توفي الكاتب المغربي عبد الغني أبو العزم عن سن ناهزت 85 عاما، وأغنى الراحل، الذي ولد بمراكش سنة 1941، الخزانة الأدبية والمعجمية المغربية بالعديد من المؤلفات. ونعى الوسط الأدبي الوطني أديبا ومترجما ولغويا قدم عطاءات نوعية غزيرة للثقافة المغربية والعربية، كما ساهم في إثراء الدرس الجامعي والتكوين البيداغوجي من موقعه أستاذا بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء. وتقدّم تجربة الراحل نموذجا خلاقا في الثقافة المغربية المعاصرة في قدرته على النهل والكتابة في حقول معرفية متعددة من داخل مشروع فكري واحد.

وفاة المعجمي والكاتب المغربي عبدالغني أبو العزم

 

في سن ناهز خمسا وثمانين سنة، رحل الكاتب والمترجم المغربي عبدالغني أبو العزم شهر مارس الماضي، مخلفا وراءه إرثا معرفيا باذخا كما صادف تكريمه قبل وفاته من طرف العديد من الهيئات والمؤسسات الثقافية، "تقديرا لمساره العلمي في خدمة اللغة العربية، وترسيخ مكانة الدرس المعجمي وتطوير مساراته". شيخ المعجميين المغاربة عبد الغني أبو العزم، الأكاديمي والسارد وصانع المعاجم الذي ألّف معجم الغني الزاهر؛ درّس بشعبة اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس.

ومن المجالات التي طبعها الفقيد في المجال الثقافي كتابة السيرة، التي توجته بجائزة المغرب الكبرى للكتاب، وكانت أحدث إسهاماته فيها قبل سنتين حوارات بعيدا عن الضريح، التي سبقها بعشرين سنة الضريح: سيرة ذاتية، ثم الضريح الآخر الصادر سنة 1996. ومن بين ما شهد عليه منشئ المعاجم المغربي في آخر شهاداته المنشورة؛ المسار، والوعي الثوري والوعي الديمقراطي وميلاد الفكر اليساري بالمملكة، الذي يكشف منه حلقات شهد عليها بجامعة فاس، مع وقوفه عند القضية الفلسطينية، وترافعه لصالح اللغة العربية.

كما أنه صاحب معاجم، من بينها المعجم الصغير المتحرك في أجزائه بين العربية وألسن أخرى للعالم، طبع المشهد الثقافي المتحدث باللغة العربية بإنشائه القاموس اللغوي معجم الغني الزاهر، الغني بالاستشهادات، مع ضمه 30 ألف مادة لغوية وأزيد من 195 ألف كلمة مشتقة من أجل مواكبة التطورات اللغوية الجديدة؛ مع اعتماده فيه ترتيبا ألفبائيا صوتيا: حسب النطق، بدلا من الجذر الصرفي التقليدي، مما يُيسر عملية البحث ويُقرب المعجم من النمط العالمي المعتمد، وتمييز دقيق بين الكلمات: يفصل بين الكلمات العربية الأصلية والكلمات الدخيلة والمعربة”، يرفقه بـ”تعريف دقيق وسياقي لكل منها.

وفي مجال السرد، أصدر عبد الغني أبو العزم "الضريح" و "الضريح الآخر" وهما عبارة عن جزءين من سيرة ذاتية روائية ترصد تجربة جيل كامل وتوثق تحولات اجتماعية وتاريخية مغربية، الى جانب مجموعة قصصية بعنوان "ظلال البيت القديم". كما أصدر الفقيد، بشراكة مع العلامة الدكتور أحمد شحلان الترجمة العربية لكتاب حاييم الزعفراني حول ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب. كما حقق كتاب "أعز ما يطلب" للمهدي بن تومرت. وتشمل قائمة كتبه أيضا "المنهج والنص: مدخل إلى التحليل الإحصائي اللغوي للنصوص الأدبية"، "الثقافة والمجتمع المدني".

وفي المعجميات، خلف أبو العزم عدة إصدارات من بينها "المعجم المدرسي أسسه ومناهجه"، "المعجم الصغير"، و"معجم تصريف الأفعال" و"المعجم اللغوي التاريخي، منهجه ومصدره". وتوج مجهوده في هذا المجال بتأليف معجم خاص هو "الغني الزاهر" في أربعة مجلدات. كما ترأس الجمعية المغربية للدراسات المعجمية. وحصل أبو العزم على جائزة المغرب للكتاب في صنف الابداع لعام 1996، دون أن ننسى تجربته الرائدة ضمن تجربة اليسار المغربي، إصدار جريدة أنوال، اليومية، وأيضا التجربة الرائدة أنوال الثقافي، فضلا عن ترجمته، مع المؤرخ عبد الأحد السبتي، باسمين مستعارين، مرجعا لفهم السياسة بالمغرب، هو أطروحة الأكاديمي الأمريكي جون واتربوري "أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية في المغرب".

وعن تجربته كتب القاص والمبدع المغربي سعيد منتسب "عبد الغني أبو العزم.. المعجم وسيط بين مؤسّسة الحكم والناس في المغرب"، معتبرا أن تجربة أبو العزم "تقدّم مثالاً نادراً في الثقافة المغربية المعاصرة على تداخل الحقول المعرفية وتفاعلها داخل مشروع فكري واحد، إذ تتقاطع في تجربته خمس دوائر كبرى: الكتابة الروائية والشعرية، والبحث اللغوي المعجمي، والتأمل الثقافي في التراث والفكر الإسلامي، والترجمة، بوصفها مختبراً جمالياً لاختبار اللغة في مستوياتها الحية، ثم العمل السياسي. هذا التعدّد في الاهتمامات يمنح تجربته قيمة خاصة، لأنّ الانتقال من الرواية والشعر إلى المعجم أو الترجمة أو التحقيق، لا يجري عبر قطيعة معرفية، بل عبر انتقال في وظيفة اللغة نفسها: من لغة التخييل إلى لغة التصنيف والقياس.. في الحقل الروائي ارتبط اسم عبد الغني أبو العزم بثلاثة أعمال سير-ذاتية روائية ("الضريح"؛ "الضريح الآخر"؛ "بعيداً عن الضريح")؛ والحديث هنا عن ضريح "سيدي بلعباس" في حي الزاوية العباسية بمراكش. ففي "الضريح" و"الضريح الآخر"، على سبيل المثال، تتجسد علاقة الكاتب بالذاكرة الجماعية والفضاء الرمزي، إذ تتحول فكرة الضريح إلى مركز دلالي تتقاطع فيه الأسطورة الشعبية والتاريخ المحلي والتحولات النفسية للشخصيات، كما يتكئ السرد على "الذاكرة" التي تتحول إلى منبع للمعنى، وإلى بنية تنظّم الحكي وتعيد تشكيله وفق إيقاع الشعور بالأحداث، لا في تعاقبها بل في تراكمها وتأثيرها وإلحاحها.

ويمكن القول إنّ أبو العزم، في ثلاثيته السير-ذاتية حول الضريح، ينقلنا إلى سؤال يتعلق بعلاقة المثقف بالسلطة والتاريخ واللغة، فضلاً عن العلاقة بالقضية الفلسطينية التي تستأثر باهتمام خاص لديه، ما يدل على أنّ "منطق الشهادة" هو العمق السردي الذي يتحكم في نقل تجربة جيل من المثقفين المغاربة الذين حاولوا الجمع بين التكوين الذاتي والالتزام السياسي والعمل الثقافي. أما إذا انتقلنا إلى مجموعته القصصية "ظلال البيت القديم"، فإنّ السرد لا يتشكل في لحظة واحدة أو عبر خط متصل، بل عبر مقاطع تتجاور وتتداخل، ينهض بينها زمن داخلي ينساب من لحظة إلى أخرى دون ترتيب كرونولوجي، فتتلاقى الطفولة مع الحاضر في لحظة واحدة، وتصبح الكتابة مجالاً لإعادة تركيب التفاصيل عبر فعل التذكر.

في الحقل اللغوي، وهو الأكثر ارتباطاً بمسيرته الأكاديمية، كرس أبو العزم سنوات طويلة من حياته من أجل إنجاز مشروعه المعجمي الطموح، إذ استطاع أن يبني في أربعة مجلدات "معجم الغني الزاهر" الذي يعد من أبرز المحاولات المغربية المعاصرة لإنتاج معجم حديث يجمع بين الترتيب الدقيق للمادة اللغوية والتبسيط المنهجي في عرضها، وضم أكثر من ثلاثين ألف مادة لغوية، كما أنجز كتاب "المعجم المدرسي"، إذ ناقش وظيفة المعجم داخل المؤسّسة التربوية، وطرح أسئلة حول كيفية تبسيط المعرفة اللغوية دون الإخلال بصرامتها العلمية، ما يكشف عن وعي بيداغوجي عميق، إذ يتعامل مع المعجم باعتباره وسيطاً معرفياً بين اللغة والناشئة، لا مجرد سجل للمفردات.

أما في كتابه "المنهج والنص: مدخل إلى التحليل الإحصائي اللغوي للنصوص الأدبية"، وهو التخصّص الذي كان يدرّسه لطلبته بكلية الآداب عين الشق بالدار البيضاء، فيظهر وجه آخر من اهتمامه العلمي، إذ يتجه إلى تحليل النصوص الأدبية باستخدام أدوات إحصائية ولسانية، في محاولة لإدخال المقاربات الكمية إلى الدراسات الأدبية العربية.

إلى جانب اهتمامه باللغة والمعجم، أظهر أبو العزم اهتماماً كبيراً بالترجمة، قام بالتعاون مع أحمد شحلان بترجمة كتاب "ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب" لحاييم زعفراني، ما ساهم في فتح نافذة أمام القارئ العربي على جانب مهم من التاريخ الاجتماعي المغربي. إذ سعى زعفراني إلى توثيق ألف عام من الوجود اليهودي في المغرب، مرتكزاً على ثلاثة جوانب أساسية: أولا: الجانب التاريخي، فالكتاب يستعرض مسار الاستقرار اليهودي، كما يتناول علاقة اليهود بـ"سلطة المخزن" وبالأغلبية المسلمة، في لحظات التعايش والأزمات. ثانياً: الجانب الثقافي والاجتماعي من حيث تأثر "العبرية المغربية" بالدارجة العربية والأمازيغية، ومن حيث الإنتاج الأدبي والفكري لليهود المغاربة، فضلاً عن المطبخ والملابس والموسيقى. ثالثاً: الجانب الديني والروحي، إذ يستعرض الكتاب التنظيمات الدينية للمجتمعات اليهودية، فضلاً عن وظيفة الحاخامات، وطقوس الزيارات للأضرحة (المعروفة بـ "الهيلولة").

بيد أنّ العمل المترجم الأكثر تأثيراً وجدلاً في المغرب، يبقى هو كتاب "أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية" لجون واتربوري الذي ترجمه أبو العزم بتعاون مع عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، إذ عالج واتربوري الفروقات بين "المخزن" (نظام الدولة في المغرب) والحماية (فرنسا)، كما تناول تأثر النخبة السياسية بالبنية السياسية التقليدية للمجتمع، مبرزاً استعمال الملكية للنخب بوصفها ركيزة أساسية لتقوية مشروعيتها لممارسة الحكم، وذلك من خلال استخدام منهج الاحتواء والانقسام: (البيروقراطية؛ وزارة الداخلية؛ الجيش؛ الديوان الملكي؛ العدالة؛ الدعاية)

ويكشف أبو العزم، من خلال تحقيق كتاب "أعز ما يُطلب" للإمام محمد بن تومرت، عن اهتمامه الثقافي بالنصوص التراثية التأسيسية في تاريخ الفكر العقدي والسياسي بالغرب الإسلامي، إذ يتحرك نص الكتاب المحقق في أفق تعبئة روحية وفكرية، فتتداخل اللغة الحجاجية مع نبرة إرشادية تستهدف تشكيل وعي جماعي منضبط، يلتف حول تصور موحّد للحقيقة الدينية، ما أتاح للدارسين استعادة نص مركزي في التراث المغربي، مع ضبط لغوي دقيق وتأطير تاريخي يسهم في إبراز أبعاده الفكرية ووظيفته في بناء مشروع الدولة الموحدية.

ونعى الناقد المغربي نجيب العوفي "مع رحيل عبد الغني أبو العزم يعتري النفس إحساس بأن جيلا باسلا آيلُ للذهاب إلى التاريخ .. نعلم أن الآجال قدر مقدور ، وما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه / يُوافي تمام الشهر ثم يغيبلكن النفس تبدو بالغة الهشاشة أمام رحيل الأحبة الذي هو جزء من رحيلنا فوداعا قاسيا عبد الغني أبو العزم .هو واحد من جيل القدر الجديد غداة الاستقلال ومن أوائل رجال ظهر المهراز الأشاوس في فاس حسب رائعة صديقنا أحمد المديني، عشنا معه على الصفو والمبدأ وبهجة المعشرأجمل وأشحن سنوات العمر، والعيون مشرئبة إلى مغرب جديد منقح ومزيد . ومن خندق النضال السياسي إلى خندق النضال الفكري توزّعت حياة أبي العزم التي قضى شطرا غير يسير منها في منفاه بباريس قريبا من إيقاع العصر .

ماض نضالي مشرف، ومسيرة أدبية حافلة دؤوب لم  ينقطع نفَسها حتى حان الحين ، وتنوّع خصب في الشواغل الأدبية و الثقافية، لم يشأ أن يستقر على فنَن ولا قنع بسكن . فهو باحث و ناقد ومحقق وسارد نقّل قلمه بين القصة والرواية والسيرة ، ومعجمي محنك قدم للعربية أحدث وأغنى معاجمها وموسوعاتها .. كل هذه العزائم الثقافية اجترحها أبو العزم في اعتكاف علمي وثقافي نُسكي هاديء وراقوأمثال هذا الرجل عصيـٌون على الرحيل وانتهاء الصلاحية ، فهم أحياء تاريخيا وهذه الآثار دالة عليهم .لكن رحيلهم بكل تأكيد ، وفي هذا الوقت الجهم البشع ، يترك في النفس غصة حزن عميقة  على الحال والمآل

لقد ظل الفقيد طيلة مساره يدافع من موقعه العلمي والمجتمعي عن اللغة العربية بوصفها ركيزة من ركائز الثقافة المغربية، ناقلا خلاصاته البحثية حول مكتبتها الغنية، التي تتيح لها أن تكون من بين لغات العالم العشر الأوائل مؤهلة للانفتاح على ثقافة العصر، بكل مكوناتها، بما يمكن أن تستورده من مصطلحات العلوم الحديثة، وكل ما يمكن أن يغني مادتها اللغوية من تعابير جديدة، سواء بواسطة الترجمة، أو ما يمكن أن تستورده من شتى اللغات. ونبه أبو العزم إلى أن الأزمة اللغوية لا علاقة لها بلغة من اللغات؛ بل إن حقيقتها تكمن في مظاهر التخلف من جهة، وانعكاسها على المضامين التقليدية القابعة في البرامج التعليمية من جهة أخرى. ومن الطبيعي أن يمس هذا الواقع مستوى البحث العلمي ومردوديته، كما يمس بالتوالي تسيير الإدارة ومؤسسات الدولة.

لم يقتصر أثر أبي العزم على الجانب المعجمي واللغوي والتأطير الأكاديمي لأجيال من الطلبة والباحثين، الذي جعله شيخ المعجميين المغاربة وفق رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية فؤاد بوعلي؛ بل كان، وفق شهادات من بينها شهادة الأستاذة الجامعية والسياسية اليسارية لطيفة البوحسيني، جزءا من المسار السياسي لمغرب ما بعد الاستقلال، ف"عرفته ساحات النضال منذ شبابه الأول في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، خلال نهاية الستينيات، ثم في صفوف منظمة 23 مارس خلال السبعينيات، التي جاء إليها ضمن ثلة من الشباب المنسحب من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وكان من مؤسسي منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بداية الثمانينيات، وأحد قادتها البارزين، وكان من مؤسسي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ومن الأصوات البارزة في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

وفي شهادته الدالة، يعيد الناقد والباحث عبدالفتاح الحجمري رسم هذا "البورتريه" للمعجمي الفقيد، بأن وسمه ب"حيل لا يطفئ الأثر .. عبد الغني أبو العزم يسكن "ذاكرة العربية".. يقول عبدالفتاح الحجمري: "حين يرحل بعض العُلماء يُسمع في الأرجاء انكسارٌ خفيّ في هيبة المعنى، كأن اللّغة نفسها قد أطبقت دفاترها قليلًا، وحدّقت في الغياب غير مُصدّقة. ذلك أن عبد الغني أبو العزم الذي رحلَ عنّا إلى دار البقاء فجر يوم الأربعاء 18 مارس 2026 لم يكن اسمًا يُضاف إلى سجلّ العلماء، كان صفحةً مُضيئة من يقظة العربية وهي تدافع عن ذاكرتها في وجه التّآكُل، وعن مستقبلها في وجه العَطب.

كان من أولئك الذين لا يكتُبون بالحبر وحْده، وإنما يكتُبون بما يختزن العقل من صبر، وما يختزن القلب من وفاء، وما تختزن الأمم من حاجة إلى علماء يرمّمون خرائب الروح بالحرف، ويشيّدون من المعجم وطنًا ثانيًا لا تسقط حدوده ولا تنطفئ قناديله. فإذا ذكرناه اليوم، فإنما نذكر أستاذا باحثا لم يعش بجوار اللغة، وإنما عاش فيها، وأقام بين مفرداتها، يعرف مداخلها الخفيّة، ويحنُو على ظلالها، ويوقظ من صمتها ما يجعلها أقدر على البقاء من النسيان نفسه.

ليس الراحلون سواء؛ فمنهم من يمرّ في الحياة مرور الظلّ، فإذا غاب لم يترك خلفه إلا فراغَ مكان، ومنهم مَنْ إذا رحل أحسّت اللغة نفسها أنها ثكلت واحدًا من أوفى حُرّاسها. وعبد الغني أبو العزم من هذا الطراز النادر؛ رجلٌ لم يسكن العربية قارئًا أو دارسًا فحسب، سكنها عاشقًا وبانيًا وحارسًا لذاكرتها العميقة. كان إذا اقترب من الكلمة أنصت إلى تاريخها، وإذا أمسك اللّفظة أضاء ما فيها من خبايا، حتى بدا كأنه يرمِّم بيت اللّغة حجرًا حجرًا، ويعيد إلى الحرف العربي هيبته في زمن التّبدد والنّسيان.

عبد الغنيّ؛ ها أنا أكتب إليكَ مُسْرعًا، كأن بيني وبين رحيلك سِبَاقًا أخيرًا، وكأن عليّ أن أدسّ هذه الكلمات في كفّ الغياب قبل أن يغلق بابه. لم أمهل حزني وقتًا ليرتّب نفسه، لأنك تمضي أسرع من العبارة، ولأن القلب، حين يفجعه الكبار، لا يحسن إلا أن يناديهم بما تبقّى فيه من رجفة ووفاء. فخُذْها إذن كما هي: كلمات غير مصقولة بالرَّوية، لكنها مشبعة بصدق الفَقْد، مُبللة بذلك الأسى الذي لا يعرف البلاغة بقدر ما يعرف الحُرقة. لعلها تلحقك هناك، وتهمس لك قبل أن تعلو أكثر: إن الذين خدموا اللغة حتى صارت بعضًا من أرواحهم، لا يرحلون حقًا، وإنما يتركون في الأرض نبضًا من نُور، كلما ظنناه خَبا، عاد يتوهّج في اسمهم.

ويَنحني المعجم حدادًا عليكَ

بكلّ أسًى، وصلني نَعيُكَ؛ أنت الذي لم يكن يمرّ في اللغة مُرور العابرين، بقدر ما كان يدخلها كما يدخل العارف محرابَه: بخشوع العالم، وبصيرة المفكّر، ويد الصائغ الذي يعرف كيف يلتقط من الحروف جوهرها، ومن الكلمات أرواحها، ومن المعجم ذاكرة أمة كاملة.

كنتَ من أولئك النّادرين الذين يهبون اللغة أعمارهم حتى تصبح أعمالهم امتدادًا لصوتها، ويغدو اسمهم جزءًا من تاريخها الحيّ. مشيتَ في دروب الفكر الإسلامي، ونهلتَ من السوربون، ثم عدت لتعمّق مشروعك العلمي في المعجميات بجامعة الحسن الثاني، كأنما كنتَ تعدّ نفسك منذ البدء لمهمة أكبر من التأليف والتدريس: مهمة الإنصات العميق للغة، وهي تتغيَّر، وتتجدَّد، وتُقاوم النّسيان. لم تكن مجرد أكاديمي يُتقن البحث، ولا مُجرد لغويّ يُحسن التصنيف والضبط، كنتَ بنّاءً من طراز رفيع، تبني بالعقل ما تعجز عنه الجُدران، وتشيّد في صمت المختبر وهدوء المكتب صروحًا من المعاني تبقى بعد انطفاء الأجساد. وحين نذكر “معجم الغني” فإننا نذكر أثرًا يشهد على عقل استثنائي رأى في المعجم أكثر من سجلّ للألفاظ؛ رأيتهُ مرآةً لنبض الأمة، وخريطةً لوعيها، وأداةً لحماية ذاكرتها من التّبدد في زمن السّرعة والتشظّي.

كان أبو العزم فسيح الأفق على نحو يندُر اجتماعه في رجل واحد: يتقنُ المعجم، ويُعانق الرّواية، ويمارس الترجمة، ويحقق التراث، ويفتح نوافذ الفكر على الثقافة والمجتمع والسياسة. كان يؤمن أن اللغة لا تعيش في الكتب وحدها، وإنما في الناس، في تاريخهم، في صراعاتهم، في أسئلتهم الكبرى، وفي أحلامهم المؤجلة. لذلك جاءت أعماله شاهدة على هذا الاتساع: من التحليل الإحصائي للنصوص الأدبية، إلى المعجم المدرسي، إلى تصريف الأفعال، إلى تحقيق التراث، إلى ترجمة صفحات بالغة الحساسية من تاريخ المغرب الثقافي، إلى السرد الذي يفتش في الظلال والضريح والبيت القديم عن الإنسان في هشاشته وسرّه وحنينه.

لم يَطلب في مسيرته العلمية مَجدًا شخصيًا، ولم يلهث وراء الأضواء، لأنه آمن بأن المعرفة إذا لم تجد مؤسسات تحتضنها وتُرسّخها ابتلعها النّسيان. لذلك قاد وحدات البحث، وترأس مراكز التواصل الثقافي، وأسّس مع آخرين مساراتٍ معجمية جعلت الاشتغال على اللغة عملًا جماعيًا تتكامل فيه الجهود، لا جهدًا فرديًا عابرًا. كان يدرك أن العالِم الحقّ لا يكتفي بأن يخلّف كتبًا تُقرأ، وإنما ذاك الذي يحرص على أن يترك أثرًا يمتدّ، وتلامذةً يحملون المشعل، ومسارًا واضح المعالم يتابع القادمون من بعده السَّير فيه. واليوم، مع رحيل عبد الغني أبو العزم، تخبو شعلة من معدن نادر، من تلك الشُّعل التي تضيء وتهدي إلى الطريق. نعم، نفقد اليوم قامة علمية وثقافية كبيرة، لكننا لا نفقدُ حضورها العميق، لأن من يكتبون أسماءهم في صميم اللغة لا يبْتَلعُهم الغيابإنما يواصلون البقاء في كُتبهم، وفي أفكارهم، وفي تلامذتهم، وفي كل لفْظة قوَّموها، وفي كل معنى صَانُوه من النسيان.

الغياب الذي أوْجَع الحَرْف

ها هو عبد الغني أبو العزم يمْضي. ولكن، أيُّ رحيلٍ هذا الذي يترك خلفه كلَّ هذا الحُضور؟ كأن الموت، وهو يطوي الجسد، عجز أن يطوي الأثر، فعبرَتْ روحه إلى الخُلود من أوسع أبوابه: باب العلم وقد صدَق، وباب اللغة وقد خدمها بوَفاء، وباب الثقافة وقد حملها بعشق نادر لا يتكرر كثيرًا. سيغيبُ الوجه، لكن صوته سيظل خافتًا وعميقًا بين صفحات معاجمه، وخطاه ستبقى في الدُّروب التي فتحها للدارسين والباحثين والعاشقين للعربية.

يُغيِّبُ الترابُ الأجسادَ، لكنّه يعجزُ عن أن يغيّب رجالًا من قامة عبد الغني أبو العزم؛ لأنهم، في النهاية، يصيرون مَعنى… والمَعْنى الكبير أبْقَى من الموت..