في ذكرى مرور 60 سنة على النكبة الفلسطينية، ارتأى المؤرخ والأكاديمي الفلسطيني وليد الخالدي (1925 ــ 2026) أن يعيد إلى الأذهان العوامل الجوهرية التي تسببت فيها، وتداعياتها من خلال مساهمتين: المساهمة الأولى، تقديم كتاب أصدرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية في هذه المناسبة بعنوان (نكبة 1948: أسبابها وسبل علاجها)، وهو من الكتب المهمة في هذا المجال، ويضم كتابات أربعة من رجال الفكر العرب البارزين. والمساهمة الثانية، محاضرة باللغة الإنكليزية قدمها في مؤتمر جمعية الطلبة الفلسطينيين الذي عقد في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS التابع لجامعة لندن في صيف 2009، وكان عنوانه "ستون سنة من الاستلاب والمقاومة". ونُشر نصّ المحاضرة في العدد 78 من "مجلة الدراسات الفلسطينية" الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وقام بترجمته أحمد خليفة.
"نكبة 1948: أسبابها وسبل علاجها"
أكّد وليد الخالدي في تقديمه لكتاب "نكبة 1948: أسبابها وسبل علاجها" أنه "لا يضير العرب، في هذه الذكرى، أن يعودوا إلى الخلف ليستذكروا وقع النكبة على الآباء والأجداد الذين عاشوها وعاصروها، وليستشفوا ما أدركه أنفذهم بصيرة منهم عن حقيقة الصهيونية، وما تحمله من أخطار لا على فلسطين فحسب، بل أيضًا على العرب أجمعين، وليقارنوا بين هذه التوقعات وما حدث فعلًا ــ منذئذٍ ــ عسى أن يعينهم ذلك على الاستهداء على هوية عدوهم الحقيقي وسط البلبلة العارمة التي يتيه فيها وطننا اليوم".
ويشير الخالدي إلى أن أولئك الكتّاب "استحوذت نكبة 1948 على مشاعرهم وأذهانهم، فانكبوا وهم تحت وطأتها المباشرة على تصفية أفكارهم في ما يتعلق بأبعاد النكبة، وطبيعة الصهيونية وأهدافها، وأسباب هزيمة العرب، وسبل العلاج والمعالجة القريبة منها والبعيدة".
والأربعة الذين اختارهم الخالدي، هم: المؤرخ السوري قسطنطين زريق، والطبيب جورج حنا اللبناني، والمحامي السياسي موسى العلمي، وعالم الرياضيات قدري حافظ طوقان، الفلسطينيان. الأول كتب "معنى النكبة" الصادر سنة 1948، والثاني كتب "طريق الخلاص" الصادر سنة 1948 أيضًا، والثالث كتب "عبرة فلسطين" الصادر سنة 1949، والرابع كتب "بعد النكبة" الصادر سنة 1950.
كان زريق أول من عمّم تسمية "النكبة" التي وصفها أيضًا بأنها "الهزة العنيفة" و"الخطر الأعظم" و"الأزمة الخانقة"، ووصفها جورج حنا بـ الفاجعة الفلسطينية، أو بالأحرى فاجعة العرب في فلسطين"، بينما وصفها العلمي بـ"الكارثة القومية الشديدة"، وطوقان بـ "الكارثة التي حلّت بالأمة العربية في فلسطين".
في حقيقة الأمر، لجأ زريق إلى منهج النقد الذاتي في مقاربة النكبة، ولم يفارقه في كل كتبه اللاحقة. وفي الوقت الذي لم يتجاهل دور العوامل الخارجية وقوة العدو الذي يواجهه العرب، ركّز جهده الفكري منذ وقت مبكر على استكشاف مسؤولية العرب الذاتية في التخبط والتعثر الذي أصابهم إبان النكبة، وفي السنوات اللاحقة.
وتمثيلًا على منهجه هذا، في سياق مقال نشره في كانون الثاني/ يناير 1991، تعليقًا على حرب الخليج التي أعقبت قيام النظام العراقي بغزو الكويت، كتب زريق ما يلي: "في الأيام الأولى بعد حرب 1948، وقيام إسرائيل، وتهجير العرب الفلسطينيين، والعجز الذي بدا من الدول العربية وجيوشها، نفثت عما كان يجول في نفسي من خواطر مقلقة بكتيب دعوته: "معنى النكبة". ولعل هذا الكتيّب كان أول ما طرح هذه التسمية لتلك الهزيمة حينذاك. وحاولت فيه أن أحلل الأسباب البعيدة والقريبة لتلك الواقعة في ضوء الامتحان الداخلي والنقد الذاتي، وأن أتلمس سبل الخلاص من الضعف الذي كنا نعانيه... ثم وقعت نكبة 1967 التالية ــ لا "النكسة" كما أراد تصويرها بعض حكام العرب ومفكريهم ــ فوجدت نفسي مدفوعًا إلى إعداد كتيب آخر دعوته: "معنى النكبة مجددًا"، جريت فيه على مثال الكتيب الأول في محاولة تحليل الأسباب، وتقويم النتائج، واستخلاص العبر. وقد جاءت الآن هذه الحرب المشتعلة لتثير في نفسي التساؤل عمّا إذا كان يجب متابعة الجهدين السابقين بتحليل مشابه لهما يدعى: معنى النكبة مثلثًا".
|
كتب قسطنطين زريق "معنى النكبة"، و"معنى النكبة مجددًا"، وكاد أن يكتب: معنى النكبة مثلثًا |
وتابع زريق قائلًا: "الواقع أن المرء إذا رصد مسيرتنا في العقود الأخيرة وجد مناسبات عدة لتسجيل نكبات أخرى وتحليلها، إذ إن هذه النوائب ليست محصورة في الحروب وهزائمها وخسائرها، بل تمتد إلى غيرها من نواحي الحياة. فثمة نكبات في شؤون الحكم، وفي العلاقات الخارجية (وأبرزها في السنوات الأخيرة خروج مصر السادات عن الإجماع العربي، ومصالحتها لإسرائيل من دون ضمان حقوق الفلسطينيين)، وفي السياسات الاقتصادية الخاطئة المُهدرة للموارد والمعيقة للنهضة، وفي "الخطط" الاجتماعية والتعليمية التي تثقل أعباءنا بدلًا من أن تخففها، وفي استشراء الفساد في كثير من وجوه حياتنا الخاصة والعامة".
تبنّى منهج النقد الذاتي هذا عدد من المفكرين العرب. غير أن أكثر من شدّد على أهمية الالتزام بمنهج النقد الذاتي هو ياسين الحافظ، في كتابه "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة" الصادر سنة 1979، والذي طالب فيه المثقف العربي بهجر "الوعي الامتثالي"، والانتقال إلى "الوعي النقدي"، عادًا أن الثورية الحقة هي تلك التي "ترفض تغطية عورات الواقع العربي، في جميع حيزاته ومستوياته. ترفض أن ترش على العفن العربي عطرًا، وعلى الموت العربي سكرًا. تسمي الأشياء بأسمائها، ترفض التهوين من حجم بلايانا العربية، ترفض تبسيط وتسطيح مشكلاتنا". وأضاف الحافظ أنه بات مطلوبًا، بعد كل الهزائم والإخفاقات التي لحقت بالعرب، "أن تنتهي عمليات التبخير الذاتي، وأن تطلق عملية نقد ذاتي صارمة تخترق المجتمع العربي (لا السطح السياسي فقط) طولًا وعرضًا وعمقًا، بلا خوف، بلا مراعاة، وبالطبع بلا تشفٍ".
لا بُدّ من أن نلفت، بين هذا الجيل أيضًا، إلى مساهمة أنيس الصايغ، وأساسًا عمله الدؤوب في إنجاز بحث ممأسس يعتمد الشروط العلمية الصارمة للدراسة، حتى وهو يتصدّى لدراسة العدو، ولذا فإنه تجنّب الوقوع في شراك الموروث الشعبي، أو الأساطير المختلقة في هذا الشأن. وكان الصايغ يردّد أن أحد أسباب الردّة في العالم العربي يعود إلى واقع أن أساسنا الوطني القومي الوحدوي العلماني التقدمي كان أساسًا عاطفيًا، ولم يكن مبنيًا على استعمال كامل العقل والإدراك.
تجدر الإشارة إلى أن النكبة الفلسطينية ولّدت أدبًا سياسيًا عربيًا سعى كتّابه، من منطلقات فكرية متعدّدة، إلى سبر معناها، ومعرفة أسبابها، والإشارة إلى سبل كفيلة بتجاوزها.
وفي واقع الأمر، واكبت هذه الرؤية النقدية النكبة لحظة حدوثها، واستمرت حتى يومنا هذا، بحيث يصح القول بشأنها إنها رؤية عابرة للأجيال.
وقد جاء حصاد البداية على أيدي جيل من المثقفين القوميين هجس، أكثر من أي شيء آخر، بمشروع العمل الوطني والقومي، فانهمك حتى النخاع في صوغ أسس هذا المشروع ورؤاه. وانكب حرص أبناء هذا الجيل على تحقيق مطلبين هما:
أولًا، التزوّد بالثقافة التي تتعانق فيها وتتكامل الدراية الواسعة العميقة بالتراث الثقافي والحضاري العربي ــ الإسلامي، مع التهام شتى عطاءات العلوم والآداب والفنون الغربية القديمة والحديثة.
ثانيًا، الغوص في هموم مجتمعهم وأمتهم العربية والبحث عن أسباب تخلفها، والعمل بالفكر والنضال من أجل تجاوز ذلك التخلف، ومن أجل توليد كيان عربي موحد وحديث ومتكامل، يرفد بعطائه الأمة العربية، وسائر شعوب العالم.
وقد أصاب المفكّر عزمي بشارة حين أكد أننا بتنا نفتقد هذا الجيل في الزمن الحالي "لأنه جيل جمع ما بين القومية العربية والوطنية الفلسطينية، من دون أن يتنازل عن أي منهما، ولم يعش توترًا بين الانتماءين، بل على العكس عاش تكاملًا بين الانتماءين، وفي الوقت نفسه لم يكن وليد صدمة الحداثة، أو الصراع بين الحداثة والأصالة، وإنما رأى أيضًا تكاملًا بينهما".
القرار الدولي بالتقسيم بوابة نكبة فلسطين وذريعة الصهيونية لإنشاء إسرائيل
استهل الخالدي محاضرته في مناسبة الذكرى السنوية الـ60 للنكبة في لندن بتأكيد أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 (قرار التقسيم) كان بمثابة البوّابة الكبرى للنكبة. وكانت بريطانيا، بالطبع، هي من ألقى بالقضية الفلسطينية في حضن الأمم المتحدة للهروب من النتائج الكارثية لسياسة الوطن القومي اليهودي المتعجرفة التي أطلقتها قبل ثلاثة عقود من هذا القرار، في عام 1917، من خلال كائن بشري يدعى آرثر جيمس بلفور (صاحب "وعد بلفور"). فقد أخرج قرار التقسيم لعام 1947 بريطانيا من الهوّة السوداء التي وضعت نفسها بنفسها فيها، إذ إن القرار قضى ظاهريًا بإيجاد دولتين (يهودية وعربية) تخلفان الانتداب في فلسطين، كما أنه ينهي دورها هناك أملًا بالتهرب من المسؤولية الأخلاقية تجاه الضحية الرئيسية لسياستها، أي أهل البلد الفلسطينيين.
وأضاف الخالدي: من اللافت أنه لا جورج بوش الابن (رئيس الولايات المتحدة)، ولا غوردون براون (رئيس الوزراء البريطاني)، أشارا في خطابيهما في الكنيست الإسرائيلي في عام 2008 إلى قرار التقسيم من عام 1947، الذي أقحمه سلف جورج، هاري ترومان، داخل حناجر كثير من الدول الأعضاء في الجمعية العمومية، والذي تظاهر سلف غوردون، رئيس الوزراء حينئذ كليمنت أتلي، بعدم قبوله من خلال الامتناع من التصويت، بينما حرص على أن يصوّت شركاء بريطانيا في الكومنولث لمصلحته.
وفي رأي الخالدي، فإن قرار التقسيم هو واحد من الأساطير التأسيسية لإسرائيل في الغرب، بزعم أنه كان منصفًا وعمليًا وأخلاقيًا وقانونيًا، وأن اليهود قبلوه، بينما رفضه الفلسطينيون والعرب. ولكن الفلسطينيين والعرب رفضوه لأنه يقينًا لم يكن منصفًا، ولا عمليًا، ولا أخلاقيًا، ولا قانونيًا. بل ان العدوان والاعتداء كانا لبّ مفهوم قرار التقسيم هذا الصادر عن الأمم المتحدة، وآليات تطبيقه المزمعة. فقد قسمت فلسطين الانتدابية تحت الحكم البريطاني إلى 16 قضاء، فكم كانت حصة الدولة اليهودية في هذه الأقضية بموجب قرار التقسيم؟ الجواب أنه خصص تسعة منها للدولة اليهودية، بينما لم تكن هنالك أكثرية يهودية إلا في قضاء واحد (يافا ــ تل أبيب) من أصل الـ16 قضاء، أما في الأقضية الثمانية الأخرى فكانت نسبة اليهود على التوالي هي: أقل من 1 في المائة (بئر السبع)، 13 في المائة (صفد)، 16 في المائة (الناصرة)، 17 في المائة (طولكرم)، 22 في المائة (الرملة)، 30 في المائة (بيسان)، 33 في المائة (طبرية)، 47 في المائة (حيفا).
ولم يكن اليهود في أي من الأقضية التسعة التي وهبتهم إياها هيئة الأمم المتحدة لتشكل دولتهم يملكون أغلبية الأراضي، وكانت نسبة ملكيتهم في الأقضية التسعة هذه، هي: أقل من 1 في المائة (بئر السبع)، 14 في المائة (الرملة)، 17 في المائة (طولكرم)، 18 في المائة (صفد)، 28 في المائة (الناصرة)، 34 في المائة (بيسان)، 35 في المائة (حيفا)، 38 في المائة (طبرية)، 39 في المائة (يافا ــ تل أبيب).
وكانت الغالبية الساحقة من الجماعة اليهودية في فلسطين تقطن في ثلاث مدن: حيفا، وتل أبيب، والقدس. أما السكان اليهود خارج هذه المدن الثلاث فكانوا القلة. وكانت مساحة مجمل الأراضي التي يملكها اليهود في فلسطين في عام 1948 لا تتجاوز 1.6 مليون دونم (الدونم يعادل 1000 متر مربع)، بينما اشتملت المناطق المخصصة للدولة اليهودية في قرار التقسيم على أراضٍ مساحتها 15 مليون دونم. وبالتالي، فإن ما قالته الأمم المتحدة عمليًا لـ«الييشوف» (الجالية اليهودية في فلسطين) كان على حدّ تعبير الخالدي: هيّا خذوا هذه الـ 13.4 مليون دونم إضافية التي لا تملكونها في الدولة التي أعطيتكم إياها، من الناس الذين يملكونها ــ من الناس الذين يعيشون فيها، ويعتاشون منها.
وعلى الرغم من ذلك، فإن المقاومة الفلسطينية لهذا الغزو ــ لهذا الإلحاق القسري لأراضي الفلسطينيين بالدولة اليهودية ــ كانت (ولا تزال) يُنظر اليها في الغرب باعتبارها عدوانًا، بينما ينظر إلى الهجوم اليهودي الذي شنه «الييشوف» عامي 1947 ــ 1948 لتوسيع أراضيه بمقدار عشرة أضعاف، ضد رغبات السكان الأصليين، باعتباره دفاعًا عن النفس. ولا يزال في الغرب حتى اللحظة الراهنة يوصف بأنه «دفاع عن النفس» كل تحرك تقوم به الآلة العسكرية التابعة لإسرائيل ــ خليفة «الييشوف».
وشدّد الخالدي على أن إسرائيل تستمد شرعيتها جزئيًا من «قبول» القيادة الصهيونية خطة التقسيم. وهذا «القبول» ليس مستغربًا لأن التقسيم كان الحلّ الصهيوني «الرسمــي»، أي اللفظي للمشكلة الفلسطينية. لكن من المؤكد أن قيادة «الييشوف» لم يكن في نيتها التزام حدود التقسيم المقترحة، كما يبدو واضحًا من الأوامر العملانية للهاغاناه، كما وردت في «خطة دالت»، وهـي الخطة العامة لاحتلال فلسطين عسكريًا، والتي بدئ بتنفيذها قبل ستة أسابيع من انتهاء الانتداب البريطاني. بالإضافة إلى ذلك، بينما قبلت القيادة الصهيونية لفظيًا التقسيم، فإن حزبي «الحركة التصحيحية» (لاحقًا «حيروت» في عام 1948)، و«أحدوت هعفودا»، وهما الحزبان الثاني والثالث من حيث الحجم (بعد الحزب الحاكم «المباي») في «الييشوف»، كانا يعارضانه بشدة، ويطالبان جهارًا بدولة يهودية في كامل "أرض إسرائيل".
عند هذا الحّد بالذات، لا بُد من أن ننوّه هنا بأنه قبل هذه المحاضرة، وفي مناسبة الذكرى الخمسين للنكبة، نشر وليد الخالدي دراسة بعنوان "عودة إلى قرار التقسيم ــ 1947" في "مجلة الدراسات الفلسطينية" (مجلد 9، عدد 33، شتاء 1998)، سعى فيه للإجابة عن السؤال حول ما إذا كان قبول ديفيد بن غوريون وتياره (تيار حركة العمل/ مباي) لقرار التقسيم من عام 1947 صادقًا؟ بالأساس من خلال تسجيل حقيقتين أساسيتين مهمتين للغاية هما: الأولى، أن التقسيم أصبح الهدف التكتيكي لقيادة التيار الرئيسي في الحركة الصهيونية (تيار العمل)، منذ "لجنة بيل" (1937). إلا إن الأعوام التي أعقبت ذلك شهدت انزياحًا عن هذا الهدف التكتيكي لصالح تأييد هدف "المعسكر التنقيحي" بزعامة زئيف جابوتنسكي، وهو إقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن بقوّة السلاح. وهذا ما جرى التعبير عنه في "برنامج بلتيمور"، الذي صاغه بن غوريون في عام 1942. إلا إنه عاد، في عام 1946، وتبنى التقسيم بشكل تكتيكي. الثانية، حذّر بن غوريون زملاءه ــ كما أورد ذلك واضعو سيرته الذاتية ــ من أن قبوله التقسيم لا يندرج ضمن التنازل عن الدولة اليهودية في "فلسطين الكاملة"، وإنما يشكل انتقالًا إلى ما أسماه بـ"الصهيونية العميقة"، وقوامها مذهب التطبيق المتدرّج للأيديولوجيا الصهيونية الكلاسيكية.
وبالعودة إلى محاضرة صيف 2009 في جامعة لندن، يشير وليد الخالدي إلى أن إقـرار الأمم المتحدة خطة التقسيم أطلق ما بات يُعرف بـ«طور الحرب الأهلية» في الحرب الفلسطينية الأولى، والذي استمر حتى اعلان قيام دولة اسرائيل في 14 أيار/ مايو 1948. وخلال تلك الفترة، أدت العمليات المشتركة التي قامت بها الهاغاناه، وما دعي بـ"الجماعات المنشقة"، في إشارة إلى منظمتي الإيتسل والليحي، إلى تمزيق نسيج المجتمع الفلسطيني الذي كان قائمًا في فترة الانتداب البريطاني، وإلى إطلاق عملية الطرد الجماعي للفلسطينيين، واحتلال المدن العربية وعشرات القرى العربية، وإحكام السيطرة اليهودية على المناطق المخصصة للدولة اليهودية، وعلى مناطق شاسعة خارجها، وذلك بموجب «خطة دالت». ومثلما يؤكد الخالدي، فإن الحرب النظامية مع الدول العربية التي بدأت في 15 أيار/ مايو 1948 ما كانت لتندلع لو أن هذه الأحداث التي سبقتها لم تقع. ولقد كانت نتيجة الحرب النظامية محسومة لمصلحة اسرائيل قبل بدايتها. كما يشير إلى أن «الخطر الوجودي» على الدولة اليهودية الوليدة، والذي تم الزعم بأن الجيوش العربية في عام 1948 كانت تمثله، يحتل المقام الأول في الأساطير الصهيونية والإسرائيلية. غير أنه شدّد أيضًا على أن هذا الخطر، شأنه شأن «إنصاف» و«أخلاقية» و«قانونية» قرار التقسيم الصادر عن هيئة الأمم المتحدة، هو مجرد أسطورة وخرافة كذلك.
عن (ضفة ثالثة)