قبل أكثر من عامين عندما وقفت الروائية والكاتبة السياسية الهندية أرونداتي روي في الـ13 من ديسمبر/ كانون الأول عام 2023، بمدينة ثيروفانانثابورام، عاصمة ولاية كيرلا الهندية، لتسلم جائزة "بي غوفيندا بيلاي"، شددت في كلمتها التي تمحورت حول فلسطين على أن غزة باتت "البوصلة الأخلاقية للعالم"، لذا لم يكن مفاجئًا إعلانها قبل أيام عديدة، الانسحاب من مهرجان برلين السينمائي الدولي على خلفية دعوة إدارته لتجنب السياسة وتجاهل الحديث عن الإبادة الجماعية في غزة، بل كان أحد تجليات عديدة لموقفٍ راسخ لكاتبة ومثقفة ما تزال تقبض على بوصلتها.
في كلمتها بمحفل الجائزة انتقدت روي نخبة بلادها واستماتتها في الحفاظ على مكاسبها الشخصية، بقدر ما انتقدت التضييق الذي تمارسه حكومتها على كل صاحب ضمير قائلة: "يبدو أن الشيء الأخلاقي الوحيد الذي يمكن للمدنيين الفلسطينيين أن يفعلوه هو الموت. الشيء القانوني الوحيد الذي يمكن لبقيتنا فعله هو مشاهدتهم يموتون، وأن نصمت. إذا لم نفعل ذلك، فإننا نخاطر بالمنح الدراسية والهبات ومكافآت المحاضرات وبسبل عيشنا"، منددة في هذا السياق بموقف بلادها المتخاذل تجاه حرب الإبادة الدائرة بفلسطين، وواصفة إياه بـ "العار الرهيب". ولولا أن جائزة "بيلاي" مستقلة وتحمل اسم مثقف ماركسي بارز لرفضتها روي؛ كما رفضت قبل 20 عامًا جائزة "ساهيتيا أكاديمي" التي منحتها إياها الأكاديمية الوطنية الهندية للآداب عام 2006، عن كتابها "الرأسمالية: قصة شبح وجبر العدالة اللانهائية"، لكنها رفضت قبولها "احتجاجًا على ممارسات الحكومة الهندية".
كما قامت روي قبل 10 سنوات، في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، بإعادة الجائزة الوطنية التي حصلت عليها عام 1989 عن أفضل سيناريو فيلم؛ مصطفة بذلك إلى جانب عشرات المثقفين الذين أعادوا الجوائز التي حصلوا عليها بسبب استشعارهم لتنامي موجة التعصب والقمع في الهند. المفارقة أن هذا الفيلم الذي يحمل عنوان "In Which Annie Gives It Those Ones" هو نفسه الذي تم اختياره من قبل مهرجان برلين السينمائي في دورته الحالية للعرض ضمن قسم الكلاسيكيات، وانسحبت الكاتبة قبل تقديمه، عقب تصريحات رئيس لجنة تحكيم المهرجان، المخرج فيم فيندرز، وعضوة هيئة المحلفين، إيفا بوشتشينسكا، التي علقت عليها روي بقولها: "إن سماعهم يقولون إن الفن لا ينبغي أن يكون سياسيًا أمرٌ صادم" واصفةً ذلك بأنه "طريقة لإسكات النقاش حول جريمة ضد الإنسانية، حتى وهي تتكشف أمام أعيننا في الوقت الحقيقي - في حين أن الفنانين والكتاب وصناع الأفلام يجب أن يبذلوا جهدهم للتعبير والمساءلة".
وعقب انسحاب روي أعلن القائمون على فيلمين عربيين – أحدهما للمخرجة المصرية عطيات الأبنودي، والآخر للسوداني حسين شريف – سحب مشاركتهما من المهرجان استجابة لدعوة "مؤسسة الفيلم الفلسطيني" لمقاطعة الحدث، الأمر الذي أعربت إدارة مهرجان برلين عن أسفها حياله، مؤكدة أن ذلك الغياب "يحرم المهرجان من أعمال ذات قيمة فنية وثقافية كبيرة"؛ لأن "وجودها كان سيثري ... المهرجان"، فيما وصفه موقع "دويتشه فيله" الألماني بـ"أحد أوسع ردود الفعل الثقافية المرتبطة بالحرب في غزة داخل أوروبا". ويمكن القول إن هذا تمامًا ما أرادته وسعت إليه أرونداتي روي على الدوام؛ تعرية الفساد السياسي وكشف نواياه الخبيثة مهما تسترت وراء شعارات نخبوية متعالية أو تبناها نخبويون متحذلقون.
ففي ردٍ سابق على مواطنها المؤرخ وعالم الكريكيت راماشاندرا غوها، الذي وجه لها انتقاداتٍ حادة، بسبب كتاباتها السياسية، وطالبها علنًا بالاكتفاء بكتابة الروايات، قالت روي: "نعم أنا هستيرية. أصرخ من فوق أسطح المنازل المنكوبة. بينما يقول هو وناديه المتغطرس ’هسس ... ستوقظين الجيران!، أريد أن أوقظ الجيران، هذا هو هدفي الرئيس. أريد من كل الناس أن يفتحوا أعينهم". كان هذا عام 2000، عندما هاجمت روي بناء سد سردار ساروفار العملاق، المقام على نهر نارمادا خشية إفساده لحياة ومستقبل ملايين الناس في الهند، كما هاجمت التسلح بالطاقة النووية وخصخصة قطاع الطاقة في بلادها.
وعلى مدى أكثر من ربع قرن وطوال هذه المدة وحتى الآن، لم تتوقف الكاتبة الهندية الأكثر شهرة عن مساندة كافة القضايا العادلة في بلادها وخارجها، ما قد يكون ألقى بأثره على حجم إنتاجها الروائي، لكنه كان درسًا عمليًا في كيفية أن يكون المثقف منتميًا إلى محيطه الإنساني.
منذ باكورة أعمالها الإبداعية خبرت روي طعم الجوائز والاحتفاء، فما إن صدرت روايتها الأولى "إله الأشياء الصغيرة" عام 1997 حتى لاقت نجاحًا كبيرًا، فترجمت لعشرات اللغات وتوجت بجائزة "البوكر" في نفس العام، رغم ذلك تأخر نشر عملها الإبداعي الثاني قرابة عشرين عامًا قبل أن تصدر روايتها الثانية "وزارة السعادة القصوى" التي حازت جائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية في يناير/ كانون الثاني 2018، لكنها انشغلت خلال هذه الفجوة الزمنية ما بين الروايتين بالقضايا السياسية والاجتماعية، عبر عشرات المقالات والكتابات الواقعية التي ضمتها كتب غير روائية، عكست مناهضتها للعولمة والإمبريالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة. كانت روي إحدى كتاب قلائل حملوا لقب ناشط، بدون أن يكون ذلك خصمًا من رصيدهم الإبداعي، إذ كانت كتاباتها وكتبها الصادرة على مدى 30 عامًا مثل "نهاية الخيال"، "ثمن العيش"، "علم جبر العدالة اللانهائية"، "دليل الإنسان العادي إلى الإمبراطورية"، "مسيرة مع الرفاق"، "الرأسمالية حكاية أشباح" وغيرها مدونةً لمواقفها الأخلاقية وقناعاتها وأيديولوجياتها.
وبقدر ما كانت مواطنة إنسانية عابرة للقوميات والأيديولوجيات، إلا أنها لم تنس يومًا أنها مواطنة من الشرق، تلك البقعة التي طالما كانت هدفًا، وكانت مقدراتها نهبًا لقوى الاستعمار بتجلياتها المختلفة عبر القرون. ففي أحد أبرز مواقفها المبكرة شجاعة، عام 2001، والعالم خاضع لابتزاز الولايات المتحدة، ونزعتها الانتقامية المتوحشة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، وصفت روي قصف واشنطن لأفغانستان بأنه "عمل آخر من أعمال الإرهاب ضد شعوب العالم"، وليس مجرد رد فعل عنيف أو انتقام لتفجير برج التجارة العالمي. وفي عام 2003 عندما انفتحت شهية الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش وحلفاؤه في بريطانيا على الغزو والحروب التدميرية فشنّ حرب العراق، كانت روي من أوائل المناهضين؛ فألقت كلمة في مدينة نيويورك بعنوان "الخليط الفوري بين الإمبريالية والديمقراطية" وصفت فيها الولايات المتحدة بـ"إمبراطورية الحرب"، كما وصفت بوش بـ "مجرم الحرب"، وشاركت في عضوية المحكمة الدولية الخاصة بجرائم الحرب الأميركية في العراق.
وفي عام 2006، وصفت الحرب الإسرائيلية على لبنان بأنها "جريمة حرب" تعكس احتراف إسرائيل للإرهاب الذي تمارسه الدولة. وبعد اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023، كانت روي محددة جدًا في وصفها لإسرائيل بـ"دولة الفصل العنصري" التي تمارس "الإبادة الجماعية" ضد أصحاب الأرض، محذّرةً من الاعتقاد بوجود "مساواة أخلاقية بين ارتكاب إسرائيل لأعمال الإبادة، وبين عملية مقاومة الاحتلال والفصل العنصري".
ومنذ اندلاع تلك الحرب الجنونية التي لا يمكن أن يعود العالم إلى ما كان عليه قبلها، كرّست روي كافة مناسبات ظهورها للتنديد بها وفضح الممارسات الصهيونية في غزة، وكافة أشكال التواطؤ الغربي حيالها، فوصفت غزة بأنها "معسكر اعتقال" تحاصره وتبارك أعمال الإبادة الجارية به "أغنى دول العالم" وأنها الحلقة الأحدث والأكثر بشاعة في التاريخ الاستعماري الغربي من الهند إلى العراق إلى فلسطين، منددة في هذا السياق بعلاقة بلادها بإسرائيل وزعيمها بنيامين ونتنياهو. وبينما عكست مواقف روي القديمة والحديثة صورة المثقف الملتزم، ونصبتها صوتًا للضمير العالمي، فقد جرّت عليها هجومًا حادًا وتضييقاتٍ ومساوماتٍ خاصةً في الهند، حيث اتُهمت بـ"تسييس الأدب" و"تشويه صورة البلاد".
وإذا كان بعض هذه الإجراءات قد أخذ شكلًا صريحًا كدعوات البرلمان الهندي لمساءلتها عن تصريحاتها التي انتقدت فيها علاقة الهند بإسرائيل، إلا أن البعض الآخر كان متواريًا وكيديًا، كالدعوة التي طالبت محكمة نيودلهي بفرض عقوبات على الكاتبة، بتهمة إلقاء خطابات استفزازية عام 2010، بعد 14 عامًا من تصريح أدلت به روي، وناقشت فيه حق انفصال كشمير، وهو الإجراء الذي اعتبرته الأوساط الثقافية والسياسية عقابًا على الخطاب الذي ألقته أرونداتي روي في اجتماع العمال ضد الفصل العنصري والإبادة الجماعية في غزة، في السابع من مارس/ آذار 2024، بنادي الصحافة بنيودلهي.
بعد أسبوعين من دعوات اعتقالها على خلفية تلك المواقف، فازت روي بجائزة بن بينتر لحرية الرأي، والتي يمنحها نادي القلم الدولي "بن" سنويًا لإحياء ذكرى الكاتب المسرحي هارولد بينتر (1930-2008)، لكاتب يصدق عليه وصف هارولد بينتر، في خطاب تسلمه لجائزة نوبل في الآداب عام 2005؛ أي أن يكون صاحب "إيمان لا يتزعزع ونظرة ثاقبة للعالم مع تصميم لا يهادن من أجل الكشف عن الحقيقة في حياتنا والمجتمع". وهو الوصف الذي يطابق سيرة ومسيرة روي طوال العقود الفائتة.
في حفل تسلمها للجائزة التي اختارت الناشط المصري علاء عبد الفتاح لتقاسمها معه، قالت الكاتبة الهندية، في حيثيات اختيارها لعبد الفتاح، إنها أرادت تقاسم جائزتها معه "لنفس السبب الذي جعل السلطات المصرية تختار إبقاءه في السجن لمدة عامين آخرين بدلا من إطلاق سراحه"، لأن "فهمه لما نواجهه اليوم حاد مثل حد الخنجر"، وهو الوصف الذي يصلح أيضا للكاتبة الهندية التي طالما احترفت إزعاج السلطة بمختلف تجلياتها، وخاضت معاركها جميعها منفردة ودفعت فاتورتها، لكنها كانت ملهمة على الدوام، وعلامة على الجانب الذي على المثقف أن يبقى فيه.
أخيرًا تجدر الإشارة إلى أن موقف روي تجاه مهرجان برلين قد آتى ثماره، ليس فقط بسبب الهزة الشديدة التي تعرض لها واحد من أكبر مهرجانات السينما في العالم، ووضعته في بؤرة المساءلة والتقييم، ولا من أجل الحركات الاحتجاجية التي تضمنتها فعاليات الدورة الحالية كرفض المخرجة التونسية كوثر بن هنية لجائزتها خلاله، بسبب تكريم جنرال صهيوني، أو غيرها من المواقف، ولكن لأن روي التي تتصدّر الكاتبات المرشحات للقائمة الطويلة لجائزة المرأة للأدب الواقعي في بريطانيا لهذا العام، ستكون حاضرة على الدوام، بتاريخها ومنجزها وموقفها هذا، في كل مرة يحاول المتسلطون ووكلاؤهم عزل الفن عن سياقه الإنساني، أو يحاولون سلب الفنان صوته والتشويش عليه بادعاءات حربائية.
عن (ضفة ثالثة)