إذا كان المتن في نص القاص السوري تقود دفته المخيلة فإن الحاشية وتعقيباتها تكشف كيف صار الخيال واقعا معاشا ونبؤة بما سيأتي، مما يجعل إشكالية العلاقة بين الكتابة والوقائع في النص مثيرة لأسئلة وتأملات عديدة.

الصورة الأخيرة لي قبل الموت

إسلام أبو شكيّر

ـ متن ـ 

ثمانية عشر قتيلاً. وأربعةٌ وثلاثون جريحاً. خمسةٌ في حالة الخطر. بالنسبة لي، فقد خرجتُ سالماً. أعني، قيّض لي ألاّ أكون من الموتى. نعم. فقدتُ يدي اليمنى، ومعها إحدى كليتيّ. ما الذي يسعني أن أقوله بعدئذٍ؟.. أحدهم أراد أن يواسيني: ـ الحمد لله على كلّ شيء.. أرجو أن تنظر إلى الأمر من زاويةٍ مختلفة.. ألا ترى أنّك لم تفقد عينيك مثلاً؟.. لديك قدمان أيضاً.. رئةٌ تتنفّس بها.. ما بقي لك أكثر وأهمّ ممّا فقدت...

الأمور إذاً ليست سيّئةً جدّاً. سأجرّب أن أطبّق نصيحة صديقي هذا...

ـ بخير.. الحمد لله.. لا بأس.. سلّم الله ولطف.. لولا عناية الله لكانت النتائج أسوأ بكثير.. نعمة من الله.. شكراً..

ومع ذلك... فأنا الآن بيدٍ واحدة. وبكليةٍ واحدة..

لا أشعر بفراغٍ خلّفه غياب إحدى كليتيّ من جسدي.. كلية. كليتان. عشرُ كلى. الأمرُ سواء. أنا لا أعرفها أصلاً. لم أرها. هي جزءٌ منّي. صحيح. لكن ما من علاقةٍ خاصّةٍ تربطني بها. ما من ذكريات. أعرف أناساً كانوا يشتكون من كلاهم. كانوا يتألّمون. يروي لي بعضهم كيف كان يُمضي الليلَ ساهراً مع كليته. مسكّنات. كميّاتٌ إضافيّةٌ من السوائل. أعشاب. عقاقير. كانوا يشعرون بهذا الجزء من أجسادهم. شعورٌ مؤلم بالتأكيد. لكنّه شعور مع ذلك، ومن خلاله يمكنك أن تعرف أن شيئاً ما في داخلك حيّ. حيّ إلى الحدّ الذي لا تستطيع أن تنساه أو تتجاهله. أمّا أنا فقد كانت كليتي جزءاً صامتاً في جسدي. لا يتكلّم. ولا يتحرّك. كما لو أنّه ليس منّي. أو كما لو أنّه يعيش في داخلي، ولكن ضمن حدودٍ مغلقةٍ تفصله عنّي.

مرّةً أخرى.. ما الذي تغيّر؟.. لا شيء.. أوصاني الطبيب أن أحرص على الكلية الثانية. لم أفهم كلامه جيّداً. قال لي:

ـ هي كلّ ما تبقّى لديك الآن.. أنت الآن بكليةٍ واحدة.. لا أريدك أن تقلق.. انتبه فقط..

إنصاف أيضاً لم يبدُ أنّ غياب كليتي قد غيّر شيئاً فيها. لم يبدُ عليها أنّها تأثّرت على الإطلاق بعد أن أصبحت زوجةٍ لرجلٍ ذي كليةٍ وحيدة. كلية الزوج بالنسبة للمرأة ـ كما تبيّن لي ـ أمرٌ ثانويّ جدّاً. نبوءة الطبيب تحقّقت. فلم أقلق.. بقيت مسألة الانتباه. وقد أدركتُ أنّ الطبيب لم يكن يعني بها شيئاً محدّداً. كان يريد أن يمارس دوره كطبيبٍ لا أكثر. كان عليه أن يقدّم نصيحةً ما. أيّ نصيحة. وهي في النهاية إن لم تنفع، فلن تضرّ. حسناً. سأنتبه. وكما أوصاني، سأزوره في عيادته مرّةً كلّ شهرين أو ثلاثة. لن أُكثر من الملح الذي لا أحبّه أصلاً. هل ثمّة شيءٌ آخر؟.. ثمّة أشياء.. ثمّة يدي اليمنى.. أودّ أن أسقط الآن كلّ الأقنعة عن وجهي.. أودّ أن أصرخ.. ـ نعم.. نعم.. إنّها يدي.. اليمنى.. تذكرين يا إنصاف.. تذكرين بلا شكّ تلك اللحظة. اللمسة الأولى. أصابع يدي اليمنى وهي تتسلّل نحو أصابعك.. اعترافي الصريحُ أمامك فيما بعدُ بالحبّ لم يكن سوى تحصيل حاصل. لقد سبقتْني يدي اليمنى (يدي التي فقدتُها) إلى قلبك. نقلتْ إليك كلّ جنوني ولهفتي..

وعندما كنت أداعب شعر إنصاف (شعرها القصير) كنت أستخدم يدي اليمنى.. رسائلي إليها من الجزائر كتبتُها كلّها بيدي اليمنى.. وبيدي اليمنى أيضاً كنتُ أتناول فنجان القهوة منكِ كلّ صباح..

من حقّي أن أصرخ إذاً.. أن أتألّم.. كيف أحبّكِ بعد الآن؟.. أنت تفهمين ما أعني.. ما فقدتُه لم يكن مجرّد يد.. انظري إلى هذا الفراغ في كمّ قميصي. إنّه أوسع ممّا يظهر لك. وأعمق. هاوية تبتلعني.

وإنصاف اليوم حين تأتيني بفنجان القهوة تضعه على الطاولة. لا تنتظر أن أمدّ إليها يداً يمنى لأتناوله. أصدقائي عندما يريدون مصافحتي يربّتون على كتفي غالباً. بيدي اليمنى صافحتُ عبد الرحمن سوار الذهب في أبو ظبي. وباليد اليمنى أيضاً صافحتُ نزيه أبو عفش، وأمينة رزق. صافحتُ آلافاً ممّن أعرف ولا أعرف. يمرّ بي بعضهم اليوم. وأشعر بالحسرة حين لا أجد شيئاً أمدّه نحوهم. منهم من يبتسم. ومنهم من يهزّ رأسه. أو قد لا يبالي على الإطلاق.

في معرضٍ للأعضاء البديلة وقفتُ أمام تصميماتٍ مختلفة لأيدٍ صناعيّة. إنصاف حاولت أن تقنعني بيدٍ ذات داراتٍ كهربائيّة وشرائح إلكترونيّة. المسؤول عن الجناح ذكر أنّها قادرةٌ على القيام بمعظم المهمّات الأساسيّة للذراع الطبيعيّة. ضحكتُ بيني وبين نفسي. هل يعني أنّها تستطيع أن تعانق إنصاف؟.. أن تلتفّ حول خصرها؟.. أن تعبث بخصلات شعرها؟..

ضحكت.. وتمنّيت لو كانت يدي اليمنى معي لأهوي بها على هذه البضاعة الفاسدة. الأكاذيب.

أحجار الشطرنج وأنا أنقلها من مربّعٍ إلى آخر. تقليب صفحات الكتب. سمّاعة الهاتف لأضرب موعداً جديداً مع إنصاف في مقصف الجامعة. النقر العصبيّ على الطاولة وأنا أنتظر.. أراها وهي تدخل. تتوقّف قليلاً. تنظر حولها. فأرفع يدي اليمنى. ألوّح لها:

ـ هنا.. هنا..

بلا يدي اليمنى أين سأسند رأسي متأمّلاً حكايتي معك؟..

أتساءل أحياناً ـ بيني وبين نفسي طبعاً:ـ

ـ أين ذهبوا بيدي اليمنى؟..

كلّ الاحتمالات ممكنة. في القمامة مثلاً. أُحرِقتْ. ومن الوارد أيضاً أن يكون ثمّة تقليدٌ لطحن الأعضاء المبتورة وتحويلها علفاً للدجاج. الاحتمالُ الوحيد المستبعد أن تكون قد دُفِنت.. لا أظنّ أنّ أحداً يخطر له أن يُعِدّ ليدٍ يمنى مبتورةٍ قبراً. أن يشيّعها إلى مثواها الأخير في موكب. أن يقيم حفل تأبينٍ لها. أن يعلّق آخر صورةٍ التُقطت لها على الجدار، وقد عقد عليها شريطاً من الحرير الأسود.

كنتُ فاقداً للوعي. الحقّ عليك إذاً يا إنصاف. كان ينبغي أن تطالبيهم بها. أن تقومي بالواجب نحوها. كنّا سنزورها بين الحين والآخر في مثواها الأخير.. نقف أمامي خاشعَين.. نتخيّلني هناك في قبري الصغير.. وقد انتفختُ قليلاً. خيوطٌ من الصديد تنساب منّي. ديدانٌ بيضاء، أو شفّافة، تنهشني. لكنّني مع ذلك مطمئنّ. سعيد. وأبتسم.. 

ـ حاشية ـ

هذه القصّة كتبتُها ـ سأسمّيها قصّةً مع أنّني لم أعد مقتنعاً بأنّها كذلك ـ منذ عامٍ بالتمام والكمال. كتبتُها في لحظةٍ عاديّةٍ، ليس فيها ما كان ينبغي أن يستوقفني، أو يستثير انتباهي. تدخينٌ مفرط. أكوابٌ من القهوة. توتّر. ارتخاء. إحباط. فرح... لم يكن فيها ما يميّزها عن سواها من اللحظات التي تتكرّر دائماً كلّما هممتُ بدخول عالم الكتابة.

بعد شهرين نُشرت القصّة في مجلّة (بيت السرد) التي يصدرها نادي القصّة في اتّحاد كتّاب وأدباء الإمارات. كما نُشرت أيضاً ـ في الوقت ذاته تقريباً ـ في كتابٍ أعدّه الأستاذ عزّت عمر عن الأدب السوريّ في دولة الإمارات.

قد لا يكون ثمّة مبرّراتٌ ظاهرة لهذا الحديث كلّه عنها، فهي في النهاية مجرّد قصّة، شأنها في ذلك شأن عشراتٍ من القصص الأخرى التي كتبتُها، وحرصتُ دائماً على أن أتركها للقارئ يتعامل معها بالطريقة التي تسعفه بها أدواتُه أو ثقافتُه أو ذائقتُه، دون أن أقحم نفسي بينه وبينها. لكنّني ها هنا أريد أن أخرج قليلاً عن هذا الذي ألفتُه وألفه القارئ معي.

من الوارد جدّاً أن يعدّ البعض هذه القصّة عملاً على قدرٍ ما من الجمال والإتقان. ومن الوارد أيضاً أن يكون للبعض الآخر ملاحظاتٌ حولها تجعله غير راضٍ عنها الرضا كلّه. كما قد تبدو لآخرين عملاً غايةً في السوء أو الابتذال ممّا يدفعه إلى عدم الاعتراف بها نصّاً أدبيّاً على الإطلاق. تلك احتمالاتٌ عليّ ألاّ أتوقّعها وحسب، بل أن أتفهّمها أيضاً، وأتعامل معها إلى أقصى حدّ مستطاع من رحابة الصدر، بل من الامتنان والتقدير.

القضيّة ليست هنا. لقد قدّمت قصّة. فمن الطبيعيّ إذاً أن يكون للخيال حضورٌ فيها قلّ مقداره أو كثر. ورغم أنّه أمرٌ يفهمه الجميع ممّن لهم صلةٌ بالأدب وعوالمه، إلاّ أنّني ـ لسببٍ أرجو أن يتّضح فيما بعد ـ أجد نفسي مضطرّاً إلى التشديد عليه، ولفت الأنظار نحوه.

ولكي أكون واضحاً فيما أريد سأشير إلى أنّني لم أكن أتحدّث في القصّة عن نفسي، وليس بيني وبين بطل القصّة أيّ وجهٍ من أوجه التشابه. دعك من يدي اليمنى الآن، فتلك حكايةٌ لم يحنْ وقتُها بعد.. أنا لست متزوّجاً، ولم تكن لي علاقةٌ بامرأةٍ لها هذا الاسم (إنصاف)، كما لم أزر الجزائر قطّ، ولم ألتق بالسادة والسيّدات عبد الرحمن سوار الذهب، أو نزيه عفش، أو أمينة رزق. وعند كتابة القصّة لم أكن أعرف شيئاً عن الأعضاء البديلة، والشرائح الإلكترونيّة التي يمكن أن تدخل في تصميمها. الانترنت خدمني في هذا الأمر، وعن طريقه توصّلت إلى هذه المعلومات البسيطة. ما ورد في القصّة إذاً كان وليد خيالٍ لست متأكّداً ممّا إذا كان واسعاً أم ضيّقاً، لكنّه في كلّ الحالات لا يمتّ إلى الواقع بصلةٍ أيّة صلة.

حسناً، كان يمكن لذلك أن يظلّ في حدود ما هو عاديّ ومألوف.. لكنّ ما حدث قبل أربعة أشهر (في التاسع عشر من تمّوز الماضي) جعل الأمر مختلفاً إلى حدّ كبير. كان يوم أحد. وعند مدخل سوق السروريّة (المزدحم على الدوام لمن لا يعرف) انفجرت درّاجةٌ مفخّخة، وكانت الحصيلة عدداً من القتلى والجرحى.

عندما استعدتُ وعيي، لم أصدّق أنّني فقدت يدي اليمنى في الحادث. كان من الطبيعيّ أن أتذكّر هذه القصّة التي كتبتها قبل أشهر. لكنّني لم أكن في مزاجٍ يسمح لي بأن أفكّر في الأمر طويلاً. اكتفيت بأن عددتُ ما جرى مصادفةً غريبةً لكنّها ليست مستحيلةً بالطبع. ومع ذلك ـ ولكي أتأكّد ـ طرحت سؤالاً أعلم أن أحداً لم يستوعبه في حينه، لكنّ الإجابة مع ذلك جاءتني، وفيها شيءٌ يشبه الدهشة من طرف، والشفقة من طرفٍ آخر:

ـ اطمئن.. كليتك بخير.. ذراعك فقط هي التي أُصيبت..

ثم مع تحسّن حالتي الصحّيّة كان المحيطون بي في المشفى ينقلون لي بين الحين والآخر أخباراً عن الحادث وتفصيلاته، إلى أن وصل الحديث بهم إلى عدد القتلى والمصابين:

ـ سبعة عشر قتيلاً، وخمسة وثلاثون جريحاً..

مفاجأة صاعقة لم يخف على أحدٍ أثرها فيّ.. شحوبُ وجهي. الكلماتُ وهي تختلط عند حافّة فمي، فلا يبقى منها سوى حشرجاتٍ مبهمةٍ تخلو من أيّ معنى. الرغبةُ المفاجئة في إخلاء الغرفة، والبقاء منفرداً..

بدا لي الأمر أكبر من مجرّد مصادفة، لذلك طلبت إحضار نسخةٍ من المجلّة التي نشرت القصّة. في القصّة كان الضحايا ثمانية عشر قتيلاً، وأربعةً وثلاثين جريحاً، أي أنّ ثمّة واحداً في القصّة سينتقل من عداد الجرحى إلى القتلى..!

قبل ذلك كنت مشغولاً بيدي اليمنى التي فقدتها إلى الأبد. يدي التي غادرتني فجأةً ومعها... معها أنا... يدي التي كنت أصفّق بها. ألوّح. أكتب. أحمل الحقائب... يدي التي هي تاريخي كلّه..

كلّ ذلك لم يعد يعني لي شيئاً على الإطلاق. كنت مذهولاً وأنا أبحث عن تفسيرٍ لهذا الاختلاف الطفيف في أعداد الضحايا.

ثمّة من سيموت إذاً..

متى؟..

تمنّيت لو أنّ إنصاف كانت موجودةً إلى جانبي. أعني تمنّيت لو كنت بطل قصّتي نفسه، وكانت إنصاف امرأةً حقيقيّةً تجلس إلى طرف سريري. لا شكّ أنّها فعلت ذلك أثناء إقامته في المشفى. لا أدري أيّ كلماتٍ استخدمت لمواساته. هل قالت له:

ـ أحبّك.. أحبّك.. أحبّك..؟

بالنسبة لي كنت سأغمض عينيّ قليلاً، ثمّ أفتحهما، متأمّلاً قسمات وجهها الهادئة المطمئنّة، لأقول:

ـ لكنّني.. سأموت..

ستفهم ذلك على أنّه مجرّد هلوسةٍ أفضتْ إليها حالةٌ نفسيّةٌ سيّئة. لن تفهم أنّ قصّةً لي سأكتبها ستحمل نذير موتي. كيف أشرح لها ذلك؟..

سأموت إذاً..

هل سأدفن إلى جانب ذراعي اليمنى؟..

أنا الذي حكمت على نفسي بالموت.. أو سأحكم عليها عندما أكتب قصّتي.. وستظلّ إنصاف وحيدة.. إنصاف التي أتمنّى لو كان لها وجودٌ بالفعل..

لا بدّ أنّ أحداً من الجرحى سيخلي مكانه، ليكمل النقص في خانة القتلى.. لا بدّ أن ما كتبته كان أسوأ من مجرّد قصّة. نبوءةٌ مرعبة. قتيلٌ ينتظر أن يقتل..

حسناً.. وبما أنّني لا أريد لها أن تقلق سأتظاهر بأنّ الأمر مجرّد هلوسةٍ فعلاً.. لن أعود إلى حكاية الموت الذي ينتظرني.. سأدّعي أمامها أنّ ألمي لا سبب له سوى أنّني فقدت يدي اليمنى التي كنت أداعب بها شعرها القصير.. يدي اليمنى التي اعتدت أن أتناول بها فنجان القهوة كلّ صباح.. لكنّ إنصاف ليست غبيّةً.. أضف إلى ذلك أنّها تحبّني فعلاً. ستشعر بي. ستسألني عمّا عنيتُه بالقصّة التي سأكتبها، والتي تنبّأتُ فيها بموتي..

سأبتسم، ولن أجيب.. سأكتفي بالقول:

ـ هي قصّةٌ سأكتبها.. أعني كتبتها.. لكنّني لن أكملها.. أو لم أكملها.. سأدعها هكذا تكمل نفسها.. بنفسها..