تحبه بإخلاص، تعامله بكراهية، فيض من المشاعر المتناقضة، تعادي من يذكره بسوء، تسئ الأدب في الحديث معه، يدخل البيت فيشرئب كل عضو فيها للتشاجر، يتصدى لنافورة إهاناتها بالصمت، يستفزها هدوؤه، يحتسي كوبًا من الشاي أعده لنفسه، تفجر في وجهه براكين ثورتها، يترك البيت عائدًا إلى حيث أتى، تنخرط في بكاء لا مبرر له، أمام انكسار صغارها، تشعر بتأنيب الضمير، زفرة الأسى المنبعثة منهم تلهب كبدها، تحاول النهوض للاعتناء بهم، تخونها قواها، تعود فتذكره بسوء تدعو عليه، فيبكون حتى يغلبهم النعاس، سيناريو يتكرر كل يوم بل يتكرر مرارًا في ذات اليوم، في الصباح يخرج لعمله ويعود كأن شيئًا لم يكن، ترى أبناءها حطامًا يتحرك في هياكل آدمية فتزداد حالتها سوءًا، تشعر بالاختناق، تصرخ للتنفيس عن نفسها، ينصحه أحد الجيران بعرضها على شيخ ربما بها مس أو سحر، يسرد عليه تفاصيل أقوال المشايخ الذين عرضها عليهم بلا جدوى، يودعها في مستشفى لعلاج الأمراض النفسية، نامت بعد إعطائها حقنة مهدئة، تم عرض ملفها على الطبيبة، وقفت مذعورة عندما قرأت الاسم: زهرة السيد عبد البار.
أسرعت إلى غرفة المريضة تتفقدها، امرأة مسنة، التجاعيد ترسم وجهها، شعرها رمادي يخالطه السواد، حمدت الله ثم عادت تنظر إلى الملف، تسب من علم هؤلاء الموظفين، تعدل السن من 36 إلى 63 سنة.
تستيقظ، صرخاتها ترج الجدران، يجري الممرضون لإعطائها مهدئًا، تتملص من بين أيديهم.
تدخل الطبيبة، بمجرد أن تراها تهدأ تمامًا، تمسح عينيها براحة كفتيها، فتبدو فيهما ابتسامة طفولية، تقترب منها تتحسس وجهها المضيء كالبدر، فتبتعد متأذية من خشونة الجلد الذي يشبه قشور السمك، لكنها تبادلها الابتسام.
– حنان؟! إنتِ بقيتي دكتورة؟
الطبيبة تحدث نفسها مذهولة، نفس الصوت لكن… مستحيل!
– زهرة السيد عبد البار.
تنطقان الاسم سويًا، المريضة بنبرة مفعمة بالحماس لتنشيط ذاكرة صديقتها وبالأمل في الخلاص من أسر الاغتراب والاكتئاب، والطبيبة بذهول واستنكار.
--------------
وحدة
أتثاءب ممتطيا إرادتي، أنفض الكسل، أحاول فتحي عيني، يتحرك جفني صعودا وهبوطا، مازالت عيناي مغمضتين، أفركهما، أرفع جفني بأصابعي، نفس الظلام، أتحسس السرير بحثا عن هاتفي، أضاءت شاشته، الحمدلله لم يصيبني العمى لكن الساعة الثالثة مساء، أقفز فأفتح النافذة، ستائر سوداء من الأرض إلى السماء، سكون إلا من صوت خافت لصلاة، أصوات طبول وأغنيات تعلو شيئاً فشيئا، أفتح الهاتف لأستعلم عما يحدث، تلفظ بطاريته أنفاسها الأخيرة، تذكرت بقايا شموع كنت أحتفظ بها، أنارت مخيلتي أضواء الاحتفال باستقطاع أربعين عاما من عمري، أهتدي بهذا النورلأحضرها وأتعثر في أشياء مبعثرة بجوار السرير، أنكب على وجهي، أتوكأ على راحتي لأنهض من جديد، أتحسس الهواء في بحر الظلام، أصل الى الدرج، أضئ الشمعة، تنفث اللهب في تلك الستائر السوداء، تتطاير، يحل محلها النور، أثبتها متجهة إلى الصالة، يفزعني شبح يمتد من تحت قدمي بطول الغرفة والصالة، يكسو الحائط المقابل والسقف، ينتهي فوق أجنحة المروحة، أتقهقر للوراء منكمشا، يتضخم، أصرخ متوجها للخارج هربا منه، يتقلص، أشعر بشئ من الثبات، أتأمله، هل أفزعه صوتي؟ أم ظن هروبي هجوما عليه فانسحب؟!، يستيقظ بداخلي (سوبر مان) أكشر عن أنيابي، أفتح ذراعي، يقلدني، أرهبه بصوتي: الهجمة الشرسة، أصطدم بالحائط، جسدي يغطي جسد الشبح الذي صار بنفس حجمي، لا يشعر بي، وحدي أشعر بدوار في رأسي وصمود الحائط.