تقرير من برلين

بين سعيد مهران وحيدر ابراهيم

حامد فضل الله

تعرفت على د. حيدر ابراهيم أولاً عبر كتاباته فى مجلة الوحدة والتى كانت تصدر بالرباط-المغرب حين كان عضواً في المجلس القومي للثقافة العربية  قبل ان يحقق حلمه بإنشاء مركز الدراسات السودانية بالقاهرة .وكتبت نصاً من برلين نشر بتاريخ أغسطس 1992 بعنوان : " مجلة  كتابات سودانية  تحية وإعجاب " جاء فيه :

تلقيت العدد الأول من المجلة بفرح يعادل فرح الوالد الذي يستقبل مولوده الأول، وكنت قد سمعت بفكرة اِصدارها من صديق قادم من السودان .

  ألقيت نظرة خاطفة على صفحة الغلاف ، وقبل أن اطلع على المحتويات وأقرأ المادة ألقيت وبحركة لاشعورية نظرة على صفحة الغلاف الأخيرة :

" بالكتابة نهزم سلطة البياض وعقل المشافهة .

بالنقد ننقض بلادة المؤسس والمستقر

اِعادة الفكر نقديا في الواقع والفكر السوداني

توثيق الثقافة السودانية بكل تنوعاتها ".

قلت لنفسي هذه كلمات رائعة مضيئة ، ولكن لماذا هذا الطموح ؟ فالمجلة تحبو – والذي يعمل في مجال النشر من أجل اِشاعة الفكر والإبداع والثقافة الراقية يدرك كم من المشاريع الطموحة وئدت في مهدها –.

وجاء صدور العدد الثاني من المجلة ليؤكد اِصرار هيئة التحرير ويبرر الطموح. فالذي يقرأ ما ينشر  الآن في الوطن يصاب بالدوار والغثيان والذهول. نحن بأمس الحاجة اِلى مجلة فكرية أدبية سياسية –

جاءت كلمة السياسة في المرتبة الثالثة –لأننا نخشى طغيان السياسي وأولويته على الفكري والثقافي والأدبي بعد أن أصبحت السياسة شغلنا الشاغل .

ولكن هل من الممكن الابتعاد عن السياسة حين نتعرض لمشاكل الوطن ؟ وهل يمكن فصل الفكر والأدب عن السياسة ؟ اِن اللغة نفسها ليست نقية من السياسة .

نعم نريدها مجلة تقدم الأبحاث والدراسات الناقدة الموضوعية، تبحث عن الحقائق لا عن الإِشاعات والمقصودة أحيانا ، سيان إن كان ذلك من السلطة أم من المعارضة .     

واِذا أردنا كتابة التاريخ والفكر السوداني فعلينا أن نفعل ذلك بشجاعة ودون مجاملة وأن نتعرض للأحزاب السياسية جميعها ولدور المثقفين السودانيين الأعضاء في هذه الأحزاب, وخاصة تلك التي لا تمتلك برنامجا سياسيا ولا خطة للحكم ولا ديمقراطية داخلية ولا تناضل بل تجري فقط وراء السلطة وعندما تنالها تمارس السفه فينا.      

عندما أطلعت البرلينيين على العدد الأول جاءت الأسئلة خافتة متوجسة : من هم هؤلاء الناس ؟ ومن يقف خلفهم ؟ في عالم مليء بالكذب والنفاق والابتزاز والعمالة لا يصدق أحد بأن هناك من لا يزال صامداً لا يملك اِلا قلمه وضميره .         

نتمنى لمركز الدراسات السودانية أن يصبح مركزاً ثقافياً قادراً على قبول الاختلاف والتعدد الفكري، تنبثق منه خطابات مستقلة ويرفض كل أشكال الهيمنة ويفتح المجال لأقلام غير سودانية  للمشاركة في الكتابة والنقد حيث إن اسم المجلة ربما يوحي بنظرة اِقليمية ضيقة .       

من برلين منفانا الاختياري لكم التحية والإعجاب في منفاكم الاِجباري ويسعدنا أن ننضم اِلى هذا الركب النبيل .

[نُشر النص الكامل في العدد الثالث من مجلة كتابات سودانية أبريل 1993].

أكمل مركز الدراسات السودانية الآن عشرين عاماً منذ تأسيسه فهذه فرصة مواتية للجرد والتقييم.

لا تزال مجلة كتابات سودانية تواصل الصدور بالرغم من الصعوبات التى تواجه هيئة التحرير في جمع الموضوعات والمواد بالنسبة لكل عدد وعدم التزام الكتاب بالمواعيد مما يؤخر صدور العدد, وكذلك أحجام البعض منهم عن الاِسهام ومكابدة التمويل والتوزيع. ولكن مع الصمود والإصرار تتجاوز التوقف المؤقت ثم تعود وتواصل المسيرة الحية لتصل الى العدد 55. وكان كل عدد يحتوى على مواد قيمة ومتنوعة ومن كتاب من مختلف الأعمار والاِتجاهات الفكرية. وفتحت صفحاتها لمشاركة كتاب غير سودانيين لإِثراء التنوع وتبادل الخبرات

اصدارات المركز وصلت الى ما يقارب 215 بما فيها كتب حيدر التى فاقت العشرين وبعضها أعيد طبعه عدة مرات والتقرير الاِستراتيجي السنوى والذى صدر منه حتى الآن 12 عدداً  تتناول فروع المعرفة المتنوعة  في الفكر السياسي والاجتماعي والانثربولوجي  والأدب والفن التشكيلي والموسيقى  بجانب  الندوات وورش العمل التى كان المركز ينظمها والتى بدأت بالقاهرة بصورة مكثفة تجمع كل الأطياف في حوارِ صريح ومفتوح حول قضايانا المزمنة ومن أجل مستقبل واعد للخروج من الأزمة التي تُضيق الخناق على رقابنا, وبه نكسر التخلف الذى كاد أن يكون مؤبداً .. ويقوم حيدر بمراجعة بعض الكتب لكُتّاب من داخل وخارج السودان. واستذكر منهم الآن المراجعة العميقة لبعض أعمال المفكر والاقتصادى البارز والمناضل المصرى بامتياز الدكتور سمير أمين في ندوة اقيمت في القاهرة تكريما لسمير أمين شارك فيها عدد من كبار المفكرين والمثقفين من العالم العربي. كما قام بعض المثقفين بمراجعة بعض أعمال حيدر أذكر منهم الكاتب المصري الأستاذ حلمى شعراوى  والخبير في الشأن السوداني, منها مثلاً مراجعته لكتاب حيدر " لاهوت التحرير" الذى نشره في المجلة الفصلية الهامة " قضايا فكرية " التى كان يصدرها الناقد الأدبي المعروف محمود أمين العالم فى العدد  الثالث والرابع عشر أكتوبر 1993 (الكتاب) "الأصوليات الاِسلامية في عصرنا الراهن". وقبل أن يدخل في مراجعة كتاب حيدر يقول حلمى شعراوى "أن جهد د. حيدر ابراهيم الريادى في معالجة موضوع لاهوت التحرير- لا يمكن عزله عن اجتهادات مثقفين آخرين في اقتحام مجال التحليل الاجتماعى العلمى الموضوعى للمسألة الدينية والفكر الدينى ." كما يشير ويثمن كتاب الدبلوماسى محمد المكى ابراهيم " أصول الفكر السوداني ", وكتاب د. عبدالله على ابراهيم " الصراع بين المهدى والعلماء ",  وكتاب الأستاذ طه ابراهيم " هذا أو التخلف ". ويشير كذلك الى العديد من الدراسات في هذا الاتجاه, وخاصة باللغة الإنجليزية للدكتور عبد الله أحمد النعيم, وكذلك كتاب " المهدى ثائراً " للدكتور محمد سعيد القدال. ثم يعود الكاتب حلمي شعراوي الى كتاب حيدر ثانية فيقول عنه "وكتاب " لاهوت التحرير : الدين والثورة فى العالم الثالث " ليس مجرد جهد من حيدر ابراهيم كأستاذ فى علم الاجتماع الدينى، اطلع فى اصعب ظروف عمله ونفيه الاختيارى على جهود أصيلة حول لاهوت التحرير فى امريكا اللاتينية بشكل أساسى مع المرور بأهم ملامحه فى افريقيا وآسيا طارحا قضايا للقارئ العربى بتركيز مقتدر. وإِنما ترجع اهمية الكتاب أيضا اِلى " مقدمته " الوافية والمركزة عن الجهد العربي فى مجال " التجديد والإصلاح "          

وكذلك اشير الى مراجعة أخرى قام بها الشاعر والكاتب المصرى حلمى سالم لكتاب حيدر " سوسيولوجيا  الفتوى ", وقد نشرت المراجعة فى المجلة الثقافية " أدب ونقد "العدد 305 يناير 2011 بعنوان "الفتوى تعطيل للعقل ورعب من الحرية ". إن ما قدم به المفكر السوداني د. حيدر ابراهيم فى كتابه المهم لكى يضيء بعض مظاهر أزمة الاِنسان المسلم الذى ترك مستقبله خلفه ليعيش حالة من الفوات التاريخى ، وفى زمن فلكى يختلف عن زمنه الحضارى. فهو يخشى الحياة الطازجة المتجددة المتغيرة ويحنطها فى نصوصِ وتراثِ وعنعنات.                

وحيدر اصبح معروفاً كمحاضر ومحاور جيد, فلذلك تأتيه الدعوات من مراكز ابحاث مختلفه  - للمشاركة  في الندوات العامة والمتخصصة - من بيروت وقطر وتونس والكويت والقاهرة والإسكندرية وبريطانيا. وانتخب حيدر في العام 1998 \1999 سكرتيراً للهيئة الإدارية للجمعية العربية لعلم الاجتماع. وفى هذه الفترة صدر العدد الأول من مجلة الجمعية " إضافات ", وهو الآن عضو الهيئة الاِستشارية للجمعية. وكان حيدر ضمن لجنة التحكيم الخماسية التى كونتها مؤسسة ابن رشد للفكر الحر في المانيا لاختيار الفائز لجائزتها لعام 2003. وكان  موضوع الجائزة  ( التنوير) التي تمنح لمفكر وأستاذ جامعي عربي (رجل أو امرأة) من منظري الفكر وأحد رواد العقلانية، إذ ساهم بجسارٍة فى فتح آفاقٍ جديدة فى ذلك مع خطاب عصر النهضة والخطاب التراثي. وقد نال الجائزة المفكر الجزائرى الكبير محمد اركون.

انتقل حيدر بمركزه الى الخرطوم وهو يعلم جيداً المناخ السياسي و مساحة الحرية المحدودة المتاحة وصعوبة النشر ولكن كان لابد له من المجازفة ونقل التجربة الى الداخل. فالتأثير هنا أكبر وانجع. مارس حيدر نشاطه كالمعتاد من محاضرات وورش عمل بالاشتراك مع منظمات المجتمع المدنى الأخرى مع مواصلة اصدار المجلة والكتب وقام بدعوة بعض المفكرين والأدباء والفنانين الذين حضروا الى السودان وقدموا مساهمات ممتازة منهم سمير أمين, فريدة النقاش, حسن حنفي, على حرب محمود درويش, مارسيل خليفة, طيب تيزينى, كريم مروه, محمد عفيفى مطر, جمال البنا, حلمى سالم, عزالدين نجيب, أمينة النقاش, حلمى شعراوى, حسن ابو طالب وغيرهم. دعا الأستاذ علي عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية اِحدى هذه الوفود لحفل عشاء, وكانت الحكومة أيضا طرفاً فى تقديم الدعوة لزيارة الخرطوم. تخلف حيدر عن حفل العشاء. قلت له لماذا هذه المغالاة ؟ وأعضاء الوفد هم فى نهاية المطاف أيضا ضيوفك, قال انه منذ عودته لم يرحب به أي مسؤؤل ولم تقدم له فى السابق أى دعوة  فلماذا الآن ؟ اِنها عزة النفس واحترام الذات .

عند زيارتى الأخيرة للقاهرة التقيت حيدر حيث يسكن فى شقة بالإيجار وبحضور زوجته المكرمة والتى عانت معه متاعب الترحال والأسفار والغربة والتى اهداها احد كتبه " اِلى حياة زوجتي، تقديراً لتحملها تلك الروح القلقة ", أنها الروح المفعمة بقلق البحث وعمق السؤال ووجع الاِجابة .

سألته ما هو جديدك ؟ فرد أربعة كتب .هدية للشعب السوداني. وصدرت الكتب الأربعة فعلاً فى فترة وجيزة :

الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد فى السودان .

السودان الوطن المضيع .

التجديد عند الصادق المهدى – الإشكاليات والاختلالات .

مراجعات الإسلاميين، خسارة الدين وكسب الدنيا .

كتاب حيدر عن الاِمام السيد الصادق المهدى، كتاب رصين وجهد عظيم يتعرض فيه الى قامة دينية وفكرية وقومية على النطاق الداخلى والخارجى وخلافية فى الحياة السياسية السودانية. يستعرض الأسس الفكرية والنظرية والمنهجية والنشأة والتكوين ومصادر المعرفة فى فكر الاِمام .

جاء فى المقدمة  "ونحن ... الى محاورة الاِمام اِقصى مدى بكثير من الاحترام المستحق لعدة أسباب : أولها إِحراجه للساسة السودانيين بأن السياسى السودانى يمكن أن يفكر، ويقرأ، ويكتب ثانيا، روح المثابرة والصبر رغم ظروفه الخاصة وظروف السودان التعيسة ثالثا، هو من أكثر السياسيين السودانيين الذين قابلتهم أدبا وكرما وهذا هو الشعور الحقيقي نحوه، ولكننى أحب الحقيقة أكثر".

حيدر يكتب عن الشخصيات السياسية والفكرية والقومية المعروفة بوضوح وبدون مواربة وهم على قيد الحياة، فأمامهم الفرصة ليناقشوه ويجادلوه ويصوبوه .

هذا عرض مكثف لجهود حيدر الثقافية المتواصلة وإصدارات المركز المتعددة والمتنوعة مكشوفة ومعروضة على الملا اُقدمه هنا من غير تعليق تاركاً ذلك لكل ذي بصيرةِ وحسِ سليم ومن يمتلك القدرة على قول كلمة الحق وذلك بعد قرار وزير الثقافة والإِعلام بإِغلاق مركز الدراسات السودانية بالخرطوم بتهمة تهديد الأمن القومي.

تقوم منظمات المجتمع المدني فى الدول الحديثة بدور هام وتساعد الدولة فى تنفيذ برامجها بتقديم الخدمات فى المجال الثقافي والاجتماعي والصحي والمشورة وذلك بحكم التصاقهم المباشر مع المواطنين فى المناطق السكنية ولذلك ترصد الدولة لهم ميزانية خاصة لتنفيذ مشاريعهم المحددة والمفصلة. أما فى دول العالم الثالث فمفهوم المجتمع المدني لم يترسخ بعد وتحيط به الكثير من سو الفهم. أما فى الأنظمة الشمولية تعتبر هذه المنظمات شوكة  فى عين الأنظمة, فهى بجانب عملها الاجتماعي تقوم بدور التثقيف والتوعية السياسية فى مجال حقوق الانسان وحقوق الأقليات ومفهوم الحرية والعدالة الاِجتماعية بعد أن تخلت السلطة عن التزاماتها حيال مواطنيها. ولذلك تحاول السلطة دائما اختراق هذه المنظمات والمؤسسات من أجل تدجينها, وعندما تفشل فى ذلك تنشر حولها الاشاعات والاتهام بالعمالة للخارج وبالفساد المالي والإدارى تمهيداً لحلها ومصادرتها. أنه لأمر محزن أن نجد بعض المثقفين فى بلادنا الذين لا نشك فى معرفتهم بأساليب وألاعيب السلطة بحكم خبرتهم السياسية يشاركون فى نشر هذه الاِشاعات من منطلق وغرض شخصى بحت لا يفصحون عنه ويختفون خلف هذه الاِشاعات وهم يعلمون حقيقة زيفها وبطلانها .

التقيت بالأستاذ الباقر العفيف مدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية الذى تم حله أيضا من قبل جهاز الأمن عندما جاء مشاركاً فى احدى ندوات منتدى السودان السنويه فى مدينة هيرمانزبورج بألمانيا وقدم محاضرة ممتازة, وكنا فى برلين قد جمعنا تبرعات مالية قليلة كمشاركة رمزية نعلن فيها تضامننا وتأيدنا لفكرة تكوين المركز. وكنت اتابع تطوره عن كثب وأتلقى أخبار مناشطه من الثقات والذين يعملون أيضا فى مؤسسات المجتمع المدني, إذ كان مركز الخاتم عدلان يعتبر منافساً لهم, فقالوا بكل وضوح أن المركز يقوم بدور هام فى بناء القدرات الشبابية ويقدم دورات للمناطق الطرفية المنسية . 

يتساءل المرء بحق لماذا تغلق مؤسسات ناجحة لا تكلف الدولة شيئا وعائدها يعود الى المواطن الذى تخلت عنه الدولة, بينما المؤسسات العديدة والمراكز( المستودعات ) الفكرية التى كونتها الحكومة ومدعومة مالياً من الدولة بقوة بهدف دعم الحياة الفكرية والسياسية فى السودان ومساعدة الدولة فى اِتخاذ القرار السياسي مردودها ضعيف جداً وليس له أثر يذكر فى الواقع المعاش, ولكنها رغم ذلك لا تزال تتلقى الدعم ويهدر المال العام رغم النقد الحاد الذى يقدمه أعضاء من داخل التنظيم ويطالبون بحلها.

عندما كنت أكتب هذا النص تذكرت رائعة نجيب محفوظ ( اللص والكلاب ) 1961, روايته القصيرة ذات المضمون السياسي والاجتماعي والفلسفي. والشخصيتين الرئيسيتين سعيد مهران و رءوف علوان سعيد مهران, الذى خرج  توه من السجن ويخضع للمراقبة الأمنية ويتفادى زوار الفجر, كان يلجأ الى الشيخ على الجنيدى المتصوف والى المومس نور المطحونة مثله, ثم يلتقى بالصحفى رءوف علوان الذى أمن بالثورة ويتعلم على يديه مبادئ الحرية والعدل والحياة الكريمة والنضال ضد الظلم وضد الذين جمعوا الثروات من عروق الفلاحين البسطاء, ثم يكتشف سعيد مهران خيانة  أستاذه لمبادئ الثورة وخيانة ماضيه وكفاحه وأصبح من سكان القصور وتضخمت ثروته, وكان لابد من المواجهة. استشعر رءوف نذير الخطر فأوشى به وساعد الأجهزة الأمنية في رصد تحركاته ليحكموا عليه الحصار. لم يتمكن من الوصول الى الشيخ الجنيدى كما لم يجد نور فى بيتها فانطفأ آخر أمل له (لاحظ رمز الأسم نور ) فكانت المواجهة والاستسلام والضياع .

ولكن لن يستسلم حيدر وأمثاله من المثقفين والمبدعين وهم ليسو قلة فى بلادنا وسيشعلون النور من جديد ويقومون بدورهم المقدس فى الدفاع عن حرية التعبير وحرية النشر وحرية الرأى والعقيدة. فإغلاق مركز الدراسات وأعقبه غلق مركز الخاتم ثم منع ندوة اتحاد الكتاب السودانيين حول " مفاهيم الديمقراطية والعدالة الاِجتماعية " سيعقبها مصادرة الكتب ثم حرقها, والذى يحرق الكتب سوف يحرق الناس كما يقول الشاعر الالماني الكبير هاينرش هاينه.

لقد كنا جزءً من الحركة الاسلامية وعشنا بداية تجربتها الروحية بما فيها من طهرٍ ونقاء .

وجاءت حكومة الاِنقاذ الوطنى وتعلن " الثورة الزراعية والتعليمية والاقتصادية وتطلق الشعارات التى تحولت إلى حبر على ورق وأصبحت هدفا للتهكم والسخرية مثل نلبس مما نصنع وعجلات المصانع لا تدور ونأكل مما نزرع والمواطن يطحنه الغلاء والفقر والجوع ويعمه الجهل.

وينفتح الباب على مصراعيه للانتهازيين والمنافقين الذين يركبون الموجة ويستشرى الفساد.

والأستاذ الموصوف بالحنكة والمقدرة يمتص المهانة خادعاً نفسه بأن المسؤلية تطارده.

والحكيم الحصيف تحاصره الحيرة وما يسطره فى البداية ينسخه فى النهاية.

والذى كان يمتشق الحسام ( السيخ ) ركع أمام من ركع من قبل.

وضعفت النفوس أمام المال السائب والثراء الفاحش والانغماس فى متاع الدنيا

من يجاهر بالحقيقة والصدق مع النفس بعدما انعدمت الرؤية والبصيرة وتلاشى الطهر والنقاء .

" الاِنسان يا محميد, الحياة يا محميد ما فيها غير حاجتين: الصداقة والمحبة. وما تقول لي لا حسب ولا جاه ولا مال. يوم الحساب يوم يقف الخلق بين يدي ذي العزة والجلال شايلين صلاتهم وزكاتهم وحجهم وصيامهم وهجودهم وسجودهم، سوف أقول يا صاحب الجلال والجبروت عبدك المسكين الطاهر ود بلال ولد حواء بنت العريبي يقف بين يديك خالي الجراب منقطع الأسباب، ما عنده  شيء يضعه فى ميزان عدلك سوى المحبة"

( رواية مريود \ الطيب صالح )

ما أعظمك يا مبدعنا يا طيبنا الصالح . رحمة الله عليك .