«كل تجربة استثنائية للكاتب نعمة، مهما كانت مُفرحة أو مُترِحة وهذه أعجوبة الأدب! لم أعد أُوجز بل أمضى راضيا عامدا في براح الإفاضة وصارت قصصي أطول» هكذا يفصح الكاتب المصري الكبير عن طبيعة تجربته الحياتية والفنية وتقديم دروسها لجيل جديد من الكتاب في أمس الحاجة لمثل تلك الدروس.

محمد المخزنجى: كل تجربة للكاتب نعمة

أسامة الرحـيـمي

 

لا أظن أن ثمّة من يمكنه وصف الأديب «محمد المخزنجي» كما وصف هو نفسه في هذا الحوار، حين عاش «الجموح والطموح نفسه في كل نشاط مارسه، شابا ومعارضا سياسيا وجوَّاب آفاق وعاشقا»، و«كان يمضي دائما إلى الحالة القصوى». ويحمد الله الآن: «كطبيب نفسي وكإنسان تعفْرَتَ كثيرا، وتفجَّر كثيرا، وتأمّل عميقا، فهدأ واطمأن» وصار «عميق التسامح مع نفسه فيما مضى، وما تبقى، في الحياة والكتابة». وها هو: «يجتاز الخامسة والسبعين، وما يزال مستمرا، وإن بقناعات مختلفة يجمعها الرضا»!
وها أنذا أعود مُجدّدا لمحاورته، ليس كأديب صاحب تجربة بارزة فقط. فهو عندي نبع إنساني صافٍ يفيض بذاته دون عمد، ويمكن لمن يقاربه أن ينهل من إبداعه وحديثه وتجاربه. من روح صوفية وادعة تواشجت مبكرا بالحكمة، تشابكت فيها «العفرتة والنضال والعشق»، فأزهرت سماحة وعزوفا ونقاء لا يعنيه الآن غير حمايته، وقلب متعفف تناءى عمّا يتكالب عليه البعض، ويطمح إليه كل متلهف! والآن «يخبئ الولد الذي كان من نسختين داخله بعطف، ويمضي في آخر الطريق هادئا برضا، قريرا بعيشته». أية قدرة بديعة هذه على التعبير! ويُقدّم عائلته على الكتابة، مع أن الكتابة عشق عمره الأثير، ويعتبر الغداء مع زوجته وابنيه حفلا يوميا رفض الوزارة حفاظا عليه!

ولخوفه على وقته يوفره للكتابة، وبات يستمتع بطقوس انفراده بنفسه، وكتابته كل صباح، ما اضطره لـ «تضييق حدوده الاجتماعية كآلية دفاع نفسي مُبرَّرة وواجبة، ومناسبة للعمر والطاقة»، و«لتوسيع آخر صبواته ومقاومته التداعي النفسي والجسدي بالكتابة، التي يعدُّها «إجراءً وقائيا نفسيا ذاتيا» مُيسّراً للغاية «بالحكي»، وربما هذا إجمالا ما أنقذه من «تسمم دم» قاسٍ قبل عام، نجا منه بفضل الله، وقوة بدنية اختزنها الجمباز، وروح ما يزال عندها ما تُبدعه! يكفي أي قلب أن ينصت لهذه المعاني المدهشة، المُغرقة في اللطف والبساطة، ليرى المخزنجي وعالمه!

ـــــــــــــــــــــ

هل تختلف الرؤى الفكرية والقدرة على الإبداع بتغيّر المراحل العمرية؟ هل يرتبط الحماس الأدبي بعمر الكاتب؟
أكيد، خاصة بعد ذروة منتصف العمر، كلما كبرنا تأخذ منّا السنوات المضافة أمورا وتمنحنا أمورا، نصير أعمق رؤية وأضعف طاقة. ندرك أن ماتبقى من العمر والطاقة ليس كثيرا، وهنا إما نتسامح مع أنفسنا بمنطق «الرضا» عما أنجزناه، والمُضيّ في سياق الممكن والمتاح، أو نضغط على أنفسنا فنرتبك ونكتئب، وندفع بأنفسنا في سكة «اللي يروح ما يرجعش»، ونهايتها التقليدية «قفلة الكاتب» وخاتمتها «الخرس» أو «الانتحار». وأحمد الله أنني كطبيب نفسي وكإنسان تعفْرَتَ كثيرا وتفجَّر كثيرا، وتأمّل عميقا، فهدأ واطمأن، صرت عميق التسامح مع نفسي، مع ما مضى، وما تبقى، في الحياة والكتابة. وها أنذا أجتاز الخامسة والسبعين، ولا أزال مستمرا، وإن بقناعات مختلفة يجمعها الرضا.

هل يهتم الأدباء بالكيف والفكرة والتكنيك أكبر حين يتقدم بهم العمر. ولا يهتمون كثيرا بالكم؟ وهل يرجع ذلك لاكتساب الحكمة والتمهل من خبراتهم بالحياة والكتابة إجمالا، أم أنه الوهن وضعف القدرات البدنية؟
عبر معرفتي بنفسي، أستغرب السؤال، فعلى العكس أراني لم أعد مُوسّوِساً بالكيف ولا التكنيك الذي أنجزت بهما ما أعتقد أنها أكبر مساهمة لكاتب مصري ــ حتى الآن ــ في مجال القصة القصيرة جدا، أو القصة الومضة، حوالي ثلاثمائة أقصوصة، منها الكثير الذي يُقيّم كـ «ماستر بيس» وأتمنى من دار الشروق، أن تفرد لها مجلدا إذا حان موعد نشر الأعمال الكاملة.

هل الأديب الأكبر سنّاً يكون أقدر على الغوص في شخصيات أعماله وتكويناتهم النفسية أم لا علاقة للعمر بعمق الإبداع؟
ليس لآثار كبر السن انعكاسات نمطية على الجميع، فثمّة من يكبر ويقدر على الغوص أعمق، وثمّة العكس الذي يصير متوترا وسطحيا أكثر، وأعتقد أن التغيّر مرهون بما يكتسبه الإنسان من عطف ورحمة، أو حنق وقسوة، مع نفسه ومع البشر والوجود. أعتقد أنني مضيت في السياق الأول بفضل هبة الأبوة ورب الأسرة، لهذا أضع أسرتي فوق الكتابة برغم أن الكتابة نبض حياتي، وسأحكي لك أمرا ربما يدهشك، عندما حادثني المهندس «إبراهيم محلب» عند تشكيل وزارته الثانية كمرشح وزيرا للثقافة، أول ما أفزعني تبعا لتصور متطلبات وزير من استقبال وتوديع وسفرات وتفقدات واجتماعات، ألا أتناول الغداء مع زوجتي وابنيَّ، وهو احتفال يومي لم أخذله أبدا لسنين وسنين. لهذا ودُون تردد ولو للحظة شكرت رئيس الوزراء حسن الظن بي واعتذرت، وبعد تقبّله اعتذاري بلُطف وتحضُّر بالغين، كان أول غداء لأسرتنا .. وليمة عيد!

هل أغنتك دراسة الطب النفسي في مقتبل العمر لحد ما عن الخبرات والمهارات الإبداعية والموهبة والمخيّلة أم أن كل منها له دوره، وهل امتزاجها بتقدم العمر يجعل الأدب أجمل؟
أوقن أن الطب عموما، والذي اشتغلت به كنائب أمراض صدرية فترة وجيزة، ونائب أمراض باطنة فترة أخرى، ونائب حميات وأمراض وبائية في ميناءي بور سعيد والإسكندرية فترة ثالثة، ثم الانتهاء إلى الطب النفسي (الذي كنت أهرب منه رُغم افتتاني به) كنائب ثم اختصاصي لاثني عشر عاما في مصر، وثلاث سنوات في مستشفى بافلوف. هذه رحلة مُهداة من السماء لأي كاتب، فالطب عموما خبرة إنسانية نادرة، أما الطب النفسي فهي عندي زيارة ملحمية لأعماق الجحيم وارتقاء لآفاق النعيم، فلا شيء أبدع من النعيم النفسي لمن عاين الجحيم النفسي. وأعتقد أن تلك الخبرة الحياتية تغلغلت ظهورا وتماهيا في كثير مما كتبت وأكتب.

هل تظنّ أحيانا أنه كان يمكنك كتابة أعمالك الأولى على نحو أفضل على ضوء تراكم التجارب؟ أم أن كل عمل ابن مرحلته وملابسات كتابته؟ هل يمكنك التفكير «مثلا» بإعادة صياغة مجموعة «رشق السكين» بشكل مختلف الآن؟ أم أنه افتراض غير منطقي؟
افتراض غريب، فأنا أرى العكس، رشق السكين والآتي، وما يماثل محتواهما من أقاصيصي الومضات، كانت دربا إبداعيا سلكته ومضيت فيه بحب وإرادة ومجاهدة وشغف، وأعتقد أنه درب أحببته فأحبني، ومنحني ما يصعب الحصول عليه الآن، لسبب تلخصه مقولة تتنازعها أسماء عديدة وهي «لم يعد هناك وقت للإيجاز»، فالإيجاز يتطلب وقتا وجهدا بديهي أنهما يتناقصان مع تقدم العمر. ولهذا لم أعد أُوجز، بل أمضي راضيا عامدا في براح الإفاضة، صارت قصصي أطول، بل صرت أخيرا لا أعبأ بما يسمى «الفورم» فأطلق سراح الحكي، وإن في سياق أدبي قصصي، لأنه لم يعد هناك وقت للاختصار. وقد نشرت في جريدة الشروق مؤخرا فصلا مما أسميه «محكيات» أي سرد لا يلتزم إلا بتدفق الحكي ولغة الأدب، وعندي ثلاث تجارب أتمنى ــ في حدود ماتبقى من عمر وطاقة ــ أن أستوفي «محكياتها»، وقد كان الفصل المنشور مؤخرا من «محكية»: «عيادة في زنزانة» عن تجربة ممارستي للطب وأنا سجين يعالج مساجين عندما كنت متهما أول في أحداث يناير 77 بالمنصورة، طلبت له النيابة حكما بالأشغال الشاقة المؤبدة، لكن القضاء المصري العظيم منحني براءة كاملة بعد مكوثي في سجن المنصورة سبعة أشهر حسبتها نقمة، وكانت نعمة، فكل تجربة استثنائية للكاتب هي نعمة، مهما كانت مُفرحة أو مُترِحة، وهذه هي أعجوبة الأدب!

ما الفوارق التي لا نراها نحن وتراها أنت بين الشاب محمد المخزنجي لاعب الجمباز والنشط في الجامعة والسياسة والحياة، والأديب محمد المخزنجي في مرحلته العمرية العامرة الآن؟ هل تفوقت التؤدة على الجمباز في النهاية، أم كل منهما ابن حالة عمرية؟
إنها صيرورة طبيعية لكيان مندفع العاطفة والفضول، سلبا وإيجابا، لعبت الجمباز بشغف جعلني أول فريق المنصورة المنافس في بطولة الجمهورية، وكنت مختلفا عن زملائي من لاعبي الأقاليم، في حرصي على الزي الذي كان رسميا للاعبي الجمباز في العالم والمطابق كثيرا لزي راقصي الباليه، وكنت أحرض زملائي على جمالية الأداء للصعوبات الحركية، حتى أنني بينما كنت أؤدي جملة صعبة على جهاز الحلقتين في بطولة الجمهورية للمدارس الثانوية قال المذيع المعلق على فعاليات البطولة «وأنا شايف لاعب من اسكندرية عامل جراند بالانس هايل على الحلَق»، إذ لم يكن هناك من ينافس لاعبي القاهرة في المظهر والأداء حينها إلا الاسكندرية، وحدث صياح من بقية فريق مدينتنا الستة يصححون للمُعلّق «المنصورة .. المنصورة» وقد سخّنني هذا الثناء والحماس، فاندفعت بعاطفة غير محسوبة في إكمال الحركة بـ «جراند سيركل» أي دورة كبرى حول ارتكاز الحلقتين، فأفلتت قبضتاي الحلقتين وهويت من ارتفاع ستة أمتار، لكن تلقتني فرشة الرمل. وطارت ميدالية كانت سانحة.
الجموح والطموح نفسه، كان في كل نشاط مارسته شابا، كمعارض سياسي، وجوَّاب آفاق، وعاشق. كنت أمضي دائما إلى الحالة القصوى، أهوي من حالق، وتتلقاني فرشة الرمل، فأنهض وأسير الهوينى. والحمد لله على السلامة، في هذا العمر!

هل هناك علاقة بين الجمباز بكل ما يتطلبه من مهارات وتدريب وتركيز وتوافق وبين الطب النفسي بما فيه من عمق وتركيب، والأدب بكل تفاصيله وجماله؟ هل ثمة مشتركات بين المجالات الثلاثة؟
بصراحة لم أفكر في ذلك من قبل، لكنني اكتشف الآن ــ باندهاش ــ أن هناك مشتركات قوية بين الجمباز والأدب، خاصة القصة الومضة! ويخطر لي لإيضاح فكرتي الآنية، الفرق بين لاعب الجمباز ولاعب الأكروبات، كلاهما يؤدي المهارات الحركية نفسها، لكن لاعب الجمباز ملزم بأداء جملة متناغمة من عدة صعوبات حركية، وثمة درجة تمنح لجمالية الأداء «ستايل» أما لاعب الأكروبات فيؤدي صعوبات حركية منفصلة وبدون اهتمام بالـ «ستايل». ثم إن لاعب الجمباز خاصة يُحظر أن يؤدي تمارين لتكوير ونفخ عضلاته، فعضلات لاعب الجمباز لابد أن تكون منسابة وذات قوة كامنة وسلسة التنقل بين الانقباض والانبساط. ألا يوحي كل ذلك بمشتركات بين رياضة الجمباز والقصة من انسيابية وترابط فقراتها وقوة رسالتها الكامنة وشرط جمالية اللغة؟ أكيد هناك تشابه ما. أما الطب النفسي فمسألة أخرى، وأنتبه الآن أني برغم استمرار عشق متابعة عروض بطولات الجمباز التي صارت حافلة بخوارق الأداء، إلا أنني بينما كنت أغوص في ممارسة الطب النفسي، كنت لا أتهلل كسابق عهدي عندما أتابع تلك العروض، بل يغشاني الشجن! وكأني أعود إلى «عش الهوا المهجور»! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هل الحياء البادي عليك (من البدايات وإلى الآن) كجزء من تكوينك الإنساني كان سببا خفيّاً لنشاطك الزائد أو دافعا لا إراديا للتغلب عليه؟
هذا تشخيص لبنية نفسية أعتقد أنه صائب، فدائما كنت ولدا، ثم يافعا، ثم شابا من نسختين، نسخة بالغة الحياء، ونسخة متقدة الانفجار. والآن أنا في السادسة والسبعين، أخبئ الولد الذي كان من نسختين داخلي بعطف، وأمضي في آخر الطريق هادئا برضا. وقريرا بأنني .. عشت.

رغم حكمتك وموضوعيتك الملحوظة عادة.. تُصبح شوفونيا ومتحيزا إذا ذُكرت المنصورة أمامك وتبادِر لمدحها بما يعتقده البعض فرط حنين لمراتع الصبا ومدارات الشباب؟ فما حقيقة تحيزك الزائد هذا؟
المعتاد أنه كلما مضت بالإنسان السنون وصولا إلى مايسمى «الشيخوخة»، والتي لا أُحسّها نفسيا، يصير الماضي هو الجنة المفقودة، وطبيعي أن تكون المنصورة بجمالاتها التي كانت، وكحالة فريدة لمدينة صغيرة مرصعة بالحدائق ويدور حولها النيل ويُطوّقها اخضرار حقول نضرة حتى الأفق، ثم كوزموبوليتانيتها متعددة الأعراق والمعتقدات المتصالحة إنسانيا وحضاريا، وحتى روحيا، وتوقّدها الثقافي كموطن لشعراء ومفكرين وفنانين كثر وأعلام شاهقين، وجميلات في كل ركن وشارع وحارة. كل هذا بالنسبة لكاتب لم يغادرها إلا وهو في الثامنة والثلاثين، بينما كانت موطن حبه الأول، وشغفه الإبداعي الأول، وتمرده الأول، وحتى جنونه الأول، وبمواكبة احتضان عظيم من آباء وأساتذة رائعين لكيان شاب قلق ينطوي على كل ذلك .. من الطبيعي أن تكون جنتي المفقودة، خاصة في التناقض مع ما صارت إليه الأمور، في المنصورة نفسها الآن، وفي كل مكان هنا، وحتى في العالم. المنصورة كانت أرض الصبا، وطبيعي أن تكون ملاذ حنيني هنا، والآن.

أصبحت في السنوات الأخيرة نادر الظهور .. ومشاركتك ببعض الندوات المهمة تكون بمكالمة أو تسجيل صوتي هل هذه أيضا لها علاقة بمتغيرات المراحل العمرية أم هي طبيعتك العزوفة من وقت مبكر؟
للإجابة لابد من العودة إلى ما يمكن تسميته «النمط الأساسي للشخصية» في تكويني، وهي كما أراها لو تصورت أنني أبتعد لأقترب، «شخصية شبه حدِّية» تتقلب بين قطبين، قطب يميل للفردانية، وقطب يجد نفسه في أحبائه الذين تستقر ثقته فيهم. ومع رحيل وابتعاد كثيرين من الأحباء، ثم تمادي المسافات الفاصلة مع من تبقى منهم، وإذا أضفت إلى كل هذا تعرضي مؤخرا لحالة «تسمم دم» مهددة للحياة، ألزمتني العناية المركزة لقرابة شهر كامل، ونجوت بفضل بنية جسدية اختزنت مدخرا من ممارسة الرياضة والمغامرة في الصبا والشباب، وبحافز حبي العميق لأسرتي ــ زوجتي المتفانية وابنيَّ الجميلين ــ كل هذا عبر بي حافة موت تكرر اقترابه خلال ذلك الشهر المرير، لكن النجاة لا تعني التطهر من العواقب، فثمة أثر دامغ يبقى من هذه الحافة يسمى «متلازمة ما بعد تسمم الدم» وتتضمن هشاشة مناعية ووعكات متكررة، وخفوت للذاكرة الحديثة، وميل إلى الانفراد! فإذا أضفت هذا إلى إدراكي أنه لم يعد متبقيا من الطاقة، ومن العمر (الذي لايعرف حدوده إلا الله) إلا القليل مقارنة بما مضى، فإن رغبتي في تضييق حدودي الاجتماعية تكون آلية دفاع نفسي مُبرَّرة وواجبة، ومناسبة للعمر والطاقة، كما أن هذا التضييق الاجتماعي مهم لتوسيع آخر صبواتي ومقاومتي للتداعي النفسي والجسدي عبر الكتابة، التي أعتبرها «إجراءً وقائيا نفسيا ذاتيا» ميسرا للغاية عبر «الحكي»، الحكي الذي يدوِّر الزوايا ويدور حول الذات، يًطهّر وينعش لأنه مهما كان واقعيا، يظل ربيب الخيال. وكم كان العظيم «جابرييل جارثيا ماركيز» رائيا بصيرا وعميقا عندما وضع يده على جوهر الحياة العميق للكتابة في وصيته «خُلِقتُ لأحكي» فهي لم تكن نوعا من التطهير الذاتي لذاته، بل فتحا لبوابة تطهُّر لكل من خُلِقوا ليحكوا، وأنا منهم. وعندي الكثير مما أحب أن أحكيه، ويُحيّيني أن أحكيه، فهل أتخلى عن حبل النجاة هذا مقابل توسيع مساحة الوجود الاجتماعي؟ .. معتذرا للأحباء أقول: لا.

رغم رقّتك ولطفك مع الجميع، لمَ تحرص على إغلاق الأبواب بمنتهي التهذيب. وضبط آليات التواصل الاجتماعي على وضع الصمت والإخفاء، ولا ترد إلا على البعض؟ هل أصبحت تخاف على وقتك أكثر وتوفيره للكتابة، أم هي ذات المقتضيات الصحّية؟
الإجابة باختصار: نعم، أخاف على وقتي وأوفره للكتابة، بغض النظر عن نتاج هذه الكتابة ومصير هذا النتاج، لهذا صرت استمتع بانفرادي، وطقوس هذا الانفراد، ففي الصباح أخرج جارا حقيبتي الصغيرة ذات العجلات التي تضم مكونات مكتب كامل منمنم، كمبيوتر، شاحن، دفتر ملاحظات، أقلام، كتاب أو كتابين، سماعة كاتمة للأصوات الخارجية، ومتيحة لسماع ما أحبه من موسيقى وأغنيات، أبلغ مقهاي أو ما صار «كوفي شوب»، وأنتبذ ركني الأثير، أقرأ وأكتب، وأشرد عبر زجاج واجهة المقهى، وأعود للغداء مع أسرتي. آخذ قيلولة، وأكرر إيقاع الصباح في بعض المساء.

آخر أسئلتي عن جوائز الدولة، فأنا مندهش لأنك الوحيد تقريبا من أبناء جيلك الذي لم يحصل على أيٍّ منها؟ ألا يضايقك هذا؟
الآن أَبتسم، وليت الحروف ترسم ابتسامتي. ابتسامة صغيرة تعني أن الجوائز ربما هي التي صارت تتضايق منِّيِ! فلأربع مرات تلقيت دعوات من جهات ثقافية مرموقة ونزيهة من المُصرّح لها بترشيح أسماء للحصول على جوائز الدولة، وفي كل مرة كنت أشكر الدعوة وأعتبر صادقا أنني بتلقيها من جهات ثقافية محترمة أكون قد حصلت على جوهر الجائزة، وأعتذر عن تقديم أية أوراق أو إقرارات تعني أنني أطلبها، فهي تشبه من يطلب قرضا من بنك! ترهق أي إنسان عادي في جمعها، وفي حالة أي مبدع هي مهينة.
فالجائزة في رأيي تُمنَح ولا تُستمنَح، وهي كالهدية تقدم لشخص ممهورة بقول مقدميها «عملك جيد وجميل ونحن نحبك ونقدرك»، وتكون في أنقى صورها عندما يُفاجأ بها المهداة إليه. وله أن يقبلها أو يعتذر عنها، وهذا لا يقلل من شأن أي جائزة محترمة، بل يُعلي شأنها لناحية احترام حرية الرأي والتعبير لدى المبدعين. لابد من لمسة تنقية لآليات منح جوائز الدولة وبعض التباسات في تاريخه.

 

عن (الأهرام) المصرية