "مركز شبعاد لدراسات حرية المرأة".

من أبرز مؤلفاتها، رواية "عالم النساء الوحيدات" التي تُرجمت إلى الصينية والإيطالية والإنكليزية والفرنسية، فضلاً عن المجموعات القصصية "ممر إلى أحزان الرجال"، "البشارة"، "التمثال"، "إذا كنت تحب"، "موسيقى صوفية". ومن أعمالها اللافتة كذلك: "في المغلق والمفتوح"، "ما لم يقله الرواة"، "شريكات المصير الأبدي"، "خسوف برهان الكتبي"، "الساعة السبعون"، "ضحكة اليورانيوم"، "برتقال سمية"، "حديقة حياة".

وفجعت الأوساط الأدبية العربية برحيل الأديبة والمترجمة العراقية لطيفة الدليمي، وقد حفلت الصفحات الأدبية والثقافية في العالم العربي بأخبار ومقالات تنعي الكاتبة، وتقدم مشاهد من أعمالها وإبداعها الأدبي وترجماتها. كما كتب العديد من الأدباء على منصاتهم نعيا للكاتبة، ووصفها الإعلام الثقافي ب: فقيدة الثقافة العربية.

وكتب الأديب محسن الرملي‏ : خبر حزين جداً؛ وفاة الكاتبة والمترجمة والمثقفة العراقية الكبيرة والصديقة العزيزة لطفية الدليمي.. خسارة كبيرة يصعب تعويضها، ستبقى بصمتها في ثقافتنا خالدة.. شكراً على كل الذي قدمته لنا. لروحها الرحمة والراحة ولأهلها ومحبيها أحر التعازي. كما كتب الأديب الحسين معافا:‏ رحم الله المترجمة العراقية القديرة لطيفة الدليمي، التي كانت قريبة جداً منا في هذا العالم، والتي لم يمسها الغرور ولا الكِبر بكونها الكاتبة والروائية والمترجمة المهمة.. لروحك الرحمة والخلود. وقالت الكاتبة والناقدة دلال الخالدي ‏رحلت لطيفة الدليمي التي كانت واحدة من الأصوات الثقافية البارزة، جمعت في مسيرتها بين الرواية والقصة القصيرة والترجمة والعمل الصحفي والنقد الأدبي، وظلت مدافعة صادقة عن قضايا المرأة والحريات الفكرية، وتركت وراءها أعمالًا كثيرة تُعد مرجعًا في الدراسات الأدبية.

وركز الكاتب والروائي أحمد السماري على الأثر الأدبي للكاتبة الراحلة فكتب: ‏في وداع قامةٍ من قامات الثقافة العربية، رحلت لطيفة الدليمي، الروائية والمترجمة والصحفية العراقية، عن عمرٍ ناهز 86 عامًا، مخلفةً وراءها أثرًا أدبيًا وإنسانيًا عميقًا. كما خلّفت إرثًا إبداعيًا وثقافيًا مميزًا، مزجت فيه بين الكتابة والصحافة والترجمة، والدفاع عن حقوق المرأة والحريات الفكرية. وقدّمت من خلال رواياتها وقصصها وترجماتها رؤيةً متفردة لواقع المرأة والمجتمع، وجعلت من حرية الفكر واللغة جسرًا إلى عمق التجربة الإنسانية. وظلّت أعمالها مرجعًا للقراء والباحثين، وبقي أثرها حيًّا في ذاكرة الأدب العربي. برحيلها يفقد المشهد الثقافي العراقي والعربي واحدًا من أكثر أصواته صراحةً وصدقًا؛ صوتًا يذكّرنا بأن الكلمة الحرة قادرة على إضاءة مناطق الظلام في القلوب والمجتمعات. كانت تمشي بالكلمات كما تمشي الأمهات بأطفالهنّ: بحذرٍ، بمحبةٍ، وبإيمانٍ بأن الطريق مهما اشتدّ ظلامه، ينتهي دائمًا إلى فكرةٍ حرة. في عينيها ظلّ العراق، وفي نصوصها ظلّت المرأة واقفةً.

وكتب أحمد سعداوي في فايسبوكه: "نحن دوماً في اللاوطن أينما نكون" ما زالت ترنّ هذه الجملة للطفية الدليمي في ذاكرتي، من آخر محادثة بيننا. رحلت لطفية، الكاتبة العراقية الكبيرة، والانسانة الرائعة، لمسة المدنية والتحضّر والرقي، وقطعة من ذاكرة البلاد الزاهية بالألوان.. رحلت وتركتنا في اللا وطن، نكابد سبل الخلاص بالكلمات. وقال عبدالعليم البناء‏: وداعاً لطفية الدليمي.. يوم حزين جداً للثقافة العراقية
برحيل المثقفة المبدعة الشاملة لطفية الدليمي، الروائية والمترجمة والكاتبة والصحفية، فقدت الثقافة العراقية والعربية أحد أبرز رموزها عن عمر ناهز 86 عاماً بعد صراع مع المرض، الذي يمهلها لتحتفل بيوم المرأة العالمي (8 آذار) الذي كانت الدليمي من أشرس المدافعات عن حقوق المرأة والحريات المدنية في العراق، وخاضت مشواراً مهنياً جمعت فيه بين التدريس والصحافة والكتابة الإبداعية المتنوعة وصياغة مشروع إبداعي متكامل لاسيما تلك النصوص المسرحية الفائقة الجودة ومن بينها مسرحية "الليالى السومرية" التي أخرجها الراحل الكبير سامي عبد الحميد ونالت عنه جائزة أفضل نص يستلهم التراث السومريّ مقدمة قراءة مغايرة لملحمة كلكامش، إضافة إلى مسرحية الكرة الحمراء – 1997 ومسرحية الشبيه الأخير – 1995 ومسرحية قمر أور. ويدور معظمها في فلك إعادة توظيف الفكر الرافديني لصالح إثراء الحياة المعاصرة، ومنحها زخماً أكبر يمكّنها من المضيّ في الحياة بتفاؤل صعب المنال في الحالة العراقية. وبلغ مجموع أعمالها المنشورة نحو ستين عملاً بين التأليف والترجمة.
إنه يوم حزين جداً للثقافة العراقية برحيلك يا سيدة الكتابة العراقية الأصيلة.. التي حملت شعلة النضال الثقافي التي آمنت أن الإبداع الأصيل ينطوي على نزعة مقاومة الظّلم والخلَل السياسي والاجتماعيّ، ولا يرتضي إذلال البشر واغتيال أحلامهم، ويرفض قلب الحقائق والصمت على تدمير الحياة والإنسان. فإلى رحمة الله تعالى وجنان الخلد.

ودونت دنى غالي: وداعا لطفية الدليمي! حين سُئلت فيرجينيا وولف عن الحرب، وكان العالم على أعتاب حربٍ عالميةٍ ثانية، قالت إن «الثلاث جنيهات» (عنوان مقالتها الأدبية الفكرية) يجب أن تذهب إلى العمل من أجل تعليم النساء، والعمل من أجل أن يدخلن مجال العمل ويكسبن، ثم إلى دعم كل الحركات المناهضة للحروب. ولم تتوانَ عن انتقاد النظام المجتمعي الذكوري المُحرِّض على العنف والسلطة. وكان ذلك في عام 1938.هذا المشعل (مشعل الحرية، السلام، التنوير والانفتاح) حملته لطفية الدليمي، القاصة والروائية والصحفية والمترجمة العراقية، منذ بدء مسيرتها. ورغم كل ما اعترض طريقها، وما طرأ من تغيّرٍ وساد اجتماعياً وسياسيا في بلدها من فكرٍ رجعيٍّ متخلّف، لم تتنازل يوماً أو تَحِد عن الطريق الذي اختطته، وهو ما يجمع عليه اليوم قراؤها، أصدقاؤها وكل محبيها ومتابعيها.
فلترقدي بسلام.

وكتب رحيم الحلي: تعرفتُ إلى الكاتبة والروائية العراقية لطفية الدليمي من خلال مقالاتها الأدبية التي كانت تنشرها في الصحف والمجلات الثقافية. كانت تمتلك لغة جميلة متميزة، تتسم بالرشاقة والموسيقى الداخلية، حتى ليخيَّل للقارئ أنه يقرأ قصيدة نثرية أو قصة قصيرة أكثر من كونه مقالاً فكرياً.
كنت أكتب أحياناً تعليقات على مقالاتها، فكانت تردّ بأدب وتهذيب يعكسان رقيّ شخصيتها وثقافتها. وقد امتازت أيضاً بجمال الطلة، إلى جانب جمال اللغة، وكان لها عدد كبير من المتابعين والقراء.
ورغم نشرها في صحف ومجلات ذات توجهات يسارية، فإنها لم تكن يسارية بالمعنى الأيديولوجي، بل كانت ذات نزعة تقدمية تدافع عن حرية الإنسان وحقوق المرأة، وترفض فرض الوصاية عليها، ومنها الدعوات إلى فرض الحجاب.

غابت الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتطوي صفحة حياة امتدت أكثر من نصف قرن من الكتابة والإبداع والمثابرة الفكرية. برحيلها، لا يفقد الأدب العراقي اسماً بارزاً فحسب، بل يفقد أيضاً صوتاً إنسانياً ظلّ يقاوم العتمة بالحروف، ويكتب عن الإنسان في مواجهة القسوة والعنف والتحولات الكبرى التي عصفت بالعراق والمنطقة. كانت لطفية الدليمي من الكاتبات اللواتي صنعن حضورهنّ بهدوء المثقف العميق لا بضجيج الأضواء. فمنذ بداياتها الأولى في سبعينيات القرن الماضي، اتجهت إلى القصة والرواية والترجمة والمقالة النقدية، وكأنها أرادت أن تبني عالماً معرفياً متكاملاً، يربط بين الأدب والفكر، وبين التجربة الإنسانية وأسئلة الوجود. لم تكن الكتابة لديها مجرد حرفة، بل كانت شكلاً من أشكال التأمل في العالم، ومحاولة لفهم مصائر البشر في زمن تتنازعه الحروب والانكسارات.
لكن ما يميّز تجربة لطفية الدليمي حقاً هو هذا التنوّع الخلاق في مشروعها الثقافي. فقد كتبت الرواية والقصة، واشتغلت بالترجمة، وقدمت دراسات فكرية ونقدية، وأسست مبادرات ثقافية تهتم بحرية المرأة ودورها في المجتمع. ففي عام 1992 شاركت مع عدد من المثقفات العراقيات في تأسيس "منتدى المرأة الثقافي" في بغداد، ثم أسست عام 2004 "مركز شبعاد لدراسات حرية المرأة"، في محاولة لربط العمل الثقافي بأسئلة الحرية والعدالة الاجتماعية.

وفي عالم السرد، تركت الدليمي عدداً كبيراً من الروايات والمجموعات القصصية التي تناولت تحولات المجتمع العراقي خلال العقود الأخيرة. ففي روايتها "سيدات زحل" قدّمت صورة عميقة عن الخراب الذي خلّفته الحروب في حياة البشر، بينما ذهبت في "مشروع أومّا" إلى أفق فكري يمزج بين التأمل الفلسفي والسرد الروائي، محاولةً أن تبحث عن معنى الخلاص في عالمٍ تتنازعه الطائفية والعنف السياسي.
كما عرفت الدليمي باهتمامها بالثقافة العالمية، فقد نقلت إلى العربية أعمالاً فكرية وأدبية مهمة، وعرّفت القارئ العربي بكتابات لعدد من المفكرين والروائيين العالميين. ولم يكن عملها في الترجمة مجرد نقل لغوي، بل كان جسراً ثقافياً يربط الأدب العربي بالحوار الإنساني الواسع.

بلغ مجموع ما نشرته الدليمي نحو ستين عملاً بين الرواية والقصة والترجمة والدراسات، كما تُرجمت بعض أعمالها إلى لغات عدة، بينها الإنجليزية والبولونية والرومانية والإيطالية، وترجمت روايتها "عالم النساء الوحيدات" إلى اللغة الصينية. وقد حضرت تجربتها في العديد من المؤتمرات والندوات الثقافية في العالم العربي وأوروبا، وناقشت الجامعات رسائل علمية عديدة حول أعمالها السردية.

ومع ذلك، بقيت لطفية الدليمي بعيدة عن الاصطفافات الأيديولوجية الضيقة. فقد كانت ترى الأدب مساحةً للحرية الفكرية، ومجالاً لاكتشاف الإنسان في عمقه الروحي والفكري. ولذلك جاءت كتاباتها مزيجاً من السرد والتأمل الفلسفي، ومن الحسّ الإنساني العميق الذي يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.
غادرت الدليمي العراق في سنوات العنف التي أعقبت عام 2003، متنقلة بين عمّان وباريس، لكنها بقيت تحمل العراق في ذاكرتها وكتابتها. كانت ترى أن الكتابة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية ضد الخراب، وأن الرواية قادرة على حفظ الذاكرة الإنسانية في زمن يتداعى فيه كل شيء.
وفي حوارٍ سابق لها، أشارت إلى أن الدافع الحقيقي للكتابة هو "الرغبة في اكتشاف العالم والتأثير في تشكّله". وربما كان هذا القول مفتاحاً لفهم تجربتها كلها، فقد كتبت لتفهم العالم، وكتبت لتترك أثراً في وعي قارئها، وكتبت أيضاً كي تمنح الإنسان مساحة من التأمل في زمنٍ تضيق فيه مساحات المعنى.
برحيل لطفية الدليمي يفقد الأدب العراقي إحدى أهم كاتباته اللواتي ساهمن في تشكيل ملامح السرد العراقي المعاصر. غير أن الكتب التي تركتها خلفها ستبقى شاهدة على رحلة طويلة من الإبداع، رحلة امرأة آمنت بالكلمة الحرة، وبقدرة الأدب على أن يضيء العتمة، حتى في أكثر الأزمنة قسوة.

ونعى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، الروائية والمترجمة لطفية الدليمي، التي وافاها الأجل في العاصمة الأردنية عمان عن عمر ناهز 86 عامًا. وقال اتحاد الأدباء إن الراحلة "خلفت وراءها إرثًا أدبيًا ومعرفيًا زاخرًا أغنى المكتبة العربية والعراقية". وبحسب اتحاد الأدباء، فإن تجربة الدليمي "تعد نموذجًا متفردًا في المشهد الثقافي؛ حيث استطاعت صياغة مشروع إبداعي متكامل تشابكت فيه الرواية والقصة القصيرة بالترجمة والبحث الفلسفي"، كما "اتسم نتاجها بالالتزام العميق بالحرية الفكرية، حيث أصدرت عشرات المؤلفات والترجمات التي باتت اليوم مراجع رصينة للباحثين والقراء على حد سواء". وبرحيل الدليمي، ـ والكلام لاتحاد الأدباء ـ "يفقد المشهد الثقافي عقلاً مستنيرًا وقامة أدبية استثنائية، عُرفت بعزلتها الخلّاقة وقدرتها الفذة على تطويع اللغة لخدمة قضايا التنوير والمعرفة، ليظل أثرها محفورًا في ذاكرة الأجيال القادمة".

ومن آخر كتابتها نقتطف هذا المقال الموسوم ب"نعمةُ العيش بقلبٍ لا يعرفُ الضغينة":

"نبحثُ طويلاً عمّا ينقصُنا، ونادراً ما نتأمّلُ ما هو طوعُ أيدينا. نعيشُ وكأنّ الحياة مَدينةٌ لنا بشيءٍ إضافي دائماً؛ بينما العطايا الصامتة تنسلُّ من حولنا بلا امتنان، بلا اعتراف، وكأنها تفاصيل لا تستحقُّ الوقوف عندها. الحقيقة المؤلمة -لو عرفنا- أنّ كثيراً مما نفتقدُهُ ليس مفقوداً بل مركونٌ في زاوية النسيان. نحوزُ في حياتنا أشياء لو أدركنا قيمتها لخشيْنا فقدانها كما نخشى على أعمارنا: سلامُ الروح، وسكينةُ القلب. نبدّدُهُما بنزقٍ غريب في خصومات لا ضرورة لها، وفي كراهية مستعجلة، وفي أزمات نصنعُها بأيدينا ثم نشكو ثقلها الضاغط على صدورنا.  كم مرّةً خضنا معارك كان يمكنُ تفاديها؟ كم مرّة تشاجرنا لنبرهن لأنفسنا والآخرين أننا على حق، وخسرنا في المقابل راحةَ يومٍ كامل؟ كم مرّة حمّلْنا قلوبنا ضغائن أثقل من قدرتها على الإحتمال، ثم تساءلنا لماذا صرنا مُتعَبين؟ أحياناً، يكفي أن نتوقّف قليلاً لنسأل -أو نسائل- أنفسنا سؤالاً بسيطاً: هل فكّرْنا يوماً في نعمةِ أن نضع رؤوسنا على الوسادة لنغفو، دون أفكار متزاحمة، دون قلق ينهش صدورنا، ومن غير تصارع الأحشاء الداخليّة، بعيداً عن حوارات مؤجلة لا يطيبُ لها ملاعبتُنا بخبث إلّا في جوف الظلام حيث نتوقُ إلى راحة مفتقدة؟ هل نحسبُ هذا أمراً يسيراً؟ أؤكّدُ لك، وهذا بعضُ أثمنِ ما تعلّمتُهُ في حياتي، أنّك لو استطعت أن تنام بقلبٍ تعمّرُهُ السكينةُ، وروح فيّاضة بالسلام، فأنت أحدُ ملوك هذا العالم، حتى وإنْ لم تحمل صولجاناً، ولم تَحِطْك الهيبةُ أو الأضواء. مَلِكٌ بلا ضجيج، بلا عرش، بلا هيلمانات؛ لكنْ بثروة لا تُقدّرُ. أتصدّقُ أنّ كثرةً من هؤلاء يحسدونك على النعيم الذي تقيمُ فيه؟ (...) سلامُ الروح لا يعني أن نُبرّئ الجميع، ولا أن نمحو الذاكرة، ولا أن نُمارس العمى الأخلاقي. هو يعني -ببساطة- أن نرفض بقاءنا رهائن لما لا يمكِنُ إصلاحُهُ. أن نُدرك أنّ بعض المعارك انتهت، حتى لو لم نربحْها، وأنّ بعض الأسئلة لن تنال جواباً، وأنّ الإصرار على حملها لن يمنحنا سوى إرهاق إضافي غير منتج.

في عالمٍ يفيض بالإستفزاز، ويكافئُ الغضب، ويضخّمُ الأحقاد، يصبحُ التحرّر من الضغينة فعلَ مقاومةٍ هادئة. مقاومةٌ بلا ضجيج، بلا شعارات؛ لكن بنتائج عميقة؛ فحين يسكُنُ القلب تستعيدُ الروح قدرتها على التنفّس. أخطرُ ما يمكن أن نتعايش معه وكأنّهُ خصيصةٌ طبيعيّةٌ فينا هو أن نسمح للضغينة أن تقيم فينا إقامة دائمة. ما كلُّ ما يؤلمُنا يتوجّبُ أن يسكننا، وليس كلُّ مَنْ أساء إلينا يتوجّبُ أن يرافقَنا إلى النوم.."

ويسمها الكاتب أنور صابر "لم تنظر لطيفة الدليمي إلى الأدب باعتباره مجرد ممارسة جمالية، بل اعتبرته موقفا فكريا وأخلاقيا تجاه العالم. فالكتابة عندها كانت محاولة دائمة لمواجهة واقع عربي متقلب، واستعادة المعنى وسط التحولات العنيفة التي شهدتها المنطقة. وقد عزز حضورها المستمر في الصحافة الثقافية العربية هذا الدور، إذ كانت مقالاتها النقدية تفتح نقاشات واسعة حول الأدب والحداثة والترجمة، مستندة إلى خلفية معرفية واسعة واطلاع عميق على تاريخ الأفكار.. ولهذا اكتسبت مؤلفاتها، مثل "موسيقى صوفية" (2004)، قيمة خاصة في المشهد الثقافي العربي، حيث مزجت بين السرد والتأمل الفلسفي والنقد الثقافي..".

تحمل سيرة لطيفة الدليمي مفارقة لافتة؛ فقد وُلدت في السابع من مارس/آذار، أي قبل يوم واحد من اليوم العالمي للمرأة، ورحلت في الثامن من مارس/آذار نفسه، بعد عقود كرستها للدفاع عن قضايا النساء والحريات المدنية. وبرحيل لطيفة الدليمي، تفقد الثقافة العربية صوتا أدبيا ظل لعقود مشغولا بأسئلة الحرية والحداثة والمرأة، لكن أثرها سيبقى حاضرا في أعمالها التي واصلت من خلالها مساءلة الواقع والسرد معا.