-1-
هناك في جزيرة الأحلام البعيدة، المطلة على زرقة مياه المحيط، وطيوره البيضاء، يتمتع أهلها بالهدوء وبرائحة "اليود" مرشوقا في هوائها المنعش.
هي الدولة الوحيدة التي يحكمها العلماء، منهم من يتولى ﺇدارة الأمور اليومية لحياة الناس مثل الطعام والشراب واﻹنتقال بين أجزاء الجزيرة، والعلاج المجاني الشامل للكبير والصغير.. ومنهم من تخصص في شئون الأمن والدفاع، والبحث العلمي المخصص لتحقيق المزيد من الصحة والسعادة للجميع.
لم تكن الصدفة وراء اختيار الدكتور "علام" كبير العلماء رئيسا، وحاكمها الحكيم المتزن العادل، هذا ما وصفه به الناس وزوار الجزيرة.
نجح العلماء في تحويلها ﺇلى مكان هاديء ﺇلى حد الصمت، فلا تلوث سمعي يتسلل ﺇلى أفرادها.. يوم أصدر الحاكم أوامره بنشر الهدوء بين أرجاء الجزيرة، برر قراراه قائلا:
"قررت أن تصبح الجزيرة هي الأولى والوحيدة في العالم حتى الآن في رواج الصمت فوق أرضها، فمع كل جيل جديد تتشكل جينات جديدة داخل الخلايا، تجعل شعبها جيلا بعد جيل أشد صلابة ويتسم بالحكمة والهدوء.
ﺇذا كان الهدوء الذي هو السكوت عند البعض، ويعني الحكمة والثقة في النفس، وربما يعني ألماً عميقاً ووسيلة للتأمل، وغالبا هو وسيلة لتجنب الخلاف، ودوما يُنظر إليه على أنه لغة العظماء والعباد الصوفة..
فهو عندنا يجب أن يصبح من معالم جزيرتنا.."
نفذ الجميع أوامر الحاكم الحكيم، حتى أن الصغار من بينهم لم تفهم معنى كلمة "تلوث" ﺇن رددها أحدهم، أو قرأوا عنها في كتاب.
*********
ذات صباح، استيقظ سكان الجزيرة على خبر انتشر وشاع بينهم بسرعة مذهلة..
سوف يعلن الحاكم بيانا اليوم، وعلى جميع سكان الجزيرة الاستماع إليه لأمر هام..
فاستمعوا إليه وهو يعلن بيانه ويقول:
"أيها المواطنون..
يحق لكم أن تسعدوا وتفخروا بعلمائكم بعد اليوم. فقد نجح علماء
الجزيرة في إنتاج "جينات" لها مواصفات غير التى كانت عليها.
والجينات هي أجزاء دقيقة جدا داخل الخلايا الحية، وهي التي تتحكم
في صفات الخلية، بل والكائن الحي نفسه.. سواء كان نباتا أو حيوانا
أو إنسانا.
كما نبشركم، أنه قريبا جدا سوف ننتهى من ظهور الإنسان "هومو"،
بعد أن خضعت أمه للتجارب، طوال الفترة السابقة، وقد استخدمنا
معها "الجينات" الجديدة، لتنجب لنا عملاقا ليصبح الحاكم القوي!"
.. بعدها سوف يصبح كل سكان الجزيرة من العمالقة الأقوياء، الذين
يتمتعون بالصحة التامة، وتهابهم سكان الجزر المجاورة!"
**********
ما حدث في صباح اليوم التالي أربك الجميع.. تحولت البسمات وكلمات التفاؤل والإعزاز، ﺇلى كلمات الحزن والقلق، وغلبت ملامح الفزع، على كل الوجوه، حتى العلماء أنفسهم، بما فيهم "د.علام" الحاكم.
إذ انقلب كل شئ إلى عكسه؛ الهدوء إلى ضجيج.. نقاء الهواء إلى هواء مترب وملوث.. الصمت ﺇلى صراخ.. لم تعد الجزيرة نظيفة ولا جميلة!
ما حدث أن كست سماء الجزيرة سحب سوداء، فغطى اللون الأسود وجوه الناس وواجهات المباني، وحتى أوراق الأشجار ما عادت خضراء... أسرع الجميع إلى داخل البيوت والمباني المحكمة الإغلاق.. سبقتهم جميعا كل الكلاب والقطط!
لم يجدوا تفسيرا سريعا ومناسبا لهرولة تلك الحيوانات الأليفة الوديعة، لولا أن سمعوا أصوات هبوب عاصفة شرسة.. اقتلعت الأشجار من جذورها، وأسقطت بعض المباني، وحطمت السيارات في الشوارع وأعمدة الإنارة.
تحولت السيارات والأجهزة والمعدات وبقايا البيوت المحطمة.. كلها تحولت وكأنها العاب تدفعها يد العاصفة بثقة غريبة.
دقائق وشاركت مياه البحر التي فاضت وملأت طرقات المدينة.. فغرقت الأشياء والمنازل والناس، خصوصا تلك الواقعة على مقربة من الشاطئ.. فراجت الأسئلة:
.."ماذا حدث؟".. "ماذا سيحدث؟"..
وأسئلة أخرى بلا إجابة!
حتى وسائل الإعلام من راديو وتليفزيون، لم تخبرهم بشيء.
انقضت الثواني والدقائق بطيئة وثقيلة على الجميع، حتى ظهر المذيع على شاشة التليفزيون يبكي وهو يقول:
"تأكد أن سكان الجزيرة البعيدة، استخدموا قنبلة ذرية لحل مشاكلهم
القديمة.. إنها حقا كارثة!
على جميع سكان الجزيرة الإسراع فورا إلى الاحتماء داخل الملاجئ
الخاصة التي أعدها علماء جزيرتنا لمثل تلك الحالات..
ولتلافى آثار الانفجارات الذرية الذي قد نتعرض لغبارها،
كما هو الحال الآن"
واختفى وجه المذيع، بل وانقطع الإرسال التليفزيوني.
عمت الفوضى، اندفع الجميع للخلاص بنفسه وأهله القريبين من أفراد الأسرة.. هذا الظلام الذي احتوى داخله كل شئ على أرض الجزيرة، على الرغم من أن الساعة هي العاشرة صباحا. بسبب السحب السوداء، والغبار الكثيف،، تغلبت الظلمة على النور، وحجبت أشعة الشمس تماما.
**********
يبدو أن حب الحياة ورغبة الحاكم في البقاء حيا، دفعه دفعا لأن يعاود محاولة، النجاة من آثار اﻹنفجار، حيث قابل تلميذه "سالم" ونجحا أخيرا في الوصول إلى الملجأ المجهز ضد اﻹشعاع الذري.
كانت أصوات الصراخ والعويل والبكاء.. هنا وهناك، كفيلة بخلق هذا الرعب على أرض الجزيرة.. إلا أن "سالم" قال لأستاذه الكلمة الفصل:
"نحن جميعا في حاجة إليك يا أستاذي وحاكم المدينة..
أبحاثك في مجال الهندسة الوراثية، كفيلة بأن تجعلنا سعداء، وفي
صحة جيدة..
سوف نتغلب على مشاكل هذا اﻹنفجار الذري البعيد، وسوف نحقق
كل الأحلام بفضل أبحاثك القيمة.. وخصوصا مشروع "العملاق
هومو"
ابتسم الحاكم، وتابع السير، بل الجرى، بدأ يجري نحو مركز اﻹسعاف القريب لاتخاذ ما يلزم وبدء العمل الجاد لتجاوز ما حدث من أضرار!
-2-
يبدو وكأنه من المستحيل على الحاكم، أن يتجاوز بالجزيرة تلك الأزمة الخطيرة. ما أن استقرت الأمور وقضى السكان الأيام والليالي داخل الخنادق، كما عمل رجال الطب ليل نهار لعلاج المرضى والمصابين، ورجال النظافة والأمن ﻹعادة الطرقات والساحات إلى سابق عهدها، بل كل رجل وامرأة وطفل عمل عملا ما، على قدر طاقته وقدرته، من أجل صحة واستقرار الجميع.
كانت الخطوة الأولى التي ﺇتخذها الحاكم، أن طلب من العلماء الاجتماع به في قصر الحكم، من أجل تحديد الخسائر، ثم ترميم الحياة على أرض الجزيرة وإعادتها إلى طبيعتها،
أخيرا راجت فكرة تنفيذ المشروعات المستقبلية، التي يلزم البدء فيها فورا من أجل تعويض أهل الجزيرة عما أصابهم من أذى.. تنفيذ المشروع الأمل، الذي بعده سوف يولد كل طفل في الجزيرة إلى عملاق، وتسمي جزيرة العماليق!
البداية في حفل كبير.. كان من الصعب على الجميع البدء في أي إجراء، إلا بعد كلمة مواساة وتأمل فيما حدث، وتكفل شاعر الجزيرة بتلك الكلمة، قال:
"يبدو أن جيراننا لم يستمعوا لصوت العقل فينا.. نحن بنى البشر،
فالله ميز الإنسان بنعمة العقل، لكن شرور النفس غلبتهم.
وأنا الآن لا أتخيل قدر التدمير والخراب الذي لحق بهم جميع.
ففي حالة استخدام القنابل الذرية، لا يوجد منتصر ولا منهزم. يكفى
أن نتأمل جميعا ما حدث لنا على أرض الجزيرة، ونحن نبعد آلاف
الأميال عنهم! لا أستطيع تخيل كم الخراب والدمار الذي لحق بهم،
حتى بالنبات والحيوان والأسماك فى مياه بحارهم!"
وقف عالم من المجتمعين، وصاح قائلا:
"سيدي الشاعر، لسنا الآن فى وقت النواح والحزن، جئنا من أجل العمل"
فهم الشاعر ما يقصده العالم الذي يميل إلى الخطوات العملية أكثر من محاولة مخاطبة المشاعر والأحاسيس.. ابتسم وقال:
"لا تنس يا سيدي.. أننا عقل وقلب، فكر وعاطفة، وأن الحياة لا
تستقيم بأحدهما دون الآخر"
لم يشأ العالم أن يصمت، فتابع يقول:
"إن الحياة هي الأصل في هذا الوجود الذي نعيش فيه.. لذا يجب أن يكون
شعارنا منذ الآن.. كيف تكون حياتنا سعيدة فوق هذه الأرض؟"
هنا تدخل الحاكم، وطمأن الجميع بأنه طلب إتمام الاجتماع مع كل العلماء من أجل هذا الهدف، بل والحلم الذي يتمناه الجميع، وطلب البدء فى مناقشة موضوع آخر.
ثم توجه إلى الجميع بنظرات قوية واثقة وقال:
"بكل الثقة أعلن لكم أنني متفائل، وعلى الرغم مما حدث.. فاننى أملك
الخيال الذي يجعلني أتخيل قدر الدمار الذي حدث في جارتنا الجزيرة
التي دمرتها القنبلة الذرية..
ويمكنني أن أتخيل قدر التقدم المتوقع بعد اجتماعنا هذا هنا بفضل العلم..
سوف نحل مشاكلنا على أرض جزيرتنا، بل وحل المشاكل على سطح
الكرة الأرضية، وهذا بفضل أبحاثنا العلمية التي أنجزناها من قبل، والتي
سوف نتابعها فورا على الجينات.
وأعنى بالجينات.. تلك الأجسام الصغيرة جدا داخل نواة الخلية، وهي
التي تحمل الصفات التي يورثها الآباء للأبناء.. وبالتالي يمكن أن تتخلص
من كل جينات الأمراض، ثم نضيف الجينات التي تحمل كل ما نتمناه!
وسيصبح كل فرد على أرض جزيرتنا عملاقا، هو "العملاق هومو"
المنتظر"
..... ...... .....
ومضت الأيام ...
كان صغار المدينة أول من احتفل بنجاح الجميع، في إعادة الجزيرة إلى سابق عهدها.. نظيفة وجميلة. وتجمعوا مع الشباب في الميدان الكبير، يحتفلون بما أنجزوه معا. ومعا غنوا ورقصوا ورددوا نشيدهم الوطني.. فأحاطت البهجة والسعادة الجميع، من الرجال والنساء وحتى الشيوخ الكبار. وترددت الأنغام الحماسية والجميلة بين أرجاء الجزيرة، ينشدون جميعا نشيد الجزيرة السعيدة.
أما كبار المدينة، فلم يقصر أحدهم في إنجاز عمل يمكن أن ينهض به، سواء من النساء أو الرجال، حتى العجائز منهم، فالذي لا يستطيع المشاركة بالعمل، اشترك بالنصح والإرشاد. كبار شيوخ الجزيرة لا ينسون ما حدث ليلة اﻹنفجار الكبير، وكيف جاوزت الجزيرة آلام ما أسفر عنه اهتزاز الأرض عدة هزات قوية، دمرت الكثير والكثير.. ونجحوا فى إعادة ما دمر خلال فترة قصيرة؟
أما "د.علام" ورجاله من العلماء، فلم يعرف أحدهم الراحة، وربما لم ينل أحدهم القسط الواجب من النوم، حتى كانت المكالمة التليفونية التي وردت إلى الحاكم.
وما أن انتهت المكالمة حتى ابتسم الحاكم ثم مال برأسه شاردا في سعادة أدهشت جميع من في الغرفة. منذ الحادثة الأخيرة لم يره أحدهم سعيدا كما يرونه الآن؟!
لأنه لم ينطق بما سمع وعرف، واحتراما لخصوصية حاكم الجزيرة، لم يجرؤ أحدهم على سؤاله، فضلوا الانتظار حتى يخبرهم بالسر.
وهو ما حدث بعد عدة دقائق، مال إلى مكتبه أكثر وقال:
"الآن انتهى كل شئ...
لعله من الأفضل أن أقول، ابتدأ كل ما أتمناه وتتمنوه أنتم أيضا."
وأيضا لم يجرؤ أحدهم لسؤاله، حتى تابع وحده:
"اعتبارا من هذه الساعة، بدأنا عصرا جديدا.. نحن سكان الجزيرة،
بل وكل سكان العالم!"
لم يطق أحدهم الصمت، غلبه الفضول، الجميع على شوق لأن يعرف ما فى رأس
الحاكم، نهض واقفا.. وسأله، وعبر عن رغبته فى مشاركة الحاكم سعادته. فهم د.لمعي وتابع:
"الآن أخبرني "سالم" بنجاح تجاربنا الخاصة بحقن الجينات التي تحمل
كل الصفات التي نتمناها في الإنسان"
تأكد كل الحضور من نجاح أبحاث "العملاق هومو"، وهلل الجميع تعبيرا عن السعادة التي فاقت كل سعادة. علل أحدهم سر سعادتهم الفائقة تلك، بأن ما تم إنجازه على أرض الجزيرة من قبل.. هو إصلاح ما أفسده الانفجار الذري في الجزيرة البعيدة، أما تجارب "العملاق هومو" فهي تخص المستقبل السعيد المنتظر.
بسرعة نهض العالم المسئول عن "الإعلام" بالجزيرة، وطلب السماح له بالانصراف فورا، وقد برر انصرافه السريع بقوله:
"ليأذن لي سيادة الحاكم.. أتوقع حضور الوفود الصحفية والتليفزيونية،
وكل وسائل الإعلام، من كل بلدان العالم فور إعلان الخبر..
وأرجو السماح لي للإعداد جيدا لهم.. ولبرنامج زيارة مركز الأبحاث"
تابعه المسئول عن "الأمن" ومسئول الشئون الخارجية.. وهكذا! فضحك د.لمعي،
وتابع يقول:
"وأنا أيضا استأذن منكم لأعد نفسي لاستقبال حكام كل بلدان العالم" فابتسم الجميع..
...... ...... ........
خلال أربع وعشرين ساعة فقط، كانت جموع رجال الإعلام والضيوف على أرض الجزيرة من كل مكان.. حتى غلب الضجيج بعد الهدؤ! فاعترض بعض سكان الجزيرة من هذا الازدحام غير المتوقع، مما شابه بعض الفوضى هنا أو هناك.
بذل رجال الأمن جهدا حقيقيا لضبط قواعد المرور واحترام تقاليد سكان الجزيرة على طرقات مدينتهم، كما بذل رجال الفنادق الجهد نفسه لحسن استقبال الضيوف.. كل سكان الجزيرة تعاونوا معا كعادتهم من أجل الترحيب بالضيوف، والبقاء على أحوال الجزيرة كما اعتادوا الحياة عليها.. هادئة ونظيفة.
وفي مؤتمر ﺇعلامى عالمي، تحدث د.علام ثانية إليهم وﺇلى شعب الجزيرة، ثم بدأ يشرح لهم فوائد هذا الإنجاز العلمي الذي يمكن أن يخدم العالم كله، على العكس مما فعله سكان الجزر البعيدة من هلاك ودمار.. فصفق الجميع. وتابع في شرح التفاصيل العلمية قائلا:
"الأساس العلمي ببساطة وأيضا الإنجاز الأساسي.. هو أننا هنا في جزيرتنا
الصغيرة نجحنا في تركيب وبناء الجينات خارج الخلايا، وهي في الطبيعة
توجد داخل الخلايا.. سواء في النبات أو الحيوان أو الإنسان.
فهذه الجينات عبارة عن مركبات من البروتين تحمل الصفات المختلفة..
مثل لون العين ومثل الطول والقصر، وحتى الشعر الناعم والمجعد"
فابتسم الجميع، وعلقت مذيعة تليفزيونية، بأنها تريد شعرا ناعما حتى ترتاح من الذهاب إلى محل حلاقة الشعر.
لم ينتظر الحاكم طويلا، وتابع:
"الأهم هي الجينات التي تحمل بعض الأمراض فنمرض، ربما من الأفضل
أن تتمنى جينات بلا أمراض!"
هنا صاح الجميع، وليست المذيعة وحدها:
"كلنا نتمنى حياة بلا أمراض"
تابع د.علام وقد وضح عليه الاعتزاز بالنفس والثقة على وجهه:
"وما قولكم فى الجينات التى أنتجناها لزيادة الإنتاج فى النبات والحيوان،
ولزيادة القوة والقدرة على التحمل"
ترددت الأصوات: "يبدو أننا سوف ننسى آلام الأسنان"...
"لكن من سيحصل على الميداليات الذهبية في البطولات الرياضية؟!
إنها مشكلة يا سيدي الحاكم العالم؟"
فلم يعقب الحاكم، عاد إلى وقاره وهو يخبرهم بالمزيد من المعلومات الهامة:
"يوجد فى جسم الإنسان حوالي مائة الف "جين".. وكانت المشكلة
الحقيقية أمامنا، كيف نتعرف على "الجين" غير المرغوب فيه،
وليس فى إنتاجه خارج الخلية"
ومن جديد بدأ يشرح الطرق العلمية المعقدة، ومنهم من انتبه له، ومنهم من علق بقوله: "تهمنا الآن النتائج!"
وقبل النهاية، نهضت المذيعة وسألته:
"يا د.علام، أرجوك وضح لنا الرسالة التي تريد أن توجهها للعالم"
ابتسم الحاكم وصمت قليلا، ثم قال:
"يا أيها الإنسان.. هات مشكلتك، وسوف أحلها لك ..."
عادت وسألته المذيعة:
"هل يمكن أن نرى مركز الأبحاث يا سيدي؟
أسرع الحاكم قائلا:
"هيا جميعا والآن.. أنتم مدعون جميعا لزيارة منزل العملاق هومو"
-3-
صدق د.علام وعده، رافق أول الوفود لزيارة معمل الأبحاث، أو اللقب الذي أطلقه
عليه "منزل العملاق هومو". همس بعضهم إلى بعض:
"أليست الأسرار العلمية سرا من الأسرار التى تتصارع حولها مراكز
الأبحاث.. بل والدول على سطح الكرة الأرضية".
فهم الحاكم ما دار بينهم، وﺇن لم يعلنها أحدهم، فوقف وصاح بصوت مسموع وواضح:
"يجب أن تكون الأسرار العلمية مثل الماء والهواء.. وحق لكل البشر.
فى تلك الحالة نعلن النتائج العلمية، ولن تصبح أسرار!"
فكانت أول ما أدهشهم قبل عبور بوابة المركز الضخم.
أمام بيت العملاق أو المعمل الضخم، طلب الحاكم من الجميع ارتداء البذلة الخاصة به، ولن يسمح لأحدهم بدخول المعمل إلا بها. كانت بذلة بيضاء ومن نسيج لا يعرفونه، إلا من قطعة زجاج أمام العينين، فكانوا أشبه برجال الفضاء.
استعد الجميع، وأخبرهم الحاكم.. أن إنتاج الجينات يتم على خطوات، ولكل خطوة معمل كبير خاص بها، وأنهم أمام أول معمل لأول خطوة.
ما أن دخلوا المعمل، وقد أحكموا البذلة حول رؤوسهم وأجسادهم، فقدوا القدرة على سماع بعضهم البعض. وهو الأمر الذي أزعجهم، وأشار أحدهم إلى آخر بأنهم من رجال الإعلام وحرفتهم تعتمد على الكلام.. كما أشار بيديه، كيف لا يسمعون بعضهم البعض داخل المعمل، وكيف لا يقدرون على سؤال العالم؟!
لا حيلة أمامهم إلا الانتباه للدكتور لمعي يشرح لهم فى صوت خافت، من خلال سماعة خاصة مثبتة بغطاء الرأس.. وأوضح لهم الخطوة التي ينفذونها فى هذا المعمل:
"إن المادة الوراثية التى تحمل الصفات المختلفة أو الاستعداد للأمراض
وغيره، هي حامض يوجد فى نواة الخلايا، يسمى "د.إن.أيه" أو
اختصارا "دنا"، وهو ما أمكن إنتاجه فى هذا المعمل"
ثم سار بهم مشيرا إلى الأجهزة المعقدة التى تقوم بهذه المهمة. وفى نهاية الجولة، بعد المرور على كل المعمل، تابع قائلا:
"الجزء من الخلية الذي يحمل هذا الحامض يسمى "بلازميد"، وهذا
الجزء ينتقل من خلية إلى أخرى فى الطبيعة، عن طريق التلقيح
والتزاوج فيتم الإخصاب، أي إدماج خلية ذكريه مع خلية أنثوية..
سواء فى النبات أو الحيوان أو الإنسان."
هنا أشار د.علام ﺇلى تلامذته وقال:
"ولا أنسى أن أشكر زملائي وتلامذتي.. لأنهم بذلوا جهدا حقيقيا فى هذا
الإنجاز الهام فى بداية البحث. لأنني عندما وصلت معهم الى تلك الحقيقة،
أيقنت أنني وضعت قدمي على أول الطريق.
وأصبح السؤال.. كيف يمكن أن يتم ذلك؟ أي كيف يمكن أن ننقل الصفات
من جيل إلى آخر، ومن كائن إلى كائن؟"
البذلة الملعونة منعت رجال الإعلام من الكلام، فور خروجهم من المعمل، ثار الجميع تمردا على تلك البذلة. ابتسم الحاكم وأكد أن من أهم وظائف تلك البذلة أنها تمنع توصيل الحديث بين الزوار، لأن الموجات الصوتية خطيرة جدا على الأجهزة الحساسة بالمعمل.
فعلق أحدهم، رغبة منه فى تأيد العالم "علام" وقال:
"ألا يكفى التأثير الضار للضوضاء فى المدن التى جئتم منها،
هذا التلوث الصوتي لا نعرفه على أرض جزيرتنا"
...... ........ ..........
تابع العالم الزيارة بالانتقال إلى المعمل التالي، إلى حيث يتم حفظ الخلايا داخل ممرات زجاجية. لاحظ الجميع أن تلك الممرات مضاءة بأضواء حمراء، وكانت درجة الحرارة ونسبة الرطوبة مثل التى فى جسم الإنسان.أشار إليها الحاكم وقال:
"هنا مخزن الخلايا فى انتظار خطوة الاندماج التى حدثتكم عنها،
ولا تتم هذه الخطوة إلا حسب الاحتياج، وحسب ما نريد من مواصفات".
أما المعمل التالي، فقد كان طريفا، حيث أخبرهم الحاكم وبوقار قال:
"هنا رحم العملاق هومو"
نظروا إلى بعضهم البعض، يتمنون لو يستطيعون سؤاله، إلا أنه تابع وحده:
"هنا ترقد الخلية الجديدة التى تمت بعد إدماج خليتين معا
(ذكرية وأنثوية).. هنا الخلية الجديدة التى تحمل الصفات التى نريدها!"
وعند باب المعمل، سأله أحدهم: "أليست هذه هي الخطوة الأخيرة؟"
اعترض العالم وأكد أنها المرحلة الأولى فقط، لأن المرحلة الثانية تبدأ بعد ذلك بزرع تلك الخلية الجديدة داخل الكائن الحى من نبات أو حيوان أو إنسان، حسب الصفات والأغراض التى نجرى من أجلها إنتاج هذا الجين أو ذاك. لم يتابع الحاكم حديثة، كأنه تذكر أمرا، أشار إلى أحدهم وقال: "أحضر حالا السيدة المحترمة"
وخلال دقائق اقتربت من الجميع، سيدة صغيرة السن والحجم، لا يبدو عليها أى شئ غير معتاد أو حتى لافت للانتباه.
أدهشهم أكثر قدر الاحترام والتقدير الذي استقبلها بها الحاكم!.. ثم توجه إلى ضيوفه قائلا: "والآن يشرفني أن أقدم لكم أول أم ستلد لنا العملاق المنتظر..
العملاق هومو، ولأول مرة فى تاريخ البشرية"
غلب الضجيج كل الأوامر والتعليمات، وقد التفوا حولها يلتقطون الصور ويسألونها.. السؤال بعد السؤال. فشعر الحاكم بالقلق على إجهاد السيدة المحترم.. وجذبها من يدها إلى حيث لا يعرفون، لكنها بالتأكيد بعيدا عنهم.
*********
-4-
أصبح منزل السيدة المحترمة مزارا سياحيا. لقد أنجبت أول مولود يسمى "العملاق هومو"،
وأول من أثبت نجاح تجارب د.علام وتلاميذه فى زرع الجينات التي تحمل كل الصفات الحميدة والمرغوبة عند البشر.
اندفع سكان العالم قبل أهل الجزيرة لرؤية هذا العملاق الغامض الجديد.. حتى أن رجال الأمن اضطروا للسيطرة على الطرقات الموصلة إلى منزلها، حرصا النظام.
وكانت المفاجأة الكبرى، هذا الوليد المسمى "العملاق هومو" ليس أكثر من وليد يبكى ويأكل، كما كل المواليد.. يقضى أغلب ساعات اليوم من ليل أو نهار نائما!
وهو ما جعل الجميع يضحكون، ما بين مكذب ومصدق لكل ما قاله الحاكم. فما كان من العلماء إلا الصمت والابتسامة الواثقة. وحين سألوا "د.علام" عن تلك الحالة الجديدة التى انتابت الناس، ابتسم وعلق بجملة واحدة: "سوف نرى"!
لعل أكثر الجميع سعادة لتلك الحادثة، حادثة مولد "العملاق هومو".. هم رجال السياحة! لا يهم إن كان خبر العملاق صادقا أو كاذبا، فقد حضرت الجموع، وعاشوا على أرض الجزيرة عدة أيام أنفقوا فيها على تلك الإقامة والنزهة الكثير. هاهي ذي الفنادق شغلت على كاملها، حتى أصبح من الصعب العثور على سرير واحد داخل أى فندق. كما أن محترفي التصوير عملوا ليل نهار، بعد أن حرص الزوار على التقاط الصور التذكارية لهم على أرض الجزيرة، وخصوصا تلك التى التقطوها مع الوليد.. أو العملاق المنتظر!
ما حدث بعد أسابيع قليلة أذهل الجميع...
فقد بدأ الوليد ينمو بسرعة مذهلة، على غير الصورة التى يرون فيها المواليد العادية للإنسان! وفى الأسبوع الثالث بدأ الوليد يحبو، وسرعان ما استقام ظهره وبدأ يخطو بخطوات ثابتة على الأرض، كأي إنسان أكبر منه بأكثر من السنة عمرا!
ربما ما أدهشهم أكثر أن بدأ الوليد ينطق باكرا جدا، حتى أنه نطق جمل كاملة وهو مازال يحبو.. واستطاع أن يعبر عن نفسه تماما وهو سائر على قدمين.. فبدا كطفل ناضج!
خلال تلك الفترة لم يشكو الصغير من العلل التى يمكن أن يشكو منها من هم فى مثل سنه، بل وضحت قدرته على حمل الأثقال المختلفة التى قد تفوق وزن جسده خمس مرات!
كل ما نصح به "د.علام"، هو متابعة الأطباء له، من أجل رصد كل غريب وغير الغريب فى "العملاق هومو"، وعليهم دراسته جيدا.
لكن ما حدث من بعد هو ما شغل الجميع.. أهل الجزيرة والحاكم ومعهم العلماء...
لقد بدأت المشاكل.. أولها، أن العملاق يبدو حادا فى ردوده على أسئلة الجميع، وتساءل الناس: "يبدو أن هذا العملاق شرسا ولا ندرى كيف يفكر؟!"
كما كانت مشكلة العملاق مع مصورى الصحف والتليفزيون كبيرة إلى حد بعيد، فقد حطم الطفل كل آلات التصوير التى استخدمها الناس من حوله، ولم يقدر أحدهم على منعه، وهو يصرخ فيهم:
"أنا لست تمثالا... أنا لست دمية.. أنا إنسان!"
انفعلت السيدة المحترمة جدا، تشاجرت مع الجميع، وحاولت أن تحتضن ولدها، ثم منعت الجميع من زيارته بالمنزل، أو التحدث إليه فى الحديقة.. صاحت:
"تحرمون ولدى من طفولته.. حرام عليكم، حرام عليكم"
بمضي الأيام، انتقلت دهشة الجميع إلى الأم "السيدة المحترمة"...
وأعلنتها صراحة "أنا دهشة"!.. وهو بالتالي ما أدهش الناس...
فذهبت الأم إلى الحاكم، وما أن بدأت تشكو، حتى ابتسم "د.علام" ومن معه من العلماء. فى البداية انتابت السيدة المحترمة الحيرة وهى تقول:
"يا سيدي أنا حزينة ومتألمة.."
شاركها الحاكم الاهتمام وتساءل:
"لماذا يا أيتها السيدة المحترمة أم العملاق هومو؟"
تابعت الأم:
"أرى ولدى الصغير يلعب مع من هم أكبر منه سنا، ويتحدث معهم
وكأنه أكبر منهم! بل ويريد السيطرة عليهم وتنفيذ أوامره!"
فعلق الحاكم قائلا:
"وهل يغضبك أن يكون لابنك شخصية قوية؟"
لاحقته الأم:
"انه يريد أن يسيطر عليهم، حتى بالباطل وكانوا هم على حق!"
هنا انتبه الحاكم ، ونظر الى الجميع من حوله، ثم أمرهم:
"سجلوا تلك الملاحظة"
وتابعت الأم كل ملاحظتها التى سجلها العلماء، ثم أشارت الى نقطة جديدة لم تخطر على بال أحدهم، ذلك حين قالت:
"كما أنني حزينة لأن ولدى بدأ يغضب، ووضحت عليه علامات العصبية"
ثم أكدت أن ولدها يشعر بأنه يفوق هؤلاء الأولاد قوة ورجاحة فى العقل، وتابعت:
"وأخبرني أنه بدأ يشعر أن هؤلاء الأولاد الأكبر منه سنا، لا يقبلونه..
كما أن الأصغر منه ومن هم فى مثل سنه لا يقبلونه معهم أيضا"
بهدؤ علق الحاكم مستفسرا:
"وماذا فى هذا الإحساس عند العملاق هومو؟"
لم تنتظر الأم وقالت:
"ولدى بدأ يشعر بالوحدة، والعزلة!"
هنا نظر الحاكم الى زملائه العلماء وطلب منهم دراسة تلك الظاهرة على وجه السرعة. علق أحدهم بقلق:
"هذه النقطة لم تكن فى الحسبان يا سيدي الحاكم، لم ندرسها، بل لم نتوقعها"
أومأ الحاكم رأسه وتمتم فى نفسه:
"العملاق هومو لم يتكيف نفسيا مع المجتمع"
تابع العالم الجالس الى جوار الحاكم رأيه، معبرا عن قلقه:
"لو استمر الحال هذا.. حتما ستصبح مشكلة كبيرة.. له ولنا!"
وسجل الحاكم فى مذكراته الخاصة، أنهم درسوا كل شئ حول تجارب الجينات وإنتاج العملاق هومو، إلا أنهم لم ينتبهوا إلى الجانب النفسي!
وتفجرت مفاجأة جديدة، صاح أحد العلماء، لم يشارك في الحديث من قبل، وﺇن كان متابعا لكل ما يقال أمامه، وقال:
"سيدي الحاكم.. أرجو أن تعلن فى شجاعة إيقاف تجارب العملاق هومو فورا"
خيم الصمت على الجميع، وعم القلق. وضح الحاكم وعاد يؤكد، أن المشروع علمي كبير، وسيضع الجزيرة وسكانها في مكانة عالية لم يرق إليها أي عالم فى كل العالم، وفى كل بلدان العالم:
"كيف بعد هذا الإنجاز نتوقف؟ ثم نعلن أننا فشلنا؟!"
وبدأ حوار لم ينته حتى فجر اليوم التالي.. ما بين مؤيد ومعارض لهذه الفكرة. ووضح فشل الحاكم فى السيطرة على رجاله أثناء مناقشة علمية ما.
كانت أفكار الحوار.. إيقاف التجارب فورا وإعلان ذلك على العالم.. وآخر يؤكد على ضرورة إيقاف التجارب وإعلان الخبر على العالم، حتى لا يتابع أحدهم تلك الأبحاث.. أما رأى "د.لمعي" وبعض العلماء فهو الاستمرار في تلك التجارب مهما كانت هناك من صعاب.
الطريف أن أحد العلماء من شدة الإجهاد، لم يعد يشارك فى المناقشة، واكتفى بتلك الكلمات التى خطها على لوحة، ورفع اللوحة ثم جلس إلى جوارها:
(أين الاختلاف الذي خلقه الله فينا؟
لا أقبل أن يتشابه كل الناس فى الشكل والقوة.. ولا حتى في الذكاء)
على الرغم من أن العلماء لم ينتهوا إلى نتيجة محددة، إلا أنهم وافقوا على تأجيل متابعة المناقشة بسبب تعليق أحدهم قائلا:
"ألم يلحظ أحدكم أننا تكلمنا.. وكذلك السيدة المحترمة.
ومع ذلك لم يتكلم العملاق هومو نفسه.. ولم نستمع إليه!"
اقتنعوا برفع الجلسة، وضرورة الاجتماع مع العملاق هومو غدا.
كان يوما مشهودا، لم تشهد مثله أهل الجزيرة من قبل. يوم أن قرر العلماء الاجتماع بالعملاق هومو للتحاور معه.
بدأت المشاكل أثناء إقناع السيدة المحترمة بضرورة حضور ولدها إلى قصر الحاكم. رفضت فى البداية، وحاولوا طويلا إقناعها، لولا أن أحدهم أخبرها عن سبب اللقاء، وأنهم فقط يريدون التعرف على الجانب النفسي للعملاق هومو، وقد غفلوا تلك النقطة أثناء إجراء الدراسات الأولية على الجينات.
لم تقتنع الأم، لكنها وافقت أخيرا على شرط وحيد.. أن تكون معه أثناء الاجتماع. وافق العلماء، وتقرر أن يتم ذلك بعد ساعة واحدة.
دخل الصغير "العملاق هومو" على الحاكم ورجاله بثقة غريبة، وهو يعبر عن اعتراضه ورفضه لهذا الاجتماع. وتابع الإعلان عن غضبه لاصطحاب السيدة المحترمة معه، حتى ولو كانت رغبتها!
حاول د.لمعي إرضائه، وحاول الجميع الابتسام والبشاشة حتى لا يشعر بالغربة، فقال أحدهم مازحا:
"ألست طفلا كما كل الأطفال؟ لماذا الغضب من وجود أمك معك أمام الحاكم؟"
نظر العملاق هومو إليه شزرا، ولم يرد!
كانت المشكلة التالية بعد إقناع العملاق، أن قرر مجلس العلماء الاستغناء عن كل علماء النفس ودراساته خلال الفترة السابقة، وقد برر الجميع القرار.. "لقد حلت الجزيرة مشاكلها، ولا حاجة لنا لدراسات علم النفس"!
لولا أن كبير علماء النفس القدامى صمد على رأيه الرافض ولم يعدل من اهتماماته ودراساته، لكانت مشكلة بلا حل. وقد حرص الحاكم على استدعائه لمتابعة لحضور واللقاء مع العملاق هومو.
ما أن بدأت المناقشة، وتكلمت السيدة المحترمة، لتجيب على كل الأسئلة وتعلق، بينما ولدها ينظر صامتا فى غضب. لم ينجح أحدهم فى جعلها تصمت، فأصدر الحاكم قراره بإخراج السيدة المحترمة من القاعة.
أخرجوها بالقوة، حملها الحراس حملا، كانت تصرخ قائلة:
"ماذا سيفعلون بابني.. لن أتركه وحده معكم؟"
تابعت الأم صياحها، حتى مل أحد الحراس كلماتها، ونهرها أحدهم قائلا:
"هل تصدقين حقيقة أنه ابنك؟"
وكأنه أطلق عليها قذيفة قاتلة ولا يعرف آثرها.. هاجت الأم وزاد الضجيج، ولم تهدأ.
بقسوة تابع الحارس قائلا:
"ربما نسيت أنك وقعت عقدا مع السيد الحاكم، قبل إجراء التجارب"
فسألته عن العقد، وكأنها نسيت الواقعة. تابع الحارس:
"أحد بنود العقد يعطى لمجلس العلماء الحاكم سلطة اتخاذ أى قرار
يراه مناسبا"
اضطربت الأم.. علقت قائلة:
"حتى ولو كان القرار ضرب ابني بالرصاص؟!"
فابتسم الحارس مؤكدا:
"حتى ولو قرر ضربه بالرصاص"!
شعرت الأم بالورطة التي وجدت نفسها فيها، لم تكن تظن أن الأمر خطيرا إلى هذه الدرجة. فعرضت عرضا سخيا على الحارس، وطلبت تبليغه إلى السيد الحاكم. طلبت أن تتنازل عن أية أموال ستتقاضاها مستقبلا، وأنها على استعداد لإرجاع كل ما تسلمته من أموال، على شرط واحد.. أن يتركوا لها ولدها وشأنه!
لم تسمع ردا من الحارس، سمعت صوت قهقه ضحكة عميقة من القلب!
بدأ الحوار مع العملاق هومو، كان طويلا ومملا. تابعه شيخ علماء النفس مع الجميع. وفى اليوم التالي ناقش الجميع كل الآراء، ثم انتهوا الى القرار التالي:
"قرر مجلس علماء جزيرة الأحلام بما هو آت:
وضع العملاق هومو تحت إشراف لجنة من العلماء،
وفى مكان آمن بعيدا عن المدينة.
الهدف هو دراسة أعراض السلوك العدواني الواضحة فى آرائه
وتصرفاته. كما قرر المجلس ألا يعود ثانية إلى المدينة قبل الاطمئنان
تماما على اختفاء تلك الأعراض"
ما أن علمت الأم بالقرار، حتى هاجت وماجت. خرجت إلى الشوارع والنوادي، ودخلت المنازل وأماكن تجمع سكان الجزيرة.. رفضت فعلة مجلس العلماء لأنهم حرموها من ولدها الصغير، حتى وان بدا عملاقا.
أما سكان المدينة.. بعضهم تعاطف مع الأم المسكينة، وبعضهم الآخر لم يتعاطف. لتتحول الجزيرة كلها، من الهدؤ الذي كانت عليه إلى الضجيج.
"العملاق هومو" حديث الجميع، ولا ذنب للأم التى حرمت منه، حتى وان كانت وافقت على بنود عقد من قبل...
وظهرت مجموعة جديدة من الشباب، تعلن على الملأ:
"يجب أن يحكم الجزيرة مجموعة من الشعراء والأدباء، لأن العلماء
غلاظ القلب!"
كانت النتيجة الوحيدة والتى اتفق عليها الجميع.. أن الجزيرة لم تعد هادئة ووديعة كما كانت، قبل ميلاد "العملاق هومو".
عبر أحدهم عن تلك النتيجة بقوله:
"علماء الجزر البعيدة نجحوا فى دمار الجزيرة من قبل.. بعد الانفجارات
الذرية التي استخدموها فى صراعهم معا.
وعلماء جزيرتنا نجحوا فى دمار ما كنا نعيشه من هدؤ وسكينة،
بأفكارهم غير الحكيمة والمتطرفة.. بفكرة العملاق هومو"!