يستذكر الكاتب في هذه المقالة، الشاعر العراقي الرائد محمود البريكان، إذا كان طالبا في معهد المعلمين في البصرة، وفي بداية حياته الشعرية، وكان البريكان مدرس اللغة العربية في المعهد. يعد البريكان شاعرا إشكاليا فقد كان معاصرا للسياب، وكتب قصيدة التفعيلة مبكرا، كان يكتب الشعر في كل وقت، لكنه لسبب ما، لا ينشره كله!!

البريكان الغائب المشع

ذكريات معهد المعلمين في البصرة

رعـد كـريم عـزيز

1

"قدر اللقاء بالبريكان"

في تحول دراماتيكي من عدم قبولي في اكاديمية الفنون الجميلة فرع المسرح لأسباب اقتصارها على الانتماء للبعث في ظل اجواء كابوسية لتحويل التعليم الى مكان مغلق لحزب البعث في حين قبلت حسب الاختبار في اكاديمية الفنون قسم المسرح وكان في الاختبار الاستاذ سامي عبد الحميد واسعد عبد الرزاق وجعفر علي وكان تسلسلي برقم 23، ولم ينفع النجاح في القبول لذا صار خياري معهد المعلمين، فقبلت في معهد المعلمين في البصرة عام 1972  في الوقت الضائع بعد ان انتهت ارقام القبول في معهد الموصل، وكنت قبل ليلة قد قررت ان التحق بالعسكرية ولكني صديقي استاذ جاسم قال لي :

  • جرب حظك الم تقدم الى معهد المعلمين عليك الذهاب الى بغداد

وحين وصولي في باب المعظم في دار المعلمين العالية القديمة سمعت اسمي مقبولا ودخلت على الموظفة مطالبا بالالتحاق بمعهد الموصل، ولكن الموظفة قالت بان القبول انتهى في الموصل، وانت ستكون على معهد البصرة، وسرعان ما اخذت الكتاب ورجعت الى الحلة وفي الليل 

ركبت القطار من مدينة الحلة نزولا الى البصرة وكانت هذه الرحلة الاولى للبصرة وشكلت كل الاكتشافات الاولى فشهدت وضوح اول الفجر الوردي في الافق المفتوح بالصحراء المحيطة بالبصرة وكذلك رؤية شعلة ابار النفط ،حتى وصلت الى منطقة العشار لتبهرني السفينة الواقفة خلف تمثال السياب بشط العرب ورؤية بائعات القيمر في ازقة السوق كان اليوم كله مختلفا ومليئا بالدهشة التي اسست مرآى البصرة في ذاكرتي لحد اللحظة. ان القدر الخفي يسوقني الى عالم البريكان دون ان ادري ،البريكان الذي قراءته فقط مبهورا بسمعة قصائده والاساطير التي نسجت حوله وكيف يودع قصائده في البنك ويترفع عن النشر وهو صديق السياب والتربوي الصادق.

ذهبت بعدها الى معهد المعلمين وسط المدينة وهو يقع مقابل شركة النفط وغير بعيد عن سينما الكرنك قدمت اوراقي فكان قبولي في الشعبة 14 وبتعارف سريع مع اصدقاء من الكوت الطالب سعد الزريجي وشاكر وكان تعارفا لا يخفى من الاشارات السياسية اليسارية وهما  المقبولان في الشعبة رقم 1 ماذا افعل حتى اكون معهما ؟خرجت ظهرا الى سوق العشار وفي مصادفة لم اتوقعها ابدا التقيت بالراحل فاضل وتوت مدرس اللغة الانكليزية والسياسي اليساري في الحلة وقد وفد الى البصرة ليتابع قضية اخاه العسكري حينها ،سالني عن احوالي فنقلت له ماحدث في المعهد وبعد ان اكملت الحديث سلمَ عليه مدرس بصراوي كان زميله في الكلية فلم يتاخر اذا طلب عونه لي بالنقل الى الشعبة 1 فتم الامر في اليوم الثاني اذ عثر على طالب من الكوت اسمه رعد كذلك فذهب رعد الكوت الى الشعبة 14 واصبحت رعد الحلة في الشعبة 1 وهذا الانتقال كان من احلى الصدف التي قربتني للشاعر محمود البريكان، اذا كان الشاعر محمود البريكان يدرس الشعبة 1 مادة اللغة العربية ،كان الامر مقلقا لي ويحمل نوعا من الانبهار الداخلي الذي لا استطيع ان افصح عنه امام الطلبة الذين كان يهمهم اكتشاف المتع الزائلة وليست لهم علاقة بالادب ورايت الشاعر محمود البريكان يدخل الشعبة بخطى بطيئة متزنة غير مسموعة وكأنه يرتفع عن الارض بمقدار ضئيل – هل الوله بالشاعر سبب هذا التصور الرومانسي ؟- واصبحت اخشى ان امسسه فهو المثال في خاطري  والواقف بوجه الريح وهو الحروف الصلبة التي تواجه الذين يغرونه بالبيوت .لم اكن معنيا بجوابه بمقدار تحققي من حضوره باعتباري عاطفيا لا يصدق بالحضور الا من خلال الغياب هو يلقي بمحاضرته وانا اتذكر نصه:

 "قدمتمو لي منزلاً مزخرفاً مريحاً

لقاء أغنية

تطابق الشروط

أوثر أن أبقى

على جوادي وأهيم من مهب ريح

إلى مهب ريح".

كان اذا حاضر فهو واقف في وسط السبورة محافظا على اناقته بربطة العنق الكبيرة وهي موديل تلك الايام وبنطرون عريض بعض الشئ ،وانتبهت الى ان درسه معني بثقافة المعلم وسلوكه وطريقة تدريسه اكثر من الاهتمام بتفاصيل اللغة والنحو ومن دروسه الاثيرة التي لا تنسى انه قال:

-اذا درستم التلاميذ في الصف الاول الابتدائي احذروا الكذب، فاذا مرت الحكاية في السنة الاولى فقد يكتشفون الكذبة في المراحل الأخرى، فتنهار صورتك امامهم وهذا لايعني انهيار القيمة التربوية للتعليم.

وكان يمر على الاشياء متسلحا بثقافته في الادب والسينما واكد علينا بوجوب تعليم التلميذ كيف ينوع اشاراته وهو يقرأ نشيدا:

-لا تجعلوه يلوح بذراعيه يمينا ويسارا كأنه طير مذبوح وشاهدوا افلام الممثل شارلي شابلن وكيف استطاع ان يفهم الملايين بالإشارة من دون نطق حرف واحد. وهذه التعاليم سرت على خطاها حين تعينت اول مرة في مدرسة 11 اذار التابعة لقضاء عفك في محافظة القادسية عام 1975.

وتشجعت بعرض نصوصي الاولى عليه بعد ان رافقته في الممر المؤدي الى الادارة فأخذها مبتسما دون ان ينطق بكلمة واحدة وفي اليوم التالي رافقته في الممر مرتعشا قلقا وسالته عن رأيه في النصوص فقال كلمة واحدة:

-انه شعر.

وحلقت في الفضاء منتشيا ولم اعد الامس الارض ولم اعد ارى شيئا اخر غير ملامح غامضة لجدران وشبابيك المعهد القديمة وشكرته بامتنان خجول.

وفي الليل استنسخت النصوص الثلاثة بخط اليد وارسلتها بالبريد العادي الى الشاعر سعدي يوسف وعلى عنوان جريدة طريق الشعب طالبا منه اختيار نص للنشر ولكنه بعد 10 ايام نشر النصوص الثلاثة دفعة واحدة في الجهة اليسرى من الصفحة الثقافية معززة بتخطيط الفنانة عفيفة لعيبي.اية مصادفة قادتني للبصرة حتى يدرسني البريكان ويعزز الثقة بنفسي ومن ثم ينشرها الشاعر سعدي يوسف في جريدة طريق الشعب.

وكان اخر لقائي به وحين ذهبت لاجلب وثيقة التخرج من المعهد لانها مطلوبة للتعين عام ،1975التقيت ليلا بالشاعر الراحل مهدي محمد علي وذهبنا لسماع الفرقة السمفونية مساء والتقيت بالبريكان العاشق للموسيقى سلمت عليه:

-استاذي كل التبريكات بمناسبة زواجك ولو انها متأخرة.

فرد علي باقتصاد كلماته وعبرتها:

-كل الاشياء تأتي متأخرة يا رعد.

وكانت سهرتنا مع عبد الكريم كاصد ومحمود عبد الوهاب ومحمد خضير ومهدي محمد علي في احد النوادي القريب من شط العرب.

2

" اغتيال االبريكان"

هو محمود داود البريكان ولد عام (1931) وتخرج في كلية الحقوق بجامعة بغداد. عمل مدرساً للغة العربية في ثانويات العراق والكويت. وتوفي عام (2002) مغدورا بسكين في مدينة البصرة مما اضاف غموضا جديدا لحياته، ترى هل كان اغتيالا بسبب امتناعه من ركوب الموجه والارتكان الى عزلة داخلية مضيئة؟ ولم تحل شفرة اغتياله الى اليوم.

أما نبأ مقتله فتلك حكاية سنمر عليها سريعا ولعلنا نتابع الملف لاحقا، فقد وصلني في صبيحة شتائية اواخر شهر شباط عام 2002 حين هاتفني الصديق علي عبد الامير وكنت حينها في عمان الاردن:

  • رعد انقل لك خبرا مؤسفا .. اغتيل البريكان في البصرة
  • .....
  • نريد ان نعمل ملفا عنه في مجلة المسلة.

وكان علي عبد الامير رئيس تحرير مجلة المسلة التي تصدر عن اتحاد الادباء للمعارضة في الاردن، وطلب مني ان اهيأ ملفا عن البريكان فتذكرت العدد الخاص بالبريكان في مجلة الاقلام والذي أشرف عليه الشاعر رياض ابراهيم وكان اسمي مذكورا في فهرست الذين كتبوا عن البريكان وكانت لي مقالة منشورة عنه في جريدة العراق وهي محاضرة القيتها في اتحاد ادباء بابل حين كان مقره في المشتل قرب معمل نسيج الحلة.

وكانت مكتبة شومان في الدوار الاول خير عون لاستخراج الملف .

هذا مارايته وعشته مع البريكان في معهد المعلمين في البصرة ولكم ان تتخيلوا الكوكبة التي درستنا، محمود البريكان للغة العربية والفنان شوكت الربيعي لمادة الفن ويمر علينا كذلك الشاعر راضي السيفي وكان معاون المعهد الشخصية الاكثر اشراقا في البصرة اجتماعيا وادبيا القاص محمود عبد الوهاب. نادم لاني لم ادخل عالمه الغامض عن قرب اكثر حينها  لاني كنت مأخوذا بالهالة التي تحيط به وكنت لا اريد ان اخدش المشهد الذي اشاهده في درس اللغة العربية ..انه البريكان بلحمه امامي بكل ما نسجه بموقفه الذي حافظ عليه حتى الرمق الاخير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن مجلة الأقلام العراقية