يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفتسكي أن مستقبل الإنسانية لم يكن يوماً بهذا القدر من الانفتاح واللايقينية، وأنّها تقف اليوم أمام أفق بلا سيناريوهات جاهزة. وبين التفاؤل والتشاؤم، يقترح في كتابه "القوة الفائقة: السلطة المفرطة والهشاشة" (منشورات فلاماريون، 2026) موقفاً ثالثاً: الاعتراف بقوّة عصرنا الهائلة، والعمل على توجيهها بدل الاستسلام لها. ويواصل تشريح ما أطلق عليه قبل عقود عصر "الحداثة المفرطة"، التي يرى أنّها تدخل اليوم طوراً جديداً يسمّيه "حضارة القوة الفائقة"، مؤكداً أن منطق هذه الحضارة الجديدة يقوم على السعي الدائم لتجاوز الحدود في جميع المجالات: التكنولوجية والاقتصادية والسياسية، وعلى صعيد الحياة الفردية كذلك. فالحدود التي كان يُرى فيها في العصور السابقة قيوداً أو مرجعيات طبيعية ودينية وقانونية ينبغي احترامها، باتت اليوم تدرَكُ بوصفها تحديّات يجب تجاوزها باستمرار.
وتتجلى ملامح القوة الفائقة، حسب ليبوفتسكي، في ظواهر رئيسية أربع: أولها التقدّم العلمي والتقني المذهل والمتسارع، من غزو الفضاء إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، حيث لم يعد الهدف تحسين شروط العيش، بل إعادة تشكيل الطبيعة والإنسان ذاته. وثانيها الرأسمالية النيوليبرالية المعولمة التي سلّعت الرغبات والحاجات وأنماط التفكير، ورسّخت تركزا غير مسبوق للثروة والسلطة، وخلقت شركات عالمية تفوق قوّتها قوة دول عديدة. أما ثالث هذه الظواهر فهي الفردانية المفرطة التي تضع الذات في مركز كل شيء، وتطالب بحرية مطلقة في اختيار الهوية والجسد ونمط العيش، وحتّى في اختيار لحظة الموت، حيث تمثل "نزعة ما بعد الإنسانية" ذروة هذا المسار بسعيها إلى تجاوز المرض والشيخوخة والموت ذاته.
وأخيراً التحولات الجيوسياسية، مع عودة منطق القوة إلى الواجهة على حساب القانون الدولي، وصعود الإمبربالية الجديدة، وتعاظم الأنظمة السلطوية التي ترفع شعار السيادة المطلقة. ويترافق ذلك كلّه مع تنامي المخاطر المتمثلة بالأزمة البيئية، وتراجع الديمقراطية وتصاعد النزعات القومية والشعبوية، وعودة الحرب في أوروبا، والهجرة غير الشرعية، والإرهاب، والتفكك التدريجي للنظام الدولي.
ويختار ليبوفتسكي ثلاث شخصيات أسطورية إغريقية لتجسيّد هذه المرحلة: بروميثيوس، رمز السيطرة التقنية على الطبيعة؛ ونرسيس، رمز الفرد المتمركز على ذاته واللاهث وراء الرفاه؛ ومارس، رمز عودة الحرب ومنطق القوة العسكرية وسباق التسلح، في سياق عالمي مضطرب. ويبيّن أن "القوة الفائقة" ليست ظاهرة حديثة النشأة، فقد عرفتها البشرية قديماً في شكل إمبراطوريات دينية وسياسية اكتست سلطتها المطلقة طابعاً مقدساً، ثمّ جاءت الحداثة "فعلمنتها" ونقلتها من السماء إلى الأرض، لتتجسد بالإيمان بالتقدّم وقوة العلم والتقنية بوصفهما أداتين شبه خَلاصيتين لتحسين العالم بلا حدود، في إطار تصور خطي للتاريخ يتجه دوماً نحو مستقبل أفضل.
أما اليوم، وفي عصر "الحداثة المفرطة"، فلم تعد "القوة الفائقة" حكراً على الدولة، بل باتت "فوق سياسية"، تتحرّك بقدرات لا تكاد تحدّ عبر التكنولوجيا والسوق والشبكات الرقمية، لكنها تمضي بها دونما رؤية واضحة للغايات أو تبصّر لمخاطر الاندفاع غير المضبوط، في سعي محموم لاقتحام كل مجهول وتجاوز كلّ ممكن، حاملة في طياتها توتراً بنيوياً دائماً بين الطموح اللامحدود واحتمال الانهيار في أي حين.
لكن ليبوفتسكي لا يدعو إلى رفض "القوة الفائقة" أو شيطنة التقنية. فهو يعدّها أمراً لا رجعة فيه، فضلاً عن أنّها تحمل إمكانات هائلة للابتكار وحل الأزمات، بما فيها الأزمات التي ساهمت هذه القوة نفسها في تفاقمها. فيؤكد قائلاً إن "القوة الفائقة ليست شراً في ذاتها. وتجاوز الحدود ليس تهديداً فحسب، بل هو محرّك الابتكار والتقدّم. فإذا وُجّهت هذه القوة الفائقة بوعيٍ أخلاقي وإرادة سياسية لخدمة الخير العام، أمكن أن تصبح قوة للتحول والتقدّم. فالمطلوب هو تأطيرها وتنظيمها،لا وصمها أو شيطنتها". وعليه، فإنّ التحدي، عنده لا يكمن في وقف النمو أو إعلان العداء للتقدم، بل في تنظيم هذه القوة وتوجيهها عبر القانون والمؤسسات الديمقراطية، بما يحول دون تحوّلها إلى قوة مدمرة للطبيعة والإنسان.
طغيان السعادة الشخصية مقابل تراجع المشاريع الجماعية الكبرى
ويكشف هذا التفاؤل المشروط عن ميل ليبوفتسكي إلى قراءة ظاهرة "القوة الفائقة" ضمن أفق ليبرالي لا يذهب بعيداً في مساءلة الرأسمالية المعولمة ونقد منطقها نقداً جذرياً، وإنْ كان لا ينكر طبيعتها الملتبسة، فهي تحمل من الوعود قدر ما تحمل من المخاطر، "فكلّما تعاظمت القدرات التكنولوجية، أنتجت آثاراً جانبية تصعب السيطرة عليها". فتغدو بذلك مصدراً للهشاشة الفردية ومنبعاً للشعور العميق بانعدام اليقين، بما تحدثه من تآكل للأطر التقليدية التي تمنح المعنى والاستقرار، وبما تولّده من مشكلات بيئية مثل التغير المناخي أو اقتصادية كالفقر واحتكار الثروة، أو اجتماعية مثل العزلة والاضطرابات النفسية.
وحين يراهن المؤلّف، رغم كل شيء، على قدرة الإنسانية على "حشد القوة من أجل كبح القوة" فإنما يعبر عن قدر من الثقة في قدرة العقلانية السياسية والتقنية على توجيه دينامية تتسم، بطبيعتها، بالتوسع المستمر. فهل يمكن حقاً ضبط منطقٍ يقوم على التجاوز الدائم للحدود؟ أم أنّ "القوة الفائقة" تحمل في ذاتها ميلاً جامحاً إلى الانفلات يتعذر كبحه بأيّ حال؟
يذيّل المؤلف فصول كتابه السبعة بحوار أجراه معه عالم النفس لوي رافينو ركّز فيه على تحوّلات الثقافة المعاصرة في ظل "الفردانية المفرطة" وعلاقتها بمنطق "القوة الفائقة". يشدّد ليبوفتسكي هنا على طغيان فكرة السعادة الشخصية وتحقيق الذات مقابل تراجع المشاريع الجماعية الكبرى، في
ظاهرة يسميّها "النرجسية الجديدة"، التي باتت تمثّل نمطاً ثقافياً عاماً لا اضطرابا فرديا، يحلّ فيه "الإنسان النفسي" محلّ "الإنسان السياسي". فالنرجسي المعاصر "لا يكتفي بتأمل ذاته، بل يعمل على تحسينها"؛ فيحرص على ممارسة الرياضة ومراقبة نظامه الغذائي، ويلجأ للجراحة التجميلية، ويطارد المتعة والرفاه. لكن هذا السعي لا يخلو من هشاشة: فتصاعد التركيز على الذات يولّد مزيداً من القلق والشعور بعدم الاكتفاء. فإذا كانت القوة الفائقة لا تعني "كلية القدرة"، وتعجز، على المستوى العام، عن معالجة ما ينجم عنها من مشكلات، فإنّها تصطدم، على الصعيد الفردي "بحد أنثروبولوجي" يتعذر بلوغه، ألا وهو السعادة "الفردية" المنشودة.
*شاعر ومترجم من الأردن
العربي الجديد