في المساحة المنطرحة بين التبة العالية والطريق الأسفلتي الضيق، أجد بقاياهم فوق الرمل والحصى. يمر بها الجنود مهرولين، لا يتوقفون عندها. اقتحمت عيونهم مرات حتى صارت جزءًا من مكان اعتبرناه حيز كتيبة الدفاع الجوي. ألفوها، فلم يسألوا عنها، ولم يشغلهم إلى أي أيام تعود.
أشياء كثيرة مبعثرة، غلبت ثمانية عشر عامًا مرّت، كلمح البصر على من رغد عيشه، بطيئة ثقيلة على المكلومين والمحرومين وأصحاب الآمال المعلقة، والأحلام المجهضة، وأكثر على من خرجوا من الحرب بإصابات بالغة تركتهم عاجزين، أو يعانون من الفزع الليلي، والوساوس والهلاوس التي تملأ رؤوسهم في النهار.
حين رأيتها، للمرة الأولى، وأنا أصعد إلى سرية المدفعية المضادة للطائرات، التي صرت قائدها، توقفت ورحت أنظر إليها بإمعانٍ شديد. وسألت نفسي: "يا ترى من عاش من الذين ألتهموها تحت النار، ومن بقي على قيد الحياة يجتر ذكرى أيام صعبة؟"
وغرقت وأنا أقلّب عينيَّ فيها في كل ما سمعته في قريتي من جنود خاضوا الحرب ببسالة نادرة. حكايات كان يحلو لهم سردها على مسامعنا، ونحن نكدح في الحقول تحت الشمس الحارقة، وحين نجلس في المساء على مصاطب السمر في قريتنا البعيدة عن هنا.
"هل كان أحدهم هنا؟" لا أدري، لكنهم حكوا لنا عن معلبات كانت تأتيهم، يفتحونها دون تمهل، ويأتون على ما فيها، وهم في خنادقهم، أو يستعدون للزحف نحو الشرق والشمال لملاقاة العدو.
كل الأشياء التي حكوا عنها وجدتها ماثلة أمامي: زمزميات ماء فارغة يسكنها الفراغ والوسخ. بعضها عارٍ، وبعضها لا تزال عليه بقايا الخيش المهترئ، بعضها لا تزال تحط على فوهاتها أغطية، وأخرى مفتوحة تطل على الطريق. وعلب فارغة، كانت من قبل مملوء بالفول المدمس والمربى والسردين والحلاوة الطحينية والجبن. تقشرت الأوراق التي كانت تغلّفها، أو ضاعت حروفها مع الزمن، لكن هيئتها تدل عليها. تشبه إلى حد كبير تلك التي يتناولها الجنود في سنوات خدمتي العسكرية، ربما هي نفسها، أو أنواع أخرى، نلتهمها أيضًا في أيام السلام البارد.
طالت نظراتي إليها، وانهمرت الذكريات الحيَّة، ووجدت نفسي أجلس القرفصاء عندها، أمد يدي في حذر. أرفع إحداها إلى عينيَّ، وأنفض الصدأ الذي يعلق بأصابعي. صدأ ثقيل لا يلغي حضورها في رأسي، ولا يطمس معالمها التي لم ينتبه إليها من أرخوا للحرب، وكثير ممن حكوا عن مكابداتهم بين النار والدم وهزيم المدافع، وأزيز الطائرات التي عبرت بغتة إلى الضفة الأخرى من قناة السويس بعد ظهر يوم لا يُنسى.
أمسك زمزمية فيأتيني صوت "سعيد عبد الرازق"، جندي مدفعية الميدان، وهو يقول: "لمَّا خلص الماء، حطيت الزلط البارد تحت لساني"، أما "متوكل عبد الحميد" فلا ينسى أنه قضى أيامًا بلا طعام، بعد أن انقطعت السُبُل بسريتهم، فيغلبه صوت "طاهر أبو عشري"، وهو يقول: "عسكري من قنا أسر إسرائيليين بعلبة فول، كان راجع بالتعيين وتاه فوقع فيهم، وقبل أن يصوبوا بنادقهم إليه، رفع علبة فول تقشرت ورقتها، فلمعت في عيونهم. ظنوها قنبلة، فخرجوا رافعين أيديهم فوق رؤوسهم. صرخ فيهم فارتعبوا، وأشار إليهم أن يمشوا أمامه، فنفذوا أمره، حتى جاء إلينا بهم أسرى".
"أي علبة فول من هذه كانت هي؟" أسأل نفسي، ثم أتذكر أن الواقعة لم تكن هنا غرب القناة، إنما شرقها، حيث صحراء سيناء الممتدة إلى البعيد.
أرفع علبة مدببة، غطاؤها لا يزال عالقًا بها. من فتحها في الزمن البعيد كان متعجلاً على ما بدا لي. أقدر أنها علبة سردين على أي حال. أرفع أخرى أسطوانية، وأقول لنفسي: "كانت علبة مربى"، وأردد سؤالاً لا توجد إجابة عنه لديَّ: "أين من أكلها الآن في دنيا الناس؟"
كنت متأكدًا أنها ليست من مخلفات كتيبتنا، فنحن نضع العلب الفارغة في سلة قمامة هائلة، تختلط بها بقايا الطبيخ والأرز والخبز الجاف، والأفرولات المهترئة، والأحذية التي فقدت صلاحيتها، ونرمي كل هذا في حفرة بعيدة، ثم نشعل فيها النيران بعد جفافها، حتى لا تجذب الذباب إلينا.
رفعت علبة صفيح متوسطة الحجم، كانت علبة جبن، لم يكن هذا في حاجة إلى تفكير، إذ ظهرت من جانبها حروف محفورة تدل على ما كان فيها. سحبتها إلى الأمام، فانسحب معها خيط، ما إن جذبته حتى تمزق، وبانت لي بيادة كالحة مملوءة بالرمل والحصى. كان جلدها لا يزال متماسكًا، وفيَّة هي لقدم لبستها ذات يوم، ربما لا تزال آثارها باقية فيها، رائحتها أو الألم الذي نشب في أصابع من طوقت قدمه أيامًا طويلة، فالمحارب ليس لديه وقت لخلع حذائه.
ملت أكثر، حتى جثوت على ركبتيَّ، ومددت أنفي أشم رائحة الذين كانوا هنا. رائحة الأشياء ضاعت في قدحة الشمس، وانهمار المطر، ودفقة الريح التي تدفع الرمل والحصى، كل هذا حدث، دون شك، على مدار السنوات الفائتة، لكن رائحة الآدميين لا تزال هنا. ربما هي رائحة الذي سردوا الحكايات على مسامعي في القرية، وربما رائحة غيرهم وقد كانت قوية بقدر حماسهم المستعر، فلم تبددها السنون.
نهضت دون أن أبعد عينيّ عما رأيت، وقطعت خطوات إلى الكتيبة، وأحضرت كيسًا من البلاستيك المقوى، وخرقة مبللة، وهبطت سريعًا تحت التبة العالية. مددت يدي في حذر، مرة أخرى، والتقطت من كل صنف علبة، مسحت الصدأ العالق بها، لكنه كان أقوى من أن تعود إلى لمعانها القديم.
ملأت الكيس بكل الأصناف، وربطت فوهته. وضعته إلى جانب سريري البسيط، وأنا أقول لنفسي: في الإجازة القادمة، سآخذه إلى القرية، وأسأل المحاربين القدامى عن كل شيء، فربما أفتح أمامهم بابًا آخر لحكايات ضاعت من ذاكرتهم، عن الأشياء التي حاربت معهم، دون أن يحسبوا حسابها.
*************
أم الشعور
قطعوا اليوم الشجرة العجوز التي يراها النيل. كان الناس يمرون بها متعجبين لمرآها، جذعها العريض، وأفرعها التي تتدلي ضفائر عفية، حتى تنغرس بين بلاط الرصيف، وهامتها السامقة التي ترفرف عليها العصافير واليمام، والتجاويف التي تجرح جذرها، وتنبعث منها روائح طيبة.
في الممر بين الشجرة وبين سور يعتلي النيل كان هناك مقعد حجري طويل، طالما جلس عليه عشاق، مطمئنين إلى أن الشجرة تستر رغباتهم المستعرة، التي يكبتها سماع صوت مارة وسيارات تمرق في الشارع، فتخرج قبلات خاطفة أو أحضانًا ما إن يبدأ دفؤها حتى ينتهي.
حين يجلس أحدهم إلى حبيبته، يقول لها:
ـ حبنا أقدم من هذه الشجرة، فقد ولد قبل أن نولد نحن بسنين طويلة.
والشجرة عمرها أكثر من مائة وخمسين عامًا، واحدة هي من مثيلاتها التي توزعت على مسافات متساوية بين كوبري "قصر النيل" و"كوبري الجامعة"، علامات هي للمكان، وشاهدات على أزمنة توالت من الحزن والفرح، وعلى قصص حب اكتملت، وأخرى أجهضتها ظروف قاسية.
هذا الفتى استملح واحدة من هذه الأشجار، التي يسميها الناس "أم الشعور". حين كان وحيدًا، لم يكن يحلو له الجلوس إلا وظهره إليها، ووجهه إلى النيل. يتأمل النهر الساري، والبنايات النظيفة الشاهقة على ضفته الغربية، وهو يحتسي الشاي الذي اشتراه في كوب من الورق المقوى من بائعه الواقف قريبًا خلف نصبته المتنقلة، فلمَّا ينتهي تستغرقه قراءة أي من الروايات الرومانسية التي كان يفضلها على ما عداها، ويحلم بحبيبة تشاطره الجلسة الهانئة.
حين وجد الحبيبة، كان يواعدها عند الشجرة. في المرة الأولى أتى بها إلي هنا، وقال لها وهما يعبران القنطرة المنحدرة من عند فندق "جراند حياة":
ـ أريك خلوتي.
ولمَّا وصلا وقفت مندهشة أمام الشجرة، فغرت فاها فبان لؤلؤها، وارتخت شفتها السفلى، فهمَّ أن يلثمها، لكنها ردته في لطف، وهي تقول:
ـ لم أر مثل هذه الشجرة من قبل.
أخرج من جيبه سكينًا صغيرة، كان قد أحضرها خصيصًا لتنفيذ ما عزم عليه. تعجبت من أن يحمل شابًا مسالمًا مثله أداة قتل، لكن زال عجبها حين رأته ينحني عند الجذع، ويحفر أول حرف من اسمها، ثم يطوقه بأول حرف من اسمه. كتب الهاء، أول حرف من "هالة"، وطوقه بالطاء، أول حرف من "طاهر"ـ فامتزج الحرفان في تلافيف متتابعة.
قالت له بعد أن انتهى:
ـ قد يطمس الزمن الحرفين.
داس على راحة يدها، وهو ينظر في عينيها، وقال:
ـ نجددهما مع محبة لن تبلى.
كلَّما جاءا إلى هنا، كانا يطمئنان إلى بقاء الحرفين ظاهرين. لم يكن في المرات اللاحقة بحاجة إلى سكين، إنما فقط حطبة مسنونة، كي يجرحهما من جديد، وهو يقول:
ـ دمي ودمك، وريقي وريقك، في امتزاج أبدي.
تبتسم في دلال، فيواصل:
ـ متى يختلط الماء بالماء؟
تزداد وجنتيها احمرارًا، وتسأله:
ـ متى تنتهي عقبات تحول دون إغلاق باب علينا؟
يحدثها عن عمل آخر التحق به بعد الظهر، ليدخر نفقات زواجهما، ثم ينظر إلى الشجرة، ويقول:
ـ مصيرنا واحد، مثل ضفائر هذه الشجرة.
طال بها الانتظار، وهو كلَّما ادخر مالاً أكلته الأسعار التي تتقدم بلا هوادة، وأضناه سؤال أمها عن موعد الزفاف، ورفض أبيها أن تخرج بصحبته كلما أراد. يتحسّس الدبلة الفضية التي تطوق إصبعه، وينظر إلى الدبلة الذهبية التي تطوق إصبعها، فيجدها تقول له:
ـ هذا هو الرباط.
لكنه يرد على الفور:
ـ رباطنا هناك محفور على جذع شجرتنا العجيبة.
كرر العبارة مرات كلما تعذر خروجها معه، وبعد أن دب اليأس في أوصاله من قدرته على الزواج من محبوبته. كررها همسًا وهو ينظر إلى الحرفين المتعانقين خلف ظهره، ويولي وجهه شطر النيل، لكن هذه المرة بذهن لم يعد صافيًا، كي يتأمل البنايات على الضفة المقابلة، أو يقرأ سطور رواية.
كان وجهها وحده هو الذي يكبر هناك ويكبر، فيغطي كل شيء أمام ناظريه: البنايات الشاهقة، وسطور الكتب، حتى إنه حين استدار ليطمئن إلى وجود الحرفين ظاهرين، لم ير غير وجهها، بل إن ضفائر الشجرة غابت خلف ضفائر محبوبته.
صار مسكونًا بهما، الحبيبة والشجرة، ولم يحسب أبدًا أنه سيفقدهما في يوم واحد. لا يمكنه الآن، وهو يمشي شاردًا في شارع النيل، ينظر إلى جدار من الصاج أقاموه حجب المياه عن العيون، أن ينسى أنه قبل أسبوع خرج مكسورًا من بيت حبيبته، تمسك أصابعه علبة صغيرة تحوي الشبكة التي اشتراها لها. هكذا قرر أبوها وأمها فسخ الخطبة، لعجزه عن الإيفاء بمتطلبات الزواج.
خرج عند عصر ذلك اليوم، تكاد قدماه لا تقدران على حمله، وراح يمضي في الشوارع مغالبًا دموعه، واجتاحه شعور بأن الشجرة وحدها هي التي ستسمعه وتفهمه، وأن الأمل في استعادة محبوبته باق طالما أن الحرفين لا يزالان مكانهما.
قطع الشارع نحو النيل، ورأسه مشغول بما سيقول للشجرة، لحظة أن يحط نظره على الحرفين المتعانقين. حين اقترب من المكان بقلب مرتجف، وعينين دامعتين، لم يجد الشجرة مكانها.