استشرت في حزب العمال ممارسات سياسة تتسم بالتدليس المتعمد والتضليل المنهجي، ممارسات أدت إلى نفور أغلبية الشعب من الحزب. وقد تجلى ذلك في نتائج الانتخابات النيابية الفرعية مؤخرا، والتي كان الحزب يسيطر عليها لأكثر من قرن، حيث اذلّ الناخبون الحزب بوضعه في المركز الثالث خلف حزبي الخضر والإصلاح، ووجّهوا بذلك إهانة كبرى لزعيمه.

حزب العمال وازمة المسار الديمقراطي في بريطانيا

رمـيـز نظـمي

 

هناك رأي يتبناه محللون سياسيون يمكن تلخيصه بالقول إنه منذ ٢٠٢٠، استشرت في حزب العمال ممارسات سياسة تتسم بالتدليس المتعمد والتضليل المنهجي، ممارسات أدت إلى نفور أغلبية الشعب من الحزب.  تجلى ذلك بوضوح في نتائج الانتخابات النيابية الفرعية التي جرت بتأريخ ٢٦-٢-٢٠٢٦ في دائرة انتخابية في مانشستر الكبرى، والتي كان حزب العمال يسيطر عليها لأكثر من قرن، حيث اذلّ الناخبون الحزب بوضعه في المركز الثالث خلف حزبي الخضر والإصلاح، ووجّهوا بذلك إهانة كبرى لزعيم الحزب، كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني.

صعود جريمي كوربين والارتعاب منه
لفهم ما جرى لحزب العمال، علينا أن نبدأ بجيريمي كوربين الذي فاز في ٢٠١٥ بزعامة الحزب بأغلبية ساحقة بلغت نحو ٦٠٪ من الأصوات.  كان كوربين نائبا عن حزب العمال، ونهجه اشتراكي ديمقراطي مناهض للعنصرية والحروب العدوانية، وعارض بشدة غزو العراق في ٢٠٠٣.  استطاع كوربين بتوجّهه التقدمي أن يُشعل حماس مئات الآلاف ممن فقدوا الأمل في السياسة البريطانية.  ارتفع عدد أعضاء الحزب من حوالي ١٩٠ ألفًا إلى أكثر من نصف مليون في غضون عام واحد.  وتدفق الشباب للانضمام إلى الحزب بأعداد غفيرة، وللحظة وجيزة، بدت السياسة تنبض بالحياة في بريطانيا.

شكّل فوز كوربين وشعبيته المتزايدة مشكلة كبرى عند البعض.  أثار دعمه الصريح لحقوق الفلسطينيين، وعداؤه  للمؤسسات الرأسمالية، ورفضه الانصياع لإجماع المؤسسة الحاكمة، حالة من الذعر في أوساط النخبة السياسية والإعلامية البريطانية، بما في ذلك عناصر داخل حزب العمال، ولم يكن رد فعلهم الانخراط في حوار مفتوح ونقاش بنّاء، بل اللجوء إلى التخريب المنظم. 

هناك ثلاثة تطورات أعقبت فوز كوربين يبدو أنها أدت إلى الموقف الحالي البائس لحزب العمال خاصة، والوضع السياسي في بريطانيا عامة.  هذه التطورات المترابطة هي: المقاومة الصارمة لمشروع كوربين، والانقلاب الذي نفذه خليفته كير ستارمر، وتزايد نفوذ شبكات الضغط السياسي (lobby groups) والجهات الممولة الخارجية، ووسائل الإعلام المتحيزة.

و رغم نجاح مشروع كوربين التقدمي في حشد النشاط السياسي، غير أن ترجمة هذا الحشد إلى فوز في الانتخابات النيابية العامة كان أكثر تعقيدا، ورغم عدم فوز الحزب في الانتخابات العامة في ٢٠١٧، إلا أنه أثبت قدرته على الحصول على دعم انتخابي كبير،  فقد حقق الحزب زيادة ملحوظة في نسبة الأصوات، وحرم حزب المحافظين من الأغلبية البرلمانية.

في الانتخابات العامة التي جرت في ٢٠١٩، مني الحزب بهزيمة كبيرة.  فقد أدي النجاح النسبي الذي حققه كوربين في ٢٠١٧، الي تزايد العداء له من جبهة منيعة تضم المحافظين، والمؤسسات السياسية التقليدية، وأصحاب المصالح الرأسمالية، واللوبي الاسرائيلي، وحتى فصيلا من داخل حزبه.  لم تكن لكوربين، الذي يفتقر مهارة المناورة السياسية، أيه فرصة في دحر هذا التحالف غير المقدس. 

تألف الفصيل الداخلي المعادي لكوربين من نواب عن حزب العمال في البرلمان البريطاني، بالإضافة إلى أجزاء من الجهاز الإداري للحزب، ووُصفت محاولة هذا الفصيل لتقويض كوربين بأنها عملية غدر واحتيال ضد زعيم انتخبته أغلبية ساحقة من أعضاء الحزب مرتين في ٢٠١٥ و٢٠١٦.. تتحدد سياسات أي حزب ديمقراطي حسب تطلعات أغلبية اعضائه عن طريق قائدهم المنتخب، وليس حسب أهواء اصحاب المصالح الضيقة، او الوصوليين، او الممولين، او وسائل الإعلام المتحيزة.

طريقة افشال مشروع كوربين التقدمي تعد عبرة تحذيرية ودرسا حول قدرة آليات السلطة السياسية ووسائلها في كيفية استيعابها للحركات الديمقراطية وتحييدها في نهاية المطاف.

انتخاب ستارمر والانقلاب السياسي
في أعقاب هزيمة حزب العمال في الانتخابات النيابية العامة في ٢٠١٩ واستقالة كوربين، جرت انتخابات لاختيار قائد جديد، وكان كير ستارمر من بين المتنافسين.  قدم ستارمر نفسه كمرشح هدفه الاستمرار على خُطا مشروع كوربين التقدمي والعمل على توحيد فصائل الحزب، وأصدر في هذا الصدد عشرة تعهدات لطمأنة أعضاء الحزب بأن العناصر الأساسية لسياسات كوربين ستظل محورية في استراتيجية الحزب تحت قيادته، تعهدات اعتقد الأعضاء أنها صادقة وانتخبوه.   

بعد توليه القيادة، بدأ ستارمر بالتخلي عن تعهداته، وحوّل الموقف السياسي للحزب نحو اليمين، وقام بإسكات اي نقاش داخلي حول سياسات الحزب، وهمّش او أقصى الشخصيات اليسارية في الحزب.. كان كوربين الضحية الأبرز لهذا التحول، اذ علقت عضويته في الحزب البرلماني ومنع من الترشيح كنائب عن حزب العمال، وبذلك تحول كوربين من زعيم سابق إلى مجرد عبرة سياسية لمن يعتبر.  والاستمرارية التي وعد ستارمر بها بينت، في نظر النقاد، إلى حد كبير استمرارية سياسات المحافظين.  ومن ابرز التحولات التي تلك حصلت وهي تقديم الدعم الكامل لإسرائيل وتجاهل الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.

حدث الشئ نفسه عندما فاز حزب العمال تحت قيادة ستارمر في الانتخابات النيابية العامة في ٢٠٢٤، فخلال الحملة الانتخابية وعد الحزب التغيير والتجديد وتنفيذ العدالة الاجتماعية والابتعاد الحاسم عن اتباع أي من السياسات الشائنة التي انتهجتها حكومة المحافظين.  إلا انه بمجرد وصوله إلى السلطة، واجه الحزب مشاكله الخاصة: استلام تبرعات وهدايا من ممولين أثرياء، تطبيق سياسات تضر الفئات الضعيفة من المجتمع وذات الدخل المحدود، وتكرار التراجعات والتخبط السياسي، وتبني اجراءات صارمة ضد المهاجرين، والدعم المتناهي لاسرائيل.  اجراءات في مجملها دعت الناخبين الى التساؤل إذا ما كانت حكومة العمال قد حققت أي تغيير جوهري عن حكومات المحافظين السابقة.

في انتخابات ٢٠٢٤، حقق حزب العمال أغلبية برلمانية واسعة،  لكن الأرقام لا تعكس انتصارا كبيرا.  اقتصرت  حصة حزب العمال من أصوات الناخبين الكلية على ٣٣,٧  (٩,٧ مليون صوت)،  بينما في ٢٠١٧، بقيادة كوربين، كانت نسبة حصته ٤٠٪؜  (٢,٩ مليون صوت).  لم يكن هذا الفوز نابعًا من تفويض شعبي واسع النطاق، بل من طبيعة النظام الانتخابي البريطاني، وانقسام اليمين ما بين حزبي "المحافظين" و"الإصلاح".  الأغلبية كانت في عدد المقاعد، وليس في كمية الأصوات.

من نافلة القول، أن الحكومة التي تتنازل عن وعودها لا تفقد احترام ناخبيها فحسب، بل تقوض شرعيتها أيضاً.  اظهرت استطلاعات الرأي في بداية هذه السنة ان حوالي ٧٥٪؜ من البريطانيين يعتقدون بأن المملكة المتحدة في حالة 'انهيار'، وبأن البلاد في حالة أسوأ مما كانت عليه قبل ١٠ سنوات، ويشعر حوالي ٧٠٪؜  أن سياسييهم لا يكترثون بهم، حتى بين اولئك الذين صوتوا لحزب العمال في ٢٠٢٤ تراجع تأييدهم بشكل كبير، حيث عبر اكثر من نصفهم عن عدم رضاهم عن سجل الحكومة.

اوضح بدقة أحد أعضاء البرلمان عن حزب العمال الوضع الحالي لحكومته بقوله: "لقد احرقت هذه الحكومة قاعدتها الشعبية، وأبعدت نشطاءها، وتجاهلت الجمهور الذي دخلنا السياسة لتمثيله".  نعم، على المدى القصير، قد يحقق الخداع السياسي الفوز في انتخابات القيادة بل قد يحقق الفوز في الانتخابات العامة، لكنه لا يستطيع ضمان ثقة الشعب الدائمة، وبدون الثقة تتآكل الديمقراطية والشرعية.

دور منظمة «العمال معاً»
منظمة "العمال معا" (Labour Together) كانت جزءا أساسيا من التحالف غير المقدس المناهض لكوربين، وهي من المفروض أن تكون مركز أبحاث، هدفها توحيد الاتجهات السياسية داخل حزب العمال، لكنها في الواقع كانت بمثابة رأس الحربة التنظيمية لمحاربة مشروع كوربين الراديكالي، والأداة التكتيكية لمن اعتبروا نهج كوربين التقدمي تهديدًا وجوديًا، وصمموا ليس فقط على تفكيكه، بل أيضاً على القضاء على أي احتمال لعودته.

في قلب هذه العملية، ظهر مورغان ماكسويني، وهو خبير استراتيجي، والذي أصبح تدريجيا وبشكل ممنهج شخصية مؤثرة في سياسة حزب العمال في عهد ستارمر، حيث نظّم حملة ستارمر لزعامة حزب العمال في ٢٠٢٠ ومن ثم حملة حزب العمال للانتخابات العامة في ٢٠٢٤، وأصبح مديرا لمكتب رئيس الوزراء عندما تولى ستارمر هذا المنصب.  كان ماكسويني حليفاً لبيتر ماندلسون، السياسي سيئ السمعة ومهندس حزب "العمال الجديد" الذي قاده توني بلير المتهم بأنه مجرم حرب لدوره في الغزو الآثم للعراق في ٢٠٠٣، غزو اعتبره البعض "حربا من اجل اسرائيل"..   تبينت العداوة التي يكنّها ماندلسون وماكسويني واتباعهم لكوربين في تصريح لماندلسون ادلى به في شباط / فبراير ٢٠١٧ حين قال "أعمل يوميًا على إسقاط جيريمي كوربين".

ترك ماكسويني الجامعة في ١٩٩٤ وسافر إلى الكيان الصهيوني وعمل في ساريد، وهو كيبوتز بُني على أرض كانت تقع عليها قرية خنافيس الفلسطينية في ضواحي الناصرة.  كما اعترف موشيه دايان: "لا يوجد مكان واحد بُني في هذا البلد (إسرائيل) لم يكن يسكنه في السابق سكان عرب".

تنحدر عائلة والد ماندلسون من أصول بولونية، وعمل والده في صحيفة "جويش كرونيكل"، أما والدته فهي ابنة هربت ستانلي موريسون، أحد القادة الكبار في حزب العمال البريطاني في القرن الماضي، وكان متعاطفاً مع الصهيوينة.  أقام ماندلسون علاقة طويلة الأمد مع جيفري إبستين، الأمريكي الثري المدان بجرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال والمتاجرة بالجنس.  وحسب بعض تقارير، إبستين كان ايضاً عميلًا للموساد، ويُدير عمليات ابتزاز. امتدت علاقات ابستين إلى شخصيات دولية نافذة، من بينهم رؤساء وأفراد من العائلات المالكة وشخصيات ذات تأثير كبير في السياسة والمال والتكنولوجيا والأعمال التجارية والمجال الأكاديمي، ويذكر ان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي أفاد بأن "إبستين كان مقرباً من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك، وتدرب على يديه كجاسوس".

إلى جانب علاقته المشبوهة بإبستين، تورط ماندلسون في فضيحتين آخريين أدّتا إلى إقالته من حكومة حزب "العمال الجديد" في سنتي ١٩٩٨ و٢٠٠١.  ورغم سجله المثير للجدل وعلاقته المشينة بإبستين، استمر الجناح اليميني في حزب العمال على تبجيله لماندلسون، تبجيل دفع ستارمر إلى تعيينه سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن في شباط /فبراير ٢٠٢٥. ّكان تعيينا كارثيا إذ اضطر ستارمر إلى إقالته بعد سبعة أشهر عندما ظهرت أدلة جديدة تكشف مدى عمق وفساد علاقة ماندلسون بإبستين.  ونتج عن ذلك استقالة ماكسويني، رئيس مكتب ستارمر، وكاد أن يؤدي ايضا إلى فقدان ستارمر لرئاسة الوزراء.  ولا تزال تداعيات فضائح ابستين مستمرة، وتم مؤخراً اعتقال ماندلسون وأندرو شقيق شارلز ملك بريطانيا.

في ٢٠٢١ فرضت اللجنة الرسمية للانتخابات البرلمانية في بريطانيا غرامة على منظمة "العمال معًا" لعدم إفصاحها بشكل قانوني عن استلامها تبرعات تجاوزت ٧٠٠ ألف جنيه إسترليني.  لمنظمة تدّعي المهنية والنزاهة، لم يكن عدم الإفصاح سهواً، وأثار تساؤلات كثيرة: من كان يموّل "العمال معًا"، ولأي غرض، ولمصلحة من، ولماذا هذا التعتيم؟  كان من بين اهم مموليها رجل الأعمال الثري والناشط المؤيد لإسرائيل، تريفور تشين، الذي صرّح علنًا بأنه أمضى حياته في العمل لصالح إسرائيل،  وحصل على وسام الشرف الرئاسي الإسرائيلي في ٢٠٢٤.  

بعد انتخاب ستارمر زعيماً للحزب، تلقت منظمة "العمال معاً" تمويلاً كبيراً من متبرعين اثرياء، مما مكنها من تقديم مساعدات مالية لشخصيات بارزة في حزب العمال، كما تلقى العديد من اعضاء حكومة حزب العمال تبرعات من مؤيدين لاسرائيل، وقد اثيرت تساؤلات حول الغرض من تقديم هذه الاموال، هل قدّمت تعبيراً عن مكارم الاخلاق ام لاخضاع متلقيها لهدف اللوبي الاسرائيلي الا وهو "صهيّنة" السياسة الخارجية البريطانية؟

فلسطين، الاستثناء الاسرائيلي والقيم الاخلاقية
لا عجب إذن في تجاوب قيادة حزب العمال مع جماعات اللوبي الاسرائيلي.  إن الاهتمام برفاهية إسرائيل داخل حدودها هو شأن، ولكن دعم سياساتها الاجرامية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة هو أمر آخر.  لم تكن الإبادة الجماعية التي اقترفتها إسرائيل ولا تزال في غزة منذ ٢٠٢٣ مجرد تكهنات، بل كانت تُشاهد يوميا على شاشات التلفاز مباشرة، فظائع إجرامية أكدتها الأمم المتحدة، وعقب تحقيق في جرائم الحرب الاسرائيلية، أصدرت محكمة العدل الدولية مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو. 

اتُهمت إسرائيل أيضا بممارسة الفصل العنصري، داخل حدودها وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، من قبل منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة بتسليم الاسرائيلية لحقوق الإنسان.  ذكر تقرير منظمة العفو الدولية الذي صدر في ٢٠٢٢ ان إسرائيل تمارس 'نظام قمع وهيمنة' على الفلسطينيين منذ تأسيسها في ١٩٤٨.  رغم كل هذه الاتهامات من قبل المنظمات الدولية ذات الاختصاص، لم يمتنع أعضاء الحكومة البريطانية عن مساندتهم لإسرائيل. فقد أعلن كير ستارمر، رئيس الوزراء (المحامي السابق في مجال حقوق الإنسان) دعمه "للصهيونية دون قيد أو شرط". وأعلنت راشيل ريفز، وزيرة المالية "أنا صهيونية بلا اعتذار".

لم تكتف الحكومة البريطانية بتغطية وتبرير جرائم وحشية تُقترف ضد النساء والأطفال وكبار السن، بل ساندت  مرتكبيها على اقتراف المزيد.  كانت الحكومة البريطانية على دراية تامة بطبيعة جرائم إسرائيل،  وتجلى ذلك في اعتراف أحد كبار أعضائها، ويس ستريتينغ، في رسالة خاصة حيث كتب :"إسرائيل ترتكب جرائم حرب أمام أعيننا... تتحدث حكومتهم بلغة التطهير العرقي، وقد التقيتُ بفريقنا الطبي هناك الذين وصفوا مشاهد مروعة ومؤلمة من الوحشية المتعمدة ضد النساء والأطفال". 

لماذا تعمدت الحكومة البريطانية عدم نشر هذه المعلومات علنا؟  ربما سبب هذا التستر المعيب هو غياب اية ذريعة اخلاقية يمكن ان يستخدمها النظام البريطاني لتبرير دعمه لكيان مارق يرتكب جرائم حرب.  يبرهن هذا التستر كذلك ان تبجح النظام البريطاني بالتزامه الدائم بالقيم العليا هو مجرد تفاخر فارغ.  إن استمرار دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا رغم جرائمها يجعل اتهام الحكومة البريطانية بالتواطؤ في اقتراف هذه الجرائم أمرًا واردًا.

يتساءل مساندو حقوق الانسان هل يوجد أي إجراء غير قانوني آخر تقوم به إسرائيل من شأنه ان يؤدي إلى معاقبتها من قبل النظام البريطاني والقوى الغربية الأخرى؟  حتى الآن، يبدو ان إسرائيل، مهما ارتكبت من جرائم، هي فوق القانون ومحصنة من اية عقوبات فعّالة!

لقد تصادم دعم حكومة حزب العمال لاسرائيل برأي الشعب البريطاني، الذي تعاطفت غالبيته مع الفلسطينيين.  ومن اهم العوامل التي ادت إلى انتصار حزب الخضر في الانتخابات الفرعية التي جرت في نهاية شباط/فبراير الماضي هو تأييده لحقوق الشعب الفلسطيني واستنكاره المطلق للفظائع المرتكبة بحق غزة.  يقود الخضر زاك بولانسكي وهو يهودي مناهض للصهيونية. 

من الجدير بالذكر أيضاً، هناك مؤشرات تدل على أن أجندة حزب الخضر الراديكالية تجتذب حماسة شعبية مماثلة للدعم الذي حضى به مشروع كوربين التقدمي.  ويبدو ان ستارمر، بعد ادراكه ان غالبية البريطانيين ينأون عن الحروب العدوانية، قرر النأي بنفسه، إلى حد ما، عن الحرب الباغية التي تشنها تل ابيب وواشنطن على إيران منذ نهاية شباط/فبراير الماضي، ولذلك حظى بتأييد شعبي نادر.

معاداة السامية وكراهية الاسلام:
التهمة المزعومة التي استخدمها ستارمر ضد كوربين لطرده من حزب العمال النيابي كانت متعلقة بمعاداة كوربين للسامية.  اتهامٌ مُلفّقٌ بامتياز، حيث ان كوربين ناضل طوال حياته ضد أي شكل من أشكال العنصرية.  عندما أصبح ستارمر زعيمًا لحزب العمال، أعلن بفخر أنه لم يعد هناك مكان لمعاداة السامية أو أي شكل آخر من أشكال العنصرية في حزب العمال.  هذا التصريح هو تضليل آخر من ستارمر هدفه التملق للوبي الاسرائيلي

أسلوب عمل اللوبي الاسرائيلي لا يقتصر على الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، بل يتعداه إلى وصم أي نقد لسياسات إسرائيل العدوانية تجاه الفلسطينيين بمعاداة السامية.  ولذلك، ووفق هذا المنظور الملتوي للوبي الاسرائيلي فإدانة حرب الإبادة الجماعية التي شنتها اسرائيل على غزة هي بادرة معادية للسامية، وأي اجراء لعرقلة هذه الحرب يُعتبر عملاً إرهابياً!  تقبلت الحكومة البريطانية هذا الرأي المستهجن، وقررت اعتباطيا حظر منظمة "العمل الفلسطيني" باعتبارها منظمة إرهابية.  نقضت المحكمة العليا البريطانية مؤخراً هذا الحظر واعتبرته غير قانوني.

في ٢٠٢٠ كلف حزب العمال المحامي البارز مارتن فورد بالتحقيق في قضايا التمييز العنصري داخل الحزب، وتم نشر التقرير النهائي في  ٢٠٢٢  وتضمن ١٦٥ توصية.  ادعت ادارة الحزب انها درست هذه التوصيات بشكل كامل، واعتمدت غالبيتها العظمى.  إلا انه وبعد سنة من نشر التقرير، ناقض فورد هذا الادعاء، كاشفًا أن ادارة الحزب لم تتفاعل جديا مع تقريره.

و ذكر التقرير ايضا أن "التمييز العنصري ضد السود والتحيز المعادي للإسلام لا يؤخذان على محمل الجد كمعاداة السامية داخل حزب العمال". نتيجة لتصريحاته حاول الحزب إسكات فورد، إذ بعث محامو الحزب رسالة له يتهمونه فيها  بـ"العمل ضد مصالح الحزب".  يتضح التحيز المعادي للإسلام داخل الحزب كذلك بما صرح به احد مسؤولي الحزب عندما استقال أعضاء مجلس محلي مسلمون من حزب العمال احتجاجًا على موقف الحزب المؤيد لإسرائيل، حيث وصف هذا المسؤول الاستقالات بأنها "تخلُص من البراغيث".  نعم، ان هناك  رأي داخل حزب العمال يعتبر المسلمين مجرد 'براغيث'.

"الصوت اليهودي للعمال" هي منظمة تأسست في ٢٠١٧ لأعضاء حزب العمال اليهود التقدميين المناهضين للصهيونية.  وقد ادعى أعضاؤها ان إدارة الحزب تسىء معاملتهم باستمرار وتعرّضهم للاضطهاد التعسفي.  يبدو ان سبب سوء معاملتهم يعود لكونهم "نوعا خاطئا" من اليهود: أي اليهود المعادين للصهيونية.  يستنتج من ذلك أن حملة ستارمر المزعومة لحماية اليهود هي في الواقع حملة لدعم الصهيونية، وليس لمحاربة معاداة السامية. 

يفترض المنطق السليم أن يكون الغرب ممتنًا للعرب والمسلمين، لا أن يكنّ لهم الكراهية.  يُبين التاريخ أن نهضة الحضارة الأوروبية كانت قد استفادت بشكل كبير من التقدم العلمي والفلسفي والتكنولوجي الذي حققه علماء العرب والمسلمون خلال القرون من الثامن إلى الثالث عشر.  في هذا الشأن، كتب روبرت بريفولت، المؤرخ والعالم الأوروبي: "من المرجح جدًا أنه لولا العرب، لما قامت الحضارة الأوروبية الحديثة أبدًا". وكذلك أشار المؤرخ الأمريكي البارز، ديفيد ليفرينغ لويس، إلى أن النفوذ الإسلامي شكّل الأساس الحضاري الذي انتشل أوروبا من عصور الظلام.

عندما يتحدث المال، تهمس الديمقراطية:
يشير اعتماد الأحزاب السياسية المتزايد على تمويل الأثرياء وجماعات اللوبي إلى مشكلة خطيرة في الديمقراطية البريطانية. يمنح هذا التمويل شبكات الأثرياء نفوذًا غير مستحق على النقاشات السياسية والتوجهات الاستراتيجية. بالنسبة لحزب العمال، يُمثل هذا تحولًا هيكليًا في التمويل، من الاعتماد بشكل أساسي على النقابات العمالية واشتراكات الأعضاء إلى الاعتماد المتزايد على المانحين الأثرياء وجماعات اللوبي.  وكما قال فرانكلين روزفلت ذات مرة: "إن الحكم الذي يستند على الاموال المنظمة لا يقل خطورة عن الحكم المرتكز على العصابات المنظمة".

تتركز وسائل الإعلام الرئيسية في بريطانيا بشكل كبير في أيدي عدد قليل من الملاك الاغنياء ووالشركات الثرية. وتلعب صحف مثل ديلي ميل، وتلغراف، وإكسبريس، وتايمز، وصنداي تايمز، وذا صن، وذا صن أون صنداي، وقنوات تلفزيونية مثل جي بي نيوز، وتوك تي في، دورًا مؤثرًا في صياغة الاخبار السياسية وتحديد اطر الاعلام العام. الصحف الأربع الأخيرة المذكورة وقناة توك تي في  (Talk TV) مملوكة جميعها لروبرت مردوخ من خلال شركته، نيوز كورب.  وقد ورد أن الصحفي الاستقصائي الشهير، كارل بيرنشتاين، وصف ثقافة نيوز كورب بأنها "شبه إجرامية".

ومن القضايا الأخرى ذات الصلة التي تُؤرق الديمقراطية البريطانية، هي مصداقية التصريحات السياسية، أو بالأحرى انعدامها. فقد أظهر استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit) في ٢٠١٦ مدى سهولة تداول الحملات السياسية لادعاءات زائفة أو مُضللة.  وعلى عكس الإعلانات التجارية، حيث تواجه الشركات عقوبات قانونية صارمة على الدعايات الكاذبة، فإن الادعاءات السياسية تخضع لمعايير تنظيمية أقل صرامة، ولذلك يتمتع السياسيون بحرية تزييف الحقائق أو إطلاق اعلام يفتقد المصداقية دون أية تبعات قانونية تُذكر

إن افساد السياسة بالمال والمصالح الخاصة ليس مجرد خلل في القانون، بل هو خيانة للأمانة.  فعندما تُشترى السلطة، تُباع الديمقراطية.  في بريطانيا المنُهكة من ازدواجية سياسييها، وتضليل وسائل إعلامها، وتنامي نفوذ الأثرياء، لم تعد الثقة والنزاهة فقط هما النادرتين، بل حتى ركائز الديمقراطية اصبحت مهددة بالانهيار..  تستحق بريطانيا ما هو افضل، فقد اقتحم شعبها مرارا وتكرارا عبر التاريخ ابواب السلطة وانتزع من براثنها حقوقه الديمقراطية مثل الماجنا كارتا (١٢١٥)، وقانون المثول امام القضاء (١٦٧٩)، ووثيقة الحقوق (١٦٨٩)، وحركة المطالبة بحقوق المرأة (١٩٠٣)، ومفهوم دولة الرفاه (١٩٤٨) وقانون مكافحة التمييز العنصري (١٩٦٥).  الشعب الذي ناضل من اجل الحصول على هذه الحقوق، لابد عاجلا او آجلا، ان يضع في السلطة حكومة نزيهة، كفؤة، تتسم بالاستقامة، وتلتزم بالعدالة الاجتماعية وبسياسة خارجية اخلاقية تناصر المظلومين وتنازع الظالمين.

ان تآكلت الديمقراطية، فإنه يمكن إعادة بنائها، ولكن ليس بالخطابات الطنانة وحدها. بل يتطلب الأمر رقابة صارمة على التمويل السياسي، ومساءلة لا هوادة فيها في دقة الخطاب السياسي والاعلامي، والتزامًا لا لبس فيه من الأحزاب السياسية تجاه الناخبين الذين تدعي تمثيلهم.  أي شيء أقل من ذلك سيزيد من سخط الجماهير. الاختبار بسيط ولا يرحم:  يجب على المؤسسات السياسية أن تثبت، قولاً وفعلاً، انها تخدم بنزاهة المصلحة العامة، وليس مصالحها الذاتية، او مصلحة فئات طفيلية ضيقة.