تستقصي الأكاديمية الجزائرية نصا شعريا لناقد أدبي ظل يحاور النصوص نقديا، وفي مقالها نكتشف نصا شعريا يقوم على مفهوم يتحول الى مأزق الاختلاف، والذي ينهض من وجع مرير بمأساة المكان/ الوطن.

بين حاضرة الوجع ومأزق الاختلاف

غزلان هاشمي

ذات بحث التقت لحظتي بمثقف ومبدع عربي أصيل،  كنت قد عرفته محاورا للنصوص وناقدا تجاوز حد التطابق بحثا عن الاعتبارات المغايرة التي تسكن في ثنايا النص وبين مسافاته المعتمة،  ذلك هو الباحث والناقد والشاعر المغربي الدكتور مصطفى الغرافي،  الذي تغنى بوطن الشعر وغربة الذات حال انفصالها عن هذه المتعاليات الابداعية وصدمتها بواقع سيجه الوجع،  فاخترت من نصوصه الشعرية قصيدة وجدتها الأقرب لكل ما قلته والأكثر تمثلا لهاجس الاختلاف، ولربما مسماها أقرب توصيفا لهذه الحالات مجتمعة، وهذه القصيدة هي الموسومة بـ"سيدة القلب المعنى". فما حدود الاختلاف فيها؟.

العنوان: "سيدة القلب المعنى" يبدأ العنوان بمعنى التفخيم والرفعة وسمو المرتبة"سيدة"، وتلحق بهذا المعنى دلالة الود والشوق والحميمية والارتباط والصلة الوثيقة "القلب"، لتوصف هذه الدلالة بالتكليف الذي يشق عليها"المعنى"، وكأن بالقصيدة هنا تتحول إلى وجود متعال، أو حضور يتسامى بمنطقه وهويته عن دائرة المألوف والمبتذل والسطحي، ليتحول إلى إمكان إبداعي مترفع باحث عن قارئ نوعي يتفهم ارتباكاته ويكشف ترميزاته، وبهذا كله تسود إذ تخلق نوعا من الارتباط الحميمي بينها وبين المتلقي الذي يشق عليه في غالب الأحيان فك شفراتها، فيصبح في حكم المكلف تكليفا شاقا أو الواقع في مأزق الاختلاف والبحث عن دلالة المغايرة.

بغداد
وجع الذاهبين إلى الوطن
ريح تكسّرها الرياح ولا أثر
"...
ومتى استكان القلب". قالت
ولج بها الحنين.

تأتلق الشموس
في شفتيّ
يتولد كوكب 
كم قلت" إني لست مني
إذا شفني الوجد
أو ترجلت فوق أرضي الأشواق".

يهدف تسكين القصيدة إلى حصر معناها المركزي الذي بنيت عليه في ذلك الاعتبار الأحادي، لذلك يعتبر تأجيل الحركة من قبيل التركيز ولفت الانتباه إلى القضية المركزية، فبغداد التي تحمل معاني الذاكرة والتاريخ الموجوع والعراقة والفتنة والازدهار....تؤرخ لوجع القصيدة/الوطن، فتلغي جميع الاعتبارات الزمكنية القبلية والبعدية التي لا تنتمي إلى هذا المحمول الحضاري.إن الشاعر يمنح بغداد هوية مؤسسة على الألم"وجع الذاهبين..ـ ريح تكسرها.."، حيث يبقي على ذلك الحصر الذي يعكس تأزم الذات والفشل في التموضع خارج حدود الوطن/القصيدة من أجل تأسيس زمن إبداعي جديد، لذلك تتحول بغداد إلى منغلق وجودي أو حضور مسيج بالارتحال وخطر المكوث، فهي وجع الذاهبين إلى الوطن، وليست وجع الخارجين منه، وهي فوق ذلك ريح تكسر اعتباراتها الرياح التي تحمل دلالة الخير والأمل والبناء، حيث القصيدة/الوطن وهي تهدم أنساقها تبني اختلافاتها من جديد، ولا تبقي على أثر القديم أو النص الأصلي أو ما يدل على ذلك التهديم والتخريب المحدث من قبل التأويل.لتعبر حال الاستكانة والهدوء على حميمية الحضور المؤتلف بين النص وقارئه. ويؤكد النص هذه التوليدات المتعالية"الشموس ـ

كوكب"والمكتفية بخصائصها النوعية، حيث تمد المتلقي بإشعاعات القراءة المسيجة بأمل الوصول إلى حقيقة المعنى/الوطن زمن المستقبل"تأتلق ـ يتولد"، حيث يتبرأ من تموضعاته المألوفة حال ترجل شوق المتلقي إلى التوليد على أرضية بوحه.
بغداد
وجع خريفي وإسورة الدخان
من وجعي
أقد لعينيك شموسا
وأرحل عن بلاد
ليس تنبت غير حزن هجين
ويبقى وطن القصيدة مؤسسا على الوجع الثابت والمحصور في ذاكرة المكان، إذ الخريف يشي بذلك التغير الفجائي والمدمر لكل الاعتبارات القبلية التي كان يلفها الصمت والسكون والهدوء، ومن هنا فالاسورة التي تجعلنا نستحضر اليد رمز العطاء والكتابة والابداع، مصنوعة من دخان والذي يحيلنا إلى معنى الاشتعال والفتنة ، وكأن بالنص يكتمل إنجازه خارج حدود البذل والعطاء الشخصي، بحكم التركيز على الاسورة كمعنى محايث لا على اليد في حد ذاتها، إضافة إلى التؤسس على فتنة التأويل واحتراق المعنى الثابت، ليكون المستقبل وعدا بمنجز متعدد يسهم في خلق وطن النص والإضافة عليه لا في إقصائه"أقد لعينيك شموعا"، عله يتمكن من الرحيل عن ذلك الزمن الثابت المسكون بذاكرة الألم"وأرحل عن بلاد ليس تنبت غير حزن هجين".

وحده الليل كان صديقا للفراشات 
إذ تحط على كتفيّ
ووحدي
كنت أمتشق الحقول
إذ ترحل عن ثراي
وحدي
أحدّق في هذا الفراغ اللولبي
أهمس في ذهول:
"
لماذا تصدأ الروح
في هذا الشرق الحزين"
وليس لي كتاب يذكرني بالراحلين
"
ضائعة كانت
فرحة الأوطان. عالية
كانت حكمة الحكام"
ويقر النص بأن المتعاليات "الفراشات" ترافق زمن الالتباس"الليل" أو تتكئ عليه"كتفي" لتشكل اعتباراتها المختلفة زمن المستقبل "تحط"، حيث تقصى جميع السياقات ليتأسس التأويل على الخصائص الذاتية وحدها"وحدي كنت أمتشق الحقول"، ومن هنا فالنص بعيدا عن كل التأثيرات يختلس تلك المسافات الزمنية المتعثرة ليختطف المنجزات النصية البعدية الهاربة من التحديد والاعتبار المنضبط .إن النص يقع في مأزق التشتت والدهشة، حيث يصطدم بتلك الفراغات الكاتمة لبوح متجدد، فيسائل لحظتها عن سبب اختراق ذلك الوجع الذي يلف القصيدة"لماذا يصدأ الروح في هذا الشرق الحزين"، ليتجرد من كل المرجعيات القبلية "وليس لي كتاب يذكرني بالراحلين"تأسيسا لزمن جديد تضيع فيه كل ممكنات التمثل الهامشي بعد سقوط وهم التمكن والاصطدام بخيبة الوصول"ضائعة كانت فرحة الأوطان.عالية كانت حكمة الحكام".

تسربلت بالصباح 
ذهبت لبغداد
وجدت البلاد غير البلاد
لم يكن أحد هناك
ولم أكن فارسها الشريد

بغداد
سيدة القلب المعنّى 
وأنا الراحل عن أناي

ويستنجد النص/الذات بزمن الوضوح "الصباح" في دخوله إلى حاضرة الوجع والذاكرة المسكونة بالتوتر "بغداد"، حيث يقوم بتغييب الفعل وتوجيهه ناحية المنقضي"تسربلت ـ ذهبت ـ وجدت"، وذلك استعجالا للحظة التأويل والتعدد، حينما يموت النص الأصلي وتنقضي لحظته وينقضي معه زمن قائله،  ليصبح تحت سلطة المتلقين، وما يؤكد ذلك هو صدمة الانقضاء "وجدت البلاد غير البلاد لم يكن أحد هناك ولم أكن فارسها الشريد"، حيث تسيج بغداد/وطن القصيدة بهوية الالتباس، فاقدة ملامحها وخصائصها الذاتية، ليرحل النص الأصلي أو المعنى الثابت عن وطنه فاسحا المجال لهذه الاختلاقات المبنية على الاختلاف"بغداد سيدة القلب المعنى وأنا الراحل عن أناي"..


أستاذة جامعية/ الجزائر