ينكفئ الناقد المغربي راجعاً إلى خيالات القاهرة بعد الإياب من السفر. يدون غواية مدينة مشبوبة بحقب التاريخ، وجفنات السرد، ونورانية الروح. في نصه تشتبك سرحات الروائي التخييلية، بجوبات يوميات رحالة يسجل وقائع التجربة والأويقات والأسماء، فيبدو وكأنه يتلاعب على الفارق بين مفهومي التاريخ وفن الشعر

زمن القاهرة

شُعيب حَليفي

(1)

العودة فجرا
في اليوم الأخير لي بمصر، غادرنا فندق بيراميزا ـ الدقي في الساعة الرابعة زوالا من يوم الخميس خامس نونبر، في اتجاه مطار القاهرة الدولي بعد انتهاء رحلتنا التي دامت ثمانية أيام، مؤملين وصولنا إلى الدار البيضاء في الساعة الحادية عشر ليلا. لكن التأخيرات المفاجئة للرحلة إثر أعطاب في الطائرة الأولى أو في الثانية التي نزلنا منها بعد ركوبنا بحوالي ساعة.. أخَّر وصولنا إلى غاية فجر يوم الغد، الجمعة.

بقيتُ في البيت طيلة يوم طيلة ذاك اليوم مستريحا من الوعكة الصحية التي ألمت بي في اليومين الأخيرين بالقاهرة. غير أني توجهتُ غداة السبت، رفقة زوجتي وأبنائي، إلى مدينة سطات حيث قضيتُ النهار بجوار والديَّ الفاضلين، ولم نعد إلى الدار البيضاء إلا في ساعة متأخرة.

بُعيد الفجر بقليل، من يوم الأحد، لبستُ جلبابي الصوفي الأشخم.. هابطا في صمت غريب إلى مكتبي. جلستُ إلى مصيري التاريخي، مثلما كانت مصائر غيري من الرحالين إلى أرض الكنانة، أدونُ وقائع رحلتي إلى القاهرة خشية تلف تلك التفاصيل الرقيقة.

في الساعة الواحدة انتهيتُ من التحرير فقمتُ وحملتُ أهل بيتي متوجهين نحو الميناء حيث تناولنا وجبة سمك طري كنتُ متشوقا إليه.

يوم السفر إلى القاهرة
استفقتُ باكرا وفي نيتي البقاء بالبيت طوال النهار الذي يصادف يوم الخميس تاسع وعشرين أكتوبر، موعد سفري إلى القاهرة، قبيل منتصف الليل، للمشاركة في المؤتمر الدولي الأول للقصة العربية المنظم من طرف المجلس الأعلى للثقافة بمصر. غير أني تذكرت ضرورة قضاء بعض الضرورات التي أخذت مني النصف الأول من اليوم، ولم أعد إلى البيت إلا في الثانية زوالا. تناولت غدائي وهممتُ بتجهيز حقيبة سفري وكل الوثائق الضرورية، وفي نيتي، مرة أخرى، قضاء ما تبقى من الوقت بالبيت.

يرنُّ الهاتف، فيكلمني أحد أصدقائي من مدينة برشيد مفزوعا، يُخبرني بنقل والده الحاج عبد القادر إلى إحدى مصحات القلب بالدار البيضاء، في سيارة إسعاف، بعد إصابته بنوبة قلبية مفاجئة.

لم يطلب مني شيئا ولكنه أخبرني فقط وانقطعت المكالمة. ارتديتُ من جديد ملابسي، وفي المصحة بقيتُ معهم خلال كل الفحوصات الأولية والإسعافات الضرورية لوالده الذي تجاوز مرحلة الخطر في انتظار تدخل جراحي في صباح يوم الجمعة أو السبت كما أخبرنا البروفيسور المُعالج.

ودعتُ صديقي بعدما أخبرته بسفري بعد ساعة، لأعودَ إلى البيت.. هناك وجدتُ زوجتي قد استكملت تهيئ الحقيبة وباقي أغراض السفر، فتناولت، بسرعة، بعض الأكل.. ثم توجهتُ نحو مطار محمد الخامس، وقد ناب علاء ـ وأنا أغادرهم ـ عن أخته في تقييد ورقة بها أسماء بعض اللعب، دسها وسط جواز سفري بعناية وهو يوصيني ويتمنى لي سفرا ميمونا، أما زينب فكانت خرساء تنظر إليَّ بعينين حزينتين امتلأتا بالدمع، فيما الصغرى، مريم، شرعت تلح علي بمرافقتها لي وهي لا تعرف، بالتحديد، وجهتي.

*   *   *

ركبتُ الطائرة وحيدا، لكوني سافرت بيوم واحد قبل باقي الوفد المغربي المتكون من تسعة أدباء، لحضور بدء العمل ضمن لجنة تحكيم جائزة القصة. وخلال أزيد من خمس ساعات عرجنا في ظلام ساكن من الدار البيضاء إلى مطار القاهرة، وقد وصلته في السادسة صباحا بالتوقيت المحلي الذي يزيد عن توقيتنا بساعتين.

في الطائرة، أسندتُ رأسي إلى الوراء. أغمضت عيني أستعيد أنفاسي، بل أنتشلها... فاسترخيتُ شاعرا بحزن يخيم على صدري مثل غيوم شاردة وثقيلة وذاكرتي تستعيد ما وقع في مثل هذا اليوم من سنة خمس وستين وتسعمائة وألف بباريس، حينما اختطفت أجهزة المخابرات المغربية بتعاون وتواطؤ مع أجهزة خارجية أخرى، المهدي بنبركة. كان عمري آنذاك عشرة أشهر، وربما في ذلك اليوم، وفي تلك الساعة التي رموا فيها أياديهم القذرة على سي المهدي كنتُ أرضع الحليب من ثدي أمي.

استفقتُ على جلبة تقديم العشاء، فاعتذرتُ عنه ثم خلدتُ للنوم وصورة المهدي بجلبابه الصوفي لا تفارق وجداني.

عدتُ فاستفقتُ والطائرة ما تزال سابحة في ظلام مطبق، وقد بقي على هبوطها أقل من ساعة. شعرتُ بتحسن في مزاجي. فتململتُ وأخرجتُ دفترا صغيرا وجزءا من قلم رصاص، وليس في ذهني سوى غيوم شاردة.

في كل حياة.. شيء يستحق الانتباه
وأنا أتهيأ للسفر إلى القاهرة، تهاجمني نفس الأحاسيس التي أحسستُ بها خلال سفرتي الأولى ذات ديسمبر (زرتُ القاهرة سبع مرات في رحلات كنتُ مدعوا خلالها لمؤتمرات ثقافية: 14 دجنبر 1996، 22 فبراير 1998، 15 أبريل2000، 18 أكتوبر 3200، 8 دجنبر 2003، 26 فبراير 2005، 17 فبراير 2008 ثم الرحلة الثامنة، هذه، في 29 أكتوبر 2009). هذه المرة تضاعفت وانصهرت.. فقد ذهبتُ أول مرة وأصدقائي، هناك، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.. أما اليوم فهم بعدد أصدقائي، هنا، بالمغرب.

منذ الرحلة الأولى إلى القاهرة، ازددتُ طمعا فيها.. لأن أثرا شعريا عميقا كان واضحا في كل طبقات ملامحها المهيبة. حينما نظرتُ إليها رأيتُ كل المراجعات التي راهنتُ عليها.. هل أرى في هذه المِرآة نفسي.. أم النفس الكلية التي لا تموت؟.

القاهرة وقد استعادت دهشتي المفتقدة في غمرة المجرى المزدوج والمتعدد لحياتنا "هنا".هل كل ما قرأتُ منذ ابن خلدون إلى الآن يقف اليوم في مجرى الاختبار؟

لماذا أحسستُ بالنيل جزءا من دمنا الجماعي الذي ساح من الأجساد المطهرة منذ ماري جرجس إلى المهدي بن بركة؟. (لا.. بل ساح من الأرواح المخلدة لأحلام الشهداء من الأموات والأحياء...).

القاهريون في بحث أسطوري عن معنى نسبية الوجود ومطلقية الخلود. وثمة الأثر الشعري للحياة التي رتقت نسائجها من صرخة الحسين للانفصال الأليم بين الرأس والجسد والابتهالات المذوتة للسيدة زينب.. والأحلام المفتقدة في اندفاع كلي بين حدَّيْ الموت والحياة لشهيد الخلود.

لن أشك لحظة، بعد الآن، أن الدهشة نفسها ستفارقني لأنني شربتُ منها احتياطي ما تبقى من عمري... بين القصرين أو بين الحلمين تنساب اختبارات البديهة للذاكرة وللملاحم كلها، فلا استثناء في القاهرة غير الموت.. لأن كل شيء فيها بوجهين: مقدس ومدنس، طهراني وأزلي.

توهمتُ أن يسألني رجل في الأربعين ـ ونحن هناك في النادي اليوناني أو داخل مسجد الحسين أو في قبو مظلم لامتناهي أو في خان شقاوة بالدرب الخلفي ـ يسألني بلغة صافية أقرب إلى البوح.. عن جمال عبد الناصر والمهدي والأموي وبويا والشيخ الهبطي وجدنا المقدس سيدي علي الشاوي. ولما لم أجبه أعتقدَ أنني حزين لأجلهم.. حزين حينما أحس بحزنهم على حالنا.

(2)

زمن جميل.. يهرول منا
وصلتُ إلى فندق بيراميزا المتواجد في شارع متفرع من شارع الجنرال دوغول بالدقي. وبعد يومين من الاجتماعات التهييئية ضمن لجنة التحكيم، انطلقت أشغال المؤتمر في اليوم الثالث، وخلال أربعة أيام، بحضور أزيد من مائتين وخمسين مشاركا من ستة عشر بلدا بالإضافة إلى مصر، في أيام حافلة بالإنصات والمناقشة تصل إلى حد الإنهاك. ولم نكن نستعيد حيويتنا إلا بالانفلات ليلا في جولات بالقاهرة ليلا أو بالجلوس إلى أصدقائنا القدامى والجدد بالمقهى.

وقد فوجئتُ في اليوم الأول برسالة باستقبالات الفندق من طرف صديقي المصري، أحمد سالم البابي الذي كنتُ التقيته وتعرفتُ عليه خلال آخر رحلة لي بالقاهرة، قبل سنة ونصف.

هاتفتُه، في الرقم الذي تركه لي، ثم التقينا بمقهى خان شقاوة في شارع هارون، حارة الطيب سابقا، وهي على بعد ثلاث دقائق من فندق بيراميزا الذي أقيم فيه. مقهى أنيقة، بل خان له ملامح عصر المماليك.

عبَّرتُ له عن دهشتي واعتزازي للقائه فتحدثنا في قضايا عامة، وفي مجال عمله.فهو يشتغل بالتجارة مع والده وأخوته، يدير عددا من المحلات في النجارة العصرية بالإضافة إلى الاستيراد والتصدير. وفجأة يشرع في الضحك وهو يخبرني بأن الكثير مما أسرَّ به لي في السنة الماضية لم يكن سوى تلفيقا مُحْكما. وقال لي بأنه خريج آداب عين شمس وليس شاعرا، كما أفهمني في السابق، أو كما حدَّثني بخصوصه حينما قال لي بأنه عاش لفترة طويلة في الخليج، يعمل لدى إحدى الأسر الحاكمة، يكتب لهم الشعر والنكت والخطب والتهاني والتعازي.

بقيتُ معه لساعة ونصف، ثم انصرفتُ إلى غرفتي بالطابق الحادي عشر، رقم 1108، غير مبال بحكايات أحمد سالم التي تحولت من العجيب إلى الواقع الضائع.

في اليوم التالي، التحقتُ به متأخرا، بساعة، في الخان المذكور، فوجدته جالسا في ركن مظلم إلا من نور خافت، يدخن الشيشة وينظر إلى صفحات جرائد المعارضة المصرية. لم يكلمني ولكنه اكتفى برفع بصره نحوي مشيرا إليَّ بالجلوس. ثم التفت إلى "زكي" نادل المقهى، ليعود إلى جريدته، دون أن يبدو عليه أنه يقرأ شيئا.

قلتُ له: الإدمان على الجرائد بالنظر أو اللمس يورث الاكتئاب، أنصحك يا صديقي باختيار المقالات وكُتابها حتى لا تكون مثل حاطب ليل.

ومثل شخص انتهى من مضغ شيء صلب ومر، محركا لسانه داخل فمه وهو يرد عليَّ:

ـ لا تُبالي يا مغربي يا "بو ألب عسلْ"!، أنا منشغل عنك أنتَ "بسْ"، فرأسك ستنفجر. منذ مئات السنوات أو آلافها ـ لست أدري ولا أريد ـ وأنتم تتكلمون وتحفرون عن البيضة ومن باضها. إنكم يا سيدي الفاضل، لا تنجحون إلا في خلق التكرار وعلوم تحويل الحقائق إلى أباطيل.

كان أحمد سالم يتكلم بلهجة مصرية غاضبة فسعيتُ أن يستمر في نقده التاريخي، لكنه تراجع وقد خمَّنتُ أن كلامه جاء إثر تأخري عليه.

التفتَ نحو النادل مخاطبا إياه بصوت عال:

ـ يا زكي زِفتْ، فين الست ليلى؟

عاد يضحك كمن كان يمثل دورا سريعا في مشهد درامي، وفهمتُ أنه يقصد ليلي مراد، حينما توجه زكي الزفت، ووضع شريطها فسمعتها تقول من ضمن ما تقول:

"يا مْحيَّرني/ أملي ويأسي/ طمِّنْ قلبي/ إن مارحمتشْ/ عِزة نفسي/ ارحمْ حُبي".

*   *   *

رواية قصيرة جدا (1)
هناك أمكنة لا يمكن أن تكون فيها مُحايدا. تلك التي يولد فيها الإنسان بعلامة. والقاهرة مثل الشاوية، أرض مقدسة.. كل من يهبط إليهما يصبح روائيا أو نبيا (في النسخة الأولى كتبتُ: "أو رئيس جمهورية"). لذلك راودتني نفسي، قُبيل سفري ببضعة أيام وخلال الأيام الثمانية التي قضيتها بالقاهرة، بكتابة رواية قصيرة.. نص خيالي جدا، بنسبة صفر في الألف من رائحة الواقع. ربما تعويضا عن الكثافة الواقعية التي تغمرني في تلك اللحظات الفاصلة بين كازابلانكا والقاهرة. وإثر ذلك اتصلتُ بالدكتور أحمد مجاهد والدكتورة فاطمة البودي، وهما شهود على أية حال، للتعاقد على الرواية. اخترتُ لها بلدا صغيرا في جزيرة معزولة على جبل عال، بعيدة جدا جدا عن المغرب ومصر.

هكذا صرتُ أُحب المقارنة التي تمدني بقوة خارقة. فالشاوية (وهي بلدي الأول والأخير وكم تمنيتُ أن أكون حاكما مطلقا عليها، أُورثُ عرشي من بعدي لسلالتي الطهرانية، من الذكور والبنات)، لها غروب خُرافي شبيه بالدهشة الأزلية الرابضة في أرواحنا. أما القاهرة فلها فجر خُرافي أيضا لم أر أو أشاهد أو أبصر نظيرا له أبدا في حياتي، فجر روحاني، كلما قام وارتفع صوتُ الآذان الرخيم، إلا واستحضر اللحظة بكل الأزمنة السابقة وطبقاتها الذهبية العتيقة، المخلوطة بأرواح الأجداد الذين راحوا...

هكذا أحبُ المقارنة، وأنا في القاهرة. لحظة فجر يوم الأحد فاتح نونبر أنهض لأجلس إلى مكتب صغير بغرفتي في الطابق الحادي عشر ببيراميزا الدقي، أمام أوراق بيضاء لا أعرف أي الصيغ أختار.. هل أكتبُ الرواية مباشرة أم أُخطط لها وهي تلحُّ عليَّ إلحاحا؟

قررتُ أن تكون من جزأين: الأول يجري قبل ثلاثة عقود وما يزيد ربما، بينما الجزء الثاني في الحاضر الذي نحياه.

(3)

النيل يجري فوق دهشتنا
تأسست القاهرة في القرن العاشر الميلادي خلال عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، على يد القائد جوهر الصقلي. مدينة مفتوحة على كل الثقافات وأبواب الحضارات الفرعونية والرومانية والإسلامية، ضمت إليها، بابليون والفسطاط والعسكر والقطائع، ثم توسعت بين الأهرامات وجبل المقطم ومجرى النيل، موقع التقاء الدلتا بالصعيد في عقدة الوادي.

إنها القاهرة الممتدة على أرض مصر الضاربة في ما يزيد عن خمسين قرنا من الحضارات، أصبحت مركزا أساسيا منذ ثمانية وتسعين ميلادية إبان بناء حصن بابليون والذي توسع ببناء الفسطاط مع الفتح الإسلامي. لحظة فارقة من تاريخ الأرض والإنسان والروح، بعدها تعاقب الولاة، والحياة فوق المجرى الخالد تكتبُ أسرارها وأقدارها، ثم يأتي صالح بن علي في القرن الثامن الميلادي، ويُنشئ مدينة العسكر تلتها نشأة القطائع على يد احمد بن طولون.

وإلى صلاح الدين الأيوبي يعود الفضل في جعل القاهرة خلال القرن الثاني عشر الميلادي فضاء مفتوحا للعامة بعدما كانت مقتصرة على الخاصة والخلفاء، كما أنشأ قلعة الجبل وبنى قناطر الجيزة. تطورات في الظاهر والخفي، والنهر يجري منذ هبط الأنبياء والشهداء وكل الرحالة والعابرون إلى لحظة الفتح، ثم بدايات جديدة منذ القرن التاسع مع الطولونيين والفاطميين، تلاهم الأيوبيون والمماليك.

عصر آخر سيعرف تحولا في القاهرة مع العثمانيين منذ 1517 تعاقب خلالها مائة وسبعون من السلاطين، عاشوا كما عاشوا، بأسرارهم وخطاياهم، والشعب المصري يروي حكاياتهم ويعيد رسم خرائط أرواحهم وأسمائهم، فهناك أحمد باشا الخائن، وقاسم الجميل وسليمان الخادم، ومحمود المقتول.

أما الحملة الفرنسية، ومنذ 1798، فقد تركت بصماتها باعتبارها مرجعا للتحول مع بونبارت وكليبر وعبد الله جاك، فاسحين المجال لمرحلة الولاة العثمانيين الأربعة، آخرهم محمد علي باشا. ومنذ ذلك التاريخ في العشرية الأولى من القرن التاسع عشر إلى سنة 1952 ستعرف مصر الحديثة أحد عشر حاكما تعددت أسماؤهم بين الباشا والخديوي والسلطان والملك لتأتي الثورة الثانية بحلم بداية عهد جديد تعيش فيه أرض الكنانة أحلامها المؤجلة منذ تولي جمال عبد الناصر إلى غاية سفرتي الأولى في صبيحة يوم رابع عشر دسمبر1996.

رواية قصيرة جدا (2)
(فجر يوم الأحد فاتح نونبر): في تلك الجزيرة التي هي عبارة عن جبل ينتمي إليه كل السكان، في قمته الشامخة يوجد بيت الحاكم، محاطا بعدد من قصور معاونيه من المدنيين والعسكريين، أما ما تبقى من الجزيرة فهو السفح، تسكنه عامة الناس الأصليين بالإضافة إلى المهاجرين الفارين من مناطق بعيدة إثر سنوات الجفاف.

من هذا المكان توضحت لي ـ أنا الراوي ـ ملامح الجزء الأول.فالسفح كله عبارة عن حي شعبي كبير، به فندق أو خان تعود ملامحه إلى قرون خلت. بُنِيَ في شكل دائري ذي وسعة غير مسقوفة في الوسط، تأوي العربات والحيوانات وبئرا للشرب محاطة بأربعة بيوت تسكنها العائلات التالية:

ـ السبايسي وهو حمَّال له عربة بحصان هرم، معه زوجته التي "تسرح" النهار في بيع متعلقات نسائية خفيفة. لهما أربعة ذكور وثلاث بنات.
ـ علال السمسار أب لابن وحيد اسمه عصمان الجبلاوي، يتاجر في كل شيء ومع كل الناس.
ـ الفقيه الطيب، وهو فقيه حافظ لكتاب الله ومعلم للأطفال، رجل ورع يحيا في طمأنينة.
ـ الشيخ حمان، وهو مطرب شعبي، له دزينة من الأولاد والبنات.

عاشوا في "تبات ونبات"بشكل جماعي، يحيون مثل عائلة واحدة، يأتمرون بصوت علال السمسار الذي مدَّ الخان براديو ضخم يجلب لهم السعادة والنشاط، ومن خلاله يستمعون إلى أفراح واحتفالات حاكم الجبل.

بعد سرود دائرية يختتم هذا الجزء بحدث جديد تمثل في نظم حمان لقصيدة مدحية في عيد تولية الحاكم، قالها منشدا إياها بآلته الوترية العجيبة (وقد قيلت القصيدة بلغة أهل الجزيرة، ولأنني بالقاهرة فقد ترجمتها إلى اللهجة المصرية على أن أعمل لاحقا على ترجمتها إلى لهجة كل قطر عربي شقيق):

ـ نؤيد سيادتك لفترة جديدة/ نكمل خلالها المسيرة السعيدة/ وبالمرة فيها نبيع الحديدة/ مفيش حاجة تانية نبيعها خلاص.
ـ نؤيد سيادتك لأجل المزيد/ من اللي تحقق بفضلك أكيد/ بقينا خلاص ع الحميد المجيد/ وربك لوحده ف ايده الخلاص.
ـ نبايع سيادته ولا حد غيره/ كفايا علينا نبرطع في خيره/ ونوم شعب "الجزيرة" العظيمة وشخيره/ يقول للحرامي ما تسرق كمان.
ـ نبايع سيادته وابنه وحفيده/ مفيش زي فكره قديمه وجديده/ خرابك يا مالطة حيحصل بايده/ ومين فيكي يعني بيسمع آذان.
ـ نبوس ايد سيادتك ورجلك كما/ تخليك معانا يا ريس عشا/ وجودك ضرورة فرضها الزما/ ومن غير وجودك حقيقي نضيع. ـ دي "الجزيرة" بتاعتك واحنا ضيوفك/ كفايا علينا يا ريس نشوفك/ وعاذرين سيادتك وفاهمين ظروفك/ عليك بس تأمر واحنا نطيع.
ـ في جزمة سيادتك كلابك يبوسوا/ وفوق الغلابة بجزمهم يدوسوا/ وشعبك ليلاتي يا ريس غموسه/ مذلة ومهانة وحوجة ومرّ.
ـ لكن يعني ما دمنا شعب انتساب/ ودايما وأبدا ف حالة غياب/ متعملش لينا يا ريس حساب/ دي عزبة سيادتك وفيها انت حر.
ـ ودستور مدستورش مش فارقة خالص/ كلام فاضي كله يا فندم بناقص/ كفايا علينا الفساد اللي ماصص/ عرقنا ومعشش وضارب جذوره.
ـ وايه يعني تهري جتتنا البلاوي/ يوماتي كوارث فضايح رشاوي/ كفايا علينا القعاد في القهاوي/ بنستنى لما الوريث ييجي دوره.

وقد نال الشيخ حمان، بعد قصيدته هذه، وسام الرضا من درجة ضابط، دون أن يتبين له أبدا هل هو ضابط عسكري أم ضابط إيقاع!؟.

(4)

الكرسي
منذ وصولي القاهرة شرعتُ أسأل عن المسرحيات المعروضة في تلك الفترة، فعلمتُ من أصدقائي ومن الصحافة أن عادل إمام يعرض بمسرح الزعيم في الهرم مسرحيته (بودي كارد) للسنة الحادية عشرة، كما سمعتُ بمسرحية كانت قريبة منا، في شارع عماد الدين على مسرح الريحاني بعنوان "مُرسي عاوز كرسي" بطولة أحمد بدير وشعبان عبد الرحيم ذات مشاهد غنائية بتصور "سياسي" كما قيل.وقد عزمتُ على مشاهدتها وصرتُ أؤخرها إلى غاية اليوم الأخير، رحتُ رفقة صديقي عبدو الفيلالي، فقيل لنا بأنه يوم عطلة ولن تستأنف إلا في يوم الغد، يوم سفرنا للأسف، فضاعت منا فرصة مشاهدة كيف يمكن للإنسان أن يحيا على أمل الحصول على كرسي يرى من خلاله العالم والآخرين.

*   *   *

في خان شقاوة، كنا ثلاثة نتحدث ونحتسي الشاي وكل المشروبات الساخنة واللذيذة، وكان أحمد سالم يعبُّ من شيشة المعسل عبّا، منتشيا بنشر كلماته ونكته بيننا.. ومن حين لآخر يتكلم في الهاتف لتجديد أو إلغاء مواعيده، كما كان يتوقف لبرهة يسيرة ينقطع فيها عنا... كما لو كان يهبط إلى قعر بئر لا قرار له متفقدا لنفسه قبل أن سعود إلينا سالما معافى.

قلت لأحمد سالم البابي:

ـ أتعرف أيها الباب العالي المبجل.. أن الشاوية، أرضي المقدسة التي عاشت بدون أسوار، ولم يطأها نبي أو رسول، يوجد بها مكان نسميه القاهرة. ومن أرض الشاوية تفرق الأولياء في كل البلاد الإسلامية ومنها أرض الكنانة.

قال لي وقد التفت ينظر بعكس اتجاهي إلى الفراغ وهو يحك عنقه بسبابته:

ـ القاهرة هي المدينة الإسلامية الوحيدة التي بُنيتْ لها ثلاثة أسوار على فترات تاريخية متعاقبة: سور جوهر، سور أمير الجيوش بدر الجمالي في عهد الخليفة المستنصر، ثم سور بهاء الدين قراقوش في سلطنة الملك الناصر صلاح الدين الايوبى الذي بناه ليضم القاهرة والقطائع والعسكر والفسطاط جميعاً.

كانت للقاهرة ثمانية أبواب، في كل جهة من جهاتها الأربع بابان. باب زويلة وباب الفرج في الجنوب، وفى الجهة البحرية: باب النصر وباب الفتوح، وفى الجهة الشرقية: باب القراطين (المحروق) وباب البرقية، أما في الجهة الغربية وهى المطلة على الخليج فكان فيها باب سعادة وباب القنطرة. وقد زالت معظم هذه الأبواب ولم يتبق منها سوى ثلاثة حتى الآن، معروفة باسم باب زويلة، وباب الفتوح، وباب النصر.

نشيد ثوري في شارع الهرم
تأخرنا طويلا في السهر مع أحمد سالم قبل أن نتوجه إلى شارع الهرم للعشاء ومواصلة النقاش والبحث عن الحقائق الضائعة التي لم يستطع القبض عليها العلماء ولا الخبراء أو السياسيون المنهمكون في البحث عن فتوى شرعية لمنع التوريث بين مواطن مسلم وابنه المسلم أيضا في ما تََمَلَّكه شرعا بالاستمرار والأقدمية.

وصلنا الشارع المذكور فشعرتُ، ونحن ننزل من السيارة، بإحساس قريب من تلك الأحاسيس التي راودت أرواح الأنبياء والفاتحين والأولياء الذين مروا من هنا ونفوسهم تواقة للوصول إلى أعلى مراتب الطهرانية.

الأضواء في كل مكان من الشارع الطويل، وشيء من الحق يرْقُبنا من عل، من فوق الأهرامات، هناك.ظل سالم يكلمني وأنا غائب بعدما عادت إليَّ دهشاتي المفقودة ، وحينما توقفنا أمام باب ملهى الأندلس، ترددتُ بعدما كنتُ تركتُ لسالم مسؤولية القيادة، فبدا مفاوضا ونحن على العتبة الأولى يبحث لنا عن ليلة فنية محترمة نُشَنف بها أسماعنا بما يُبهج قلوبنا الحائرة.

وأنا بباب الملهى في لحظة تاريخية نادرة ندشن بها عهدا جديدا في رحلتنا تلك.. لم أعرف كيف هبطت عليَّ قصيدة كنتُ أحفظها للشاعر المغربي صلاح الوديع، فقلتُ بصوت مسموع:

"يا قلبُ من تهوى غدا/ والليل قائم
يا قلب حاذر أن تطوقك الجماجم
يا صاحبي/ سترى يقينكَ نازفا فوق الجباه
سترى جبينك متربا/ حتما تراه/ واصل معي
لا زال في القلب شئ يستحق الانتباه."

وكان الفتح بهذه التميمة فدخلنا جمهوريتنا مُتيَّمين.

دخلنا... وبعد ست ساعات خرجنا.دخلت ُمترددا حائرا فخرجتُ مقتنعا.. دخلتُ وأنا في جبة الفقيه الورع، زاهدا مالكيا متمسكا بما يُبقيني حيا أُرزق فخرج مني الشافعي والحنفي والحنبلي والهرمي وقد صرتُ ثوريا حاسما أستطيع تقديم دمائي نشيدا يتقطرلإرواء عطش الفقراء ويبوسة أحلامهم القديمة دائما.. وآذان الفجر يدعو الأمة النائمة والصاحية إلى الصلاة. شعرتُ بخشوع غريب ورغبة للتوجه نحو سيدنا الحسين.. لكن سالم لم يكلمني. فركبنا السيارة عائدين إلى الفندق، وفي آخر الشارع رأى اثنين من العسكر فتوقف دون أن يطلبا منه ذلك، ودس في يد واحد منهما ورقة نقدية من فئة مائة جنيه من غير أن يكلمهما.. ثم واصلنا سيرنا وأنا ألح في الذهاب إلى الحسين بينما هو صامت لا يلتفت إليَّ.

ماذا جرى في تلك الساعات الأندلسية؟

بادرتُ، وبدون شعور مسبق، بتحقيق ثلاثة أشياء اعتبرتُها استراتيجية لانجاز دخول شرعي إلى هذا المكان، وذلك قبل أن أجلس:

أولا: الانقلاب على السيد أحمد سالم البابي بجعله واحدا منا، يسود ولا يحكم وإنما الأمر شورى بيننا ونحن بالداخل. وبعد مرور الساعة الأولى على هذه الحال، أصبح يسود ولا يحكم وأسميناه عمر ولقبه ما "يُحُكُمش ياعُمر" (وهي جملة طريفة سمعتُ إحدى العالمات بالملهى تقولها لعالم عربي بجوارها، فاستثمرتُها في بناء وضع مهزوز، لم نعثر له، بعدُ، على نظرية متماسكة)!. وأصبح عُمَرُنا المعاصر ينظر للثابت والمتغير وهو جالس على الكرسي، نعلق عليه ما لا نرغب فيه.

ثانيا: أنا من يختار الكرسي الذي يلائمني للجلوس ويؤهلني للاستمتاع بوقتي كاملا.

ثالثا: قطع كل الشرائط والجسور التي يمكن أن تربطنا، خلال تلك اللحظات، بالماضي والذي يبدأ منذ دخول عمرو إلى غاية وقوفنا على عتبة ملهى الأندلس.

عاد سالم يحدثنا عن التاريخ وعدد من الجبانات وملوك الفراعنة وكراسيهم الحجرية، فقاطعته في اللحظة التي شرعت إحدى أهم عالمات الفن بشارع الهرم، وبهذا الملهى تحديدا في أداء وصلتها الوحشية والساخنة، وقد قام الشاعر من بين ركام أفكاري وصاح في العالمة:

"أنا لَنْ اُقبّْلَ اليدَ التي مُدَّت إليَّ في الهاويه
أنا لنْ ألبسَ أبدا تلك الشاشيه
أنا الذي جئتكم من بلاد الشاويه".

توقفتُ عن الكلام لأنني واع بتحريف شعر جميل لشاعر رقيق في زمن مضى، ثم التفتتُ ُنحو سالم طالبا منه أن يحكي لي عن الأحياء الواقعيين الذين نحن بين ظهرانيهم. آنذاك وبدون رابط (ولعل ذلك من فرط تدخينه لتلك الشيشة، تحول كائنا عجائبيا بينما بقيتُ قابضا بيد من حديد على واقعيتي المفرطة، أما عبدو الفيلالي فكان شاهدا من العصر إلى الفجر)، تحول أحمد سالم يغني منتشيا بالواقعية التي طلبتها منه، أغنية (الناس الرايقة) لأحمد عدوية ورامي عياش:

(وبَحِبْ الناس الرَّايْقَه.. اللِّي بتضحكْ على طُولْ
أَمَّا العَالم المِدَّايْقَه.. أنا لَأَ مَليشْ في دولْ
ومليش في الدمع لا لا.. ولا في الناس الشَيَّانه
كل اللي فـِ قلبُه حاجه.. أول بـ أول بيقولْ).

قال لي سالم وهو منتش بالأغنية وكلماتها:
ـ هذه الأغنية يا دكتور، تختزل كل التحولات الرهيبة القادمة وتقول ما لم يستطع المسؤولون العرب التعبير عنه في كل البلدان العربية.. اسمع الباقي الذي تقوله.

ثم عاد إلى الغناء منشدا:

(وبَحِبْ اللي مْخَلِّيهَا على الله.. اللِّي ما يَحْسَبْهاشْ
ده العمر قْصيَّر ليهْ نِتْغَيرْ.. ولاَّ مَنْعِشْهَاشْ
بقَّى كمْ شالوا همِّي وحرقةْ دمْ.. يا عيني راحوا بَلاشْ
دآهو كده على جرح قال انا ياسلام
في التمام رامي عياش...).

تواصل سمرُنا العامر بنقاشاتنا الأزلية في عالم تقوده الحياة والرغبات، حيث لا حاكم ولا محكوم، لا غالب ولا مغلوب.

(5)

أبواب الحياة
واصلتُُ تتبع أشغال المؤتمر والالتقاء بالأصدقاء من مصر وباقي الدول العربية المشاركة معنا، كما حرصتُ على اقتناء الكتب من المجلس الأعلى والمركز القومي للترجمة ومكتبة النهضة ودور النشر المصرية الشابة التي غيرت مشهد النشر (العين، الدار، ميريت...) كما حرصت خلال كل أيام تواجدي على تتبع الجرائد اليومية: الدستور، الأهرام، الجمهورية، أخبار اليوم، روز اليوسف، الأهالي (أسبوعية)...

وأزعم أن الوطن العربي وغيره من بلدان العالم، لا تعرف مصر إلا عن طريق الآداب والفنون والتاريخ، فما حققه جمال عبد الناصر على مستوى الوجدان الشعبي العربي، حققته كتابات الأدباء والفنانين في صوغ وجدان القراء والمثقفين العرب. هل يمكن لأحد أن ينسى أمل دنقل أو يحيى الطاهر عبد الله أو نجيب سرور والمئات من الشعراء والقصاصين والروائيين والأدباء في كل الفنون.

شخصيا لم أعرف مصر ـ مثل غيري من قبل ومن بعد ـ إلا من خلال روايات نجيب محفوظ وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وبهاء طاهر وصنع الله إبراهيم وخيري شلبي وغيرهم من نفس جيلهم أو من الأجيال الجديدة. كما لم يكن من الممكن أن يتحقق الالتحام الثقافي المصري العربي والعالمي، في شكل غير مسبوق ومستمر، منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا بفضل د/ جابر عصفور الذي جعل من أسئلة الثقافة جزءا من أسئلة الحاضر والمشهد العام.. وهو الآن يواصل تأسيسه للخط الثاني من السكة، رفقة باحثين ونقاد، في المركز القومي للترجمة.

هذه هي مصر التي في خواطرنا، من كتابات وأصدقاء وصور:خريطة من الفنون، بمتاحف غنية ومتنوعة: (المصري، القبطي، الفن الإسلامي، قصر الجوهرة، قصر المنيل، متحف مختار ومحمد محمود خليل) ثم المتاحف الطبيعية المشكلة للمعالم التاريخية، الفرعونية من الأهرامات وغيرها.

من فوق جبل المقطم، حيث الشعور مضاعف آلاف المرات. أحذق النظر لأرى كل شيء، أرض القاهرة منذ حوالي 4225 قبل ميلاد السيد المسيح، في المكان الذي سمي اليوم عين شمس... معالم حية تطوف في الخاطر دون أن تبرد. هنا وهناك.. في جامع عمرو بن العاص بمصر القديمة، وجامع ابن طولون، وجامع محمد علي في قلعة الجبل، وجامع الناصر محمد بن قلاوون في الرحبة الحمراء بوسط القلعة، إلى جانب الأزهر الشريف (الفاطمي) ومسجد الحسين، والرفاعي والسلطان حسن. ثم الكنائس القبطية: الكنيسة المعلقة بمصر القديمة، وكنيسة القديسة باربارا وكنيسة أبي سرجة، ثم قيصرية الريحان وماري جرجس والقديس مارقريورس.

رواية قصيرة جدا (3)
(فجر يوم الثلاثاء، ثالث نونبر): في هذا الجزء الثاني من الرواية وبعد ثلاثة عقود وما يزيد، يتوارى الآباء، بعدما صاروا صورا بالأبيض والأسود، وبقايا أناس. لكن الأبناء في الواجهة يخوضون تجاربهم المدهشة.

لذلك خصصتُ هذا الجزء لتتبع ثلاث شخصيات من الجيل الجديد، في ثلاثة فصول:

الفصل الأول: حول شخصية عصمان الجبلاوي نجل علال السمسار، وقد أصبح رمزا من رموز السلطة بثروته الكبيرة جدا يتاجر في الأسلحة والعقارات، وهو مالك لعدد من القصور في الجبل والبحر، وعدد من الأبناك والصحف وأسهم مالية في شركات كبرى.

الفصل الثاني: وخصصته لسيرة شخصية همَّام أصغر أبناء السبايسي. والذي احترف التمثيل بمسرحين ابتناهما لنفسه، واحد في سفح الجبل يقدم فيه تمثيليات هزلية لعامة الناس، والثاني في قمة الجبل يضحك فيه الحاكم وبقية علية القوم. وله اليوم فرقة مسرحية اكتسحت كل الجزيرة.

الفصل الثالث: يروي سيرة ولاء الطيب واحد من أبناء الفقيه الطيب. وقد كان ولاء عضوا نشيطا ضمن تنظيم ثوري سري يضم عددا من أبناء سفح الجبل، هدفهم إسقاط الحاكم وهدُّ القصور وإنشاء جمهورية على غرار جمهوريات أمريكا اللاتينية. وكان شاعرا يقول قصائد حماسية قوية يحفظها كل أعضاء التنظيم السري.

اعتقلهم الحاكم، ولسنوات مديدة ظلوا قابعين في السجون، ولما خرج ولاء لم يلبث أن أصبح صديقا حميما للجبل وقد أدرك أنه تجاوز مرحلة طيش الثوار الذي "أضاع رواء روحه" إلى رصانة معقولة يُفيد فيها ويستفيد، تُعبر عن توبته الصادقة والنصوحة، لذلك فقد انخرط في جولة وطنية، لسنوات، يطوف بالجبل راويا ومبشرا بالعهد الجديد وبالمنهجية الديمقراطية، مُنشدا قصائده الجديدة.

وختم الشاعر ولاء الطيب حياته بالانخراط عضوا أساسيا في فرقة التمثيل للسيد همَّام، يقوم بأدوار لم تصل بعد إلى البطولة المطلقة. يمثل في مسرح السفح والقمة بدورين مختلفين، ويكتب الحكي والحوار.. وذلك سر من أعز الأسرار وسبحان الواحد القهَّار.

اكتشاف مخابئ السرد
تواصلت أيامنا بالقاهرة، حيث التقيتُ بعدد من الأصدقاء والزملاء للتنسيق بخصوص أعمال مشتركة، كما وقَّعتُ على عقود نشر، والتقيتُ أيضا بمجموعة من الطلبة المغاربة الذين يتابعون دراساتهم بمصر، كما جالستُ د/ هدى وصفي ود/ عماد أبوغازي ود/ حلمي النمنم ود/نبيل حداد ود/ محمد شاهين والمبدع الغالي نبيل سليمان وعزت القمحاوي وحسين حمودة في جلسات عمل وتنسيق، وعدد آخر من أدباء مصر والأردن وسوريا وتونس والبحرين واليمن واليابان والسودان والجزائر...

*   *   *

الصباح القاهري مثقل بما يحمله من أحلام الليل، متأهب لأدخنة الشيشة المتخايلة بفعل شذو "المعسل" وبديهة الأفواه المتعطشة لاعتصار اللحظة من جذريتها.. فتضيق كل المشاهدات في التفصيل والتكثيف.

هبطنا (بل هبطتُ وحدي وخلفي دهشاتي ) مصر القديمة والأدراج المؤدية إلى الخلوة التي اختبأ فيها السيد المسيح ومريم (أو من كان يشبههما ). والكنيسة المعلقة والأخرى المشيدة بسلام أبدي يلتقي بطمأنينة السيدة زينب الراقدة في إجلالة أمنا المخلدة وسهو السلاطين الذين يمكن تتبع هرولاتهم الوهمية من فضاء القلعة أو البرج الناصري.

أينما وليتََ.. يُمكن أن تجد الطمأنينة في مكتبة القاهرة الكبرى، في المجلس وفي وكالة الغورية وكل المساجد العتيقة ومحل الكاسيت الذي ينتشي بأغاني اسمهان والمقطوعات الثورية لعبد الحليم بعد يومين فقط من النكسة.

رواية قصيرة جدا (4)
(الفجر الأخير لي في القاهرة، الخميس خامس نونبر): شعرتُ بالضجر من تلك الرواية التي لا أفكر فيها إلا فجرا، فقررتُ تمزيق كل الصفحات التي كتبتُ.ثم بعد لحظة تساءلتُ في حياد تام لماذا التخلي عن أفكاري وخيالاتي؟

عدتُ إلى فراشي. تمددتُ وتراجعت عن إجراء اتصال مبكر بعبدو الفيلالي الغارق في النوم بغرفته رقم 1105، فلجأتُ إلى التلفاز أتابع أخبار الجزيرة.

أغمضتُ عيني وأنا أفكر في الأسباب الذي دفعني إلى التفكير في إعدام نص لا ناقة ولا جمل له في ما أفكر فيه.

هناك ثلاثة احتمالات كانت وراء تفكيري ذاك:

الأول: إذا كنتُ في الجزء الأول من الرواية قادرا على التحكم في الآباء الأربعة، لأنني صُغتُ تفكيرهم منذ البداية، فإن أبناءهم في الجزء الثاني، وخصوصا عصمان وهمام وولاء تمردوا عن سيطرتي، فشعرتُ بأني لم أعد روائيا وإنما أداة منفذة لِما يخططون له.. وخشيتُ على نفسي ـ والحق يقال أيها السادة ـ من السقوط في ما لا أرتضيه لنفسي ككاتب وإنسان.

الثاني:هُيئَ لي أن شخصيات الجزء الثاني بدأت تأخذ ملامح شخصيات من هنا وهناك أعرفها جيدا كما تعرفونها أنتم أيضا.

الثالث: اكتشفتُ أن الشعر الوارد على لسان الشيخ الضابط حمان، أثناء مبايعته لحاكم الجبل، هو نفسه القصيدة الزجلية لشاعر عربي مصري كبير قالها في سياق آخر.وحينما ترجمته إلى المغربية تبين لي أنه نفس شعر شاعر من كازابلانكا فخشيت من تمثيلياته وعدلتُ عن إيراده في نص الرحلة.

أكتبُ.. لنفي التأويل
استمر خروجي في المساء نحو زيارة الأماكن التي رغبت في زيارتها، وفي كل مرة أُدرك أن كل مصري يحمل بداخله تاريخه الخاص والعام، جرحه وفرحه، كذلك الحجارة والأمكنة.. حتى خُيل لي أنه بإمكاني تتبع خطوات الأنبياء وأثرهم الذي لا يمحي، والإحساس بخشوعهم في فضاءات الكنانة الهادئة إلا من خرير المجرى الأبدي للنيل.

رأيت سيدنا الحسين شامخا، وسيدات التقوى والبر الغالي، زينب وسكينة وفاطمة النبوية وعائشة ونفيسة، كما اقتربتْ روحي من الصلحاء الفضلاء الإمام الشافعي وأبو الحسن الشاذلي وأحمد البدوي وأبو العباس وإبراهيم الدسوقي.

شعرت بمسحة حزن تطوف بخاطري لما لم ألتق هذه المرة ببعض أصدقائي.. بهاء طاهر، جمال الغيطاني، فريال غزول... كما تذكرتُ أصدقاء نبلاء جمعتني بهم صداقة حقيقية ورحلوا عنا: خيري عبد الجواد، يوسف أبو رية وأستاذتي الفاضلة فاطمة موسى.

*   *   *

أنتَ تقتلني وتُحييني، كلما طاف دمي بعروقي طوفانه اليومي أجدكَ في كل المنحنيات تتوضأ، تقرأ الشعر وتكتب الخطب ثم تصنع للأنبياء نِعالهم التي سيسافرون بها إلى منافيهم الأزلية.

chouaibhalifi@yahoo.fr