مابين شتاء وأخر ..
وأمام خِزانة الملابس (الدّولاب) يبدأ إعادة ترتيب الأوضاع لسابق عهدها،
لم يأخذ الأمر وقتا طويلًا، لا سيّما مع قلة ما هو متاح من الملابس الشتويّة، اجلس متفحِّصًا ما تحتويه خزانة الملابس بعد تفريغها تمامًا، استعدادًا لانتقاء منها ما يناسب هذا الشّتاء، ربما كان هناك البعض منها وقد أصبح غير مناسب، أو بهتت ألوانه، لم أتوقف طويلًا أمام ترتيبها وقد اعتدت على ذلك لسنوات، جانب صغير من الخِزانة هو كل ما يُتاح لمثلي وله زوجة ومن الفتيات ثلاثة، يستأثرن بباقي الخِزانة،
إلى جانب أرففها العلوية التي دائمًا ما تشهد زِحامًا بالبطاطين والمفروشات، احد الأرفف للملابس الشتويّة، يليه أخر للملابس الصيفية، الأدراج للجوارب، لم التفت طويلًا لما تحمله الشمّاعات كونها لا تحمل شيئًا مختلف في زاوية صغيرة منها، فقط هي بدلة ليلة الزفاف، كانت هديّة من احد أعمامي مساعدة في إتمام الزواج، مازالت تحتفظ ببعض رونقها ورائحة الماضي، وعلى غير العادة، نزعت عنها الشماعة، وشرعت في ارتدادها لا لشيء فقط استحضار بعض لحظات غائبة، وبمجرّد وضع ساعدي بداخل احد أكمامها، شعرت باختناق جسدي فيها، أدرت رأسي قليلًا للحائط المُقابل، طالعت في ألم صورة الزّفاف، لم يعد ذلك الشاب الأنيق، فارع الطول، متناسق الجسد، ترهّل جسدي، تكور البطن فيما يشبه بالونة كبيرة، عدت مرة أخرى لخزانة ملابسي، وبدأت اسرد مميّزات كل قطعة على حدا، في محاولة لتقليل مما أقدمت على تصفيته بعيدًا.
قميص صوفي بهُتت ألوانه، اشتريته منذ زمن طويل، بالتحديد يوم احتفالات راس السنة، وأول شيء اشتريه من عملي، لم يكن بالحادث السّعيد، لا سيّما بعد أن هاجمي احد الكلاب الضّالة، خِلال عودتي متأخّرًا بعد انتهاء حفل زفاف لأحد
الأصدقاء، أنْظر إلى باطن كف يدي وأثار تلك الليلة التي خرجت منها ببعض الجروح القطعيّة، والنجاة بمساعدة احد المارة ومطاردته بالعصا، بلوفر عتيق لم أعُد في حاجة إليه الآن، ربما كانت حداثة الملابس وما طرأ عليها من تفاصيل، بدا من بينها شاذًا كأنما هو منزل طيني إلى جوار ناطحات سحاب، وقبل أن أضعه بعيدًا تذكّرت انه كان هديّة من زوجتي في عيد زواجنا الأول، واختارت هي ألوانه بعيدًا عن اختياراتي القديمة، في محاولة منها لإظهار وجه أخر لإطلالتي، وهذا مِعطف اسود طويل كان لأبي منذ سنوات، ومازال يحمل رائحة أنفاسه الجميلة، وصوت حكاياته،
لا سيّما وكان أنيس جلساتنا وهمس كلماتنا الدافئة في ربيع أيامنا الأولى، قبل ازدحام شقتنا بأبناء ثلاثة، كانت طبقاته الصوّفيّة لا تجعل لبرودة الشّتاء أن تتسلل إليك، ونظرًا لبياض بشرتها وامتلاء قوامها، ورغبتها ما بين الحين والآخر في ارتدائه،
لا سيّما وسط تهكّم وسُخرية، كنت اذكِّرها بتقارب الشّبه بينها وبين جارتنا
(أم سامح) التي طالما الِفت ارتداء الملابس السّوداء كلّما خرجت إلى الشّارع، حيث تلمع أساور يدها وقرطها الذّهبي فوق الملابس السّوداء، في إشارة منها لحياة رغِدة تلك التي تعيشها واهتمام زوجها بكل ما يُسعدها، وهو ما يظهر جليًّا من كثرة الحُلي الذي يُغطّي مساحات واسعة من الصّدر واليدين، دسست يدي أفتش بعض جيوبه، ربّما كان هُناك ما يستدعي الوقوف أمامه، ورقة ذابلة تقطّعت أوصال مادوّن عليها، حاولت جاهِدًا قراءتها:(كل سنة وانت طيّب يابابا) كانت تلك الكلمات التي اذكرها جيّدا يوم الاحتفال بعيد ميلادي ولم استطع الحضور نظرًا لرحلة عمل خارج المدينة، فكتب الأبناء تلك الكلمات وتركوها بداخل معطفي.
لم يختلف اليوم عن سابقه، مبتسِمًا نَفَطت غُبار بعض الأتربة عنها، وكالعائد
إلى وطنه، خُيّل اليّ تلك الفرحة العارِمة التي اجتاحتها، تكاد من فطرها لو طوّقتني انتصارًا لعودة الحياة إليها، كل قطعة وما تحمله من ذكريات تتنفّس داخلها، ثم هممت بالخروج إلى الشّرفة، أشعلت إحدى سجائري، وقد طوّقت جسدي بمعطف والدي القديم، في حين بدأ المطر ينساب من عيون السّماء.