يتناول القاص المغربي في هذه القصة شخصية من الشخصيات الشعبية وهي يسرد لنا شدة غرامه لينتقل بشكل سلس إلى طرفا من حياته وماضيه ومعاناته كي يقف عن قدميه وينجح من أجل الحبيبة القاسية التي تغيب وتعود إلى أن يميط اللثام في نهاية النص عن شخصيتها في بنية قصصية طريفة وممتعة وبلغة سرد سليمة.

لهيب الشوق

رفعت الكنياري

أضع صورتك بعناية بالغة نصب عيني لتظلي تحت المراقبة اليومية، في كشكي الصغير الذي اكتريته هنا في تقاطع الأحياء هذا. موقع استراتيجي واعد.

اكتريت هذا الكشك. جمعت الدرهم فوق الدرهم حتى وفرت رأسمال أستطيع أن أنطلق به  بثقة لا بأس بها، مع احتفاظي طيلة الوقت بالبسمة فهي رأسمال التاجر. خاصة تاجر الملابس النسائية.

لم تكن الفتيات اللاتي يتجمهرن حول المحل لتغريني وتغيرني عن حِبي الأزلي. ورغم أن المدينة العتيقة تكنز بيضات خدور لا يستهان بقدر إغرائهن، فأنا لا أبغي عن معشوقتي الأزلية بديلا. فالوفاء طبعي الذي جبلت عليه. وصورتها ميثاق العهد. تذكرني نظرتها الحادة المشوبة بشيء من الإغراء الأنثوي غير المفتعل بعهدي لها في ظلمات سينما اسبانيول، حيث همست لها والصدر يجيش وجدا وعشقا: سأفرد لك الحب ما حييت ولن تنازعك أجمل نساء الدنيا محلا سكنته في سويداء القلب.

                                      *            *           *

أحطت صورتك بهالة الطهر، وأحلام ترفل في بهاء الغواية. سلوت عني بك. في لحظات ما بعد العصر يحلو لي أن أناجيك، أنتقم بذلك من حالة الفراغ الذي أعيشه صحبة هذا الحي، فحركة التجارة تخبو كليا في هذا الوقت من اليوم. وأهتف لنفسي محفزا : اغتنم قلة الزبائن عنك وعن بضاعتك وغص في معاني البسمة المحيرة. استخرج من ثناياها كل دفء الكون، استخرج معاني الإغراء المختبئ في الطهر البهي". فبِـطنة العصر من بيصارة الحساني في الملاح تغلف الحواس بدفء وسن بهيج يخيل على إثره لك العالم إغراء متتابع، وتحمل فيه البسمة معان وطلبات وربما نزوات ... ما تنفك تعود إلى الوداعة بعيد العصر، ثم تتحول إلى نظرات يقظة تشبه الضمير، تحثني على إفراد الوله لك من دون فتيات المدينة اللاتي تقبلن على المحل لاقتناء أغراضهن في فترات الرواج، وفي نظراتهن معان كثيرة كنت أتغافل عنها.

                               *            *           *

كم تمنيت لو كنت بجانبي يومها، احتجت إلى حضن ألقي عليه ثقل رأسي المصدوعة. إلى كلمات تهز فيَّ عنفوان الفتوة التي ما استطعت أن أستدعيها من أعماقي. كنت لحظتها في أشد الحاجة إليها. غابت كما غبت، بلا ميعاد يضرب، وتركت الموعد للصدفة. مثلك تماما. تركت الفتوة لي ذكرى... فقد شرطت وجه أحدهم إذ رأيته يعاكس أختي بكلام غزلي هناك في الطفالين حيث ولدت وترعرعت. وعلى إثرها دخلت السجن مزهوا بإنجاز عظيم، وجريمة تتعلق بالشرف.

  وبقيت الحادثة مجرد ذكرى. والفتوة حلم يتخايل أمام ناظري الهش كما تتخايل صورتك الباسمة حين أفتقدك. كلاكما يعضدني في المشاق، غير أنه لا يضرب لي موعدا محددا. وقليلا ما ينبعث من رماده ليحيا.

قررت بعدما رأيته في السجن من مصائب ألا أعود إليه. ووطدت العزم على ذلك. ولو تعلق الأمر بشرف بدأت أنظر إليه وأنا تحت رحمة من يريد أن يستبيح شرفي بطريقة مباشرة على أنه مجرد دعابة فتى مراهق، كانت تكفي كلمات لردعه ورده خائبا  يبتلع نواياه بماء الاعتذار.

وبدأت الجريمة تعظم في عيوني. والزهو بجريمة الشرف يتبخر حين وجدتني قريبا من أن أتحول إلى عروسة كما كان يحلو للسجناء أن يطلقوا على كل سجين جديد. لم تكن قوتي لتردع ما كانوا يصممون عليه، ولولا نصيحة أحدهم لي باللجوء إلى رشوة "الكابران[i]" بعلب السجائر المستوردة، وكرات الجبن الأصفر اللذيذ، وبعض النقود، وتطوعه للقيام بمهمة الوسيط، لانتهى الأمر بي في ما لا يحمد عقباه.  لحظتها عرفت أ ن تصرفي كان طيشا لا يجب أن يتكرر. هذا وطدت العزم على عدم العودة للسجن. وفور إطلاق سراحي عملت على جمع رأسمال يدفع سفينتي إلى بر الأمان، اشتغلت كل شيء. من باب سبتة إلى سوق الخضار بالجملة حيث كنت أعمل حمالا... وفي الليل أحرس السيارات. هكذا ثابرت وتقشفت لأحصل على رأس المال. وكذلك فعلت. والآن بحر الحياة مويجاته تتناسل في دعة، تهدهد مركب أمنياتي بلا أنواء تنغص علي تأملات العصر. غير أن هدوء البحر لا يدوم، يبدو أنه يمل من رتابة موجه، فيشتاق للعواصف، للموج الهادر.

عصرا أتأمل معاني البسمة. في حنو تنظرين إلي، أكاد أسمع صوتك يتناهى إلي. يعبر المدى. يعانقني فنثمر تويجا يتسامى طلحا يعانق جيد السماء... يقطع تأملي صوت أجش نهق في أذني فأربك العناق. دمر اللعين تسامينا وقد كدنا نرقى إلى سدرة منتهانا. حدجته بنظرة فإذا به "السوسة" وقد أزبد وثار. يسب ويلعن فتتدفق البذاءة من فيه شلالا تزكم المسامع. تراقص الغضب بين عيني، كان يسبني أنا. المدية الحادة التي في يده يهددني بها، أنا المقصود بسبابه. أنا من يحلف أن يعيب جمالي... بوجهه القميء المشكل لوحة متقنة التناسق من الندوب المغرّزة وغير المغرّزة والتي تكون عادة أوسع. كانت الندوب في وجهه على ضربين: مفردة تحتل حيزا مستقلا ومركبة تقع على بعضها. وجه يوحي بأنه ليس لديه ما يخسره أكثر. صوت الفتوة يتظاهر في داخلي معلنا الثورة على البرود الذي أتقمصه. لولا أن تخايل أمام ناظري سجن واد لاو ورطوبته، واستفزازات الكابران رشيد، والوالدة المسكينة وأنا أثقل كاهلها بمصروفي الزائد في كل زيارة. أشياء أخّرت جحافل الفتوة أن تثور علي فتفرض وجودها على مسرح ما بيننا،  لزدت على مجموع الندوب ندبا لاشك سيكون أغور، وبمديته تلك التي يلوح بها. لكنني كنت قد وطدت العزم. فاعتبرت الموقف تمرينا لترويض الأعصاب، وخاطبتـُني : المدرب الحاذق هو من يستطيع استدراج الأسد وتطويعه وجعله قطة مطيعة. لذلك لذت بصمتي وكشكي متأملا البهلوان المتنطط أمامي وهو يلوح بمديته ويقسم أن يشوهني إن عدت لأعاكس فتاته. تلك الفتاة التي طالما نصبت لي الحبال فلما استعصيت على الشرك وتقوقعت على نفسي كومة من الأشواك كالقنفذ، وما استطاعت أن تمد لي يد الوصال، فلما حاولت وخزتها أشواك اللامبالاة، أوغرت صدر السوسة علي. غير أني لم أدعه يرحل منتصرا كل الانتصار. حدجته بنظرة شزراء يتقافز الشرر منها، وكان الرجل خبيرا ببواطن الرجال. ويعرف جيدا سر النظرات. فانصرف لحاله وهو يغمغم.

  رغم تحقيقي هذا الانتصار الصغير عليه و على نفسي. ويقيني أن ما فعلته كان عين الصواب. كانت آثار الفتوة السابق في أغواري تعود لتظهر شبحا يسد علي أي أفق يريحني، يحاسبني بمرارة، يتهمني بالجبن... حينها كنت أحتاج إليك أكثر. كنت أحتاج إلى كلمات أنثى، فهي التي تعرف كيف تقنع الرجل بأنه عاقل وليس جبانا. لكنك كنت غائبة يومها. غبت كما غابت الفتوة عني هذا اليوم. فهل كنت عاقلا أم جبانا؟ سألتك بكل الحب الذي أكنه لك أن تخرجي  من صمت ابتسامتك وتجيبيني.

                                          *            *           *

ما أحلاك ! نعمة أنت. شيدتِ صرح السعادة في حياتي. ومنه أطللت على العالم فبدا لي الكل أقزام. غير أن غيابك عني لمدد غير محددة كان يقزم من سعادتي بك. يحفر ندوبا عميقة تلامس نياط القلب. تغيبين فيعوي الشوق متعطشا للارتواء من معين صوتك. أنتظرك أياما، أسابيع... تتصحر نفسي. ترتوي أحيانا من نظراتك المحيرة. من صورتك الغالية. فأسلو قليلا لعلي أنعم بوصال قريب.

تمثلتك طهرا تاما. كالبياض.كالثلج. كالحياد. كالصمت. كماء النبع. كنت طهرا بلا نهاية. بل كنت نهاية الطهر. فيا أيتها الغائبة في معاني البسمة الطاهرة، خففي عني ثقل الغياب.

حرصت دائما على اقتفاء أثرك، في سينما اسبانيول. كل أسبوع كنت أجدد الأمل. وكم كانت خيبتي تتفاقم حين أرى ملصق الفيلم الأمريكي أو العربي. وعرفت اللحظة الحاسمة. وحرصت أن أكون هناك في تلك اللحظة. حين تغير ملصقات الفيلم وتعلق أخرى للفيلم الجديد. ومع كل تغيير، هناك أمل... ما أضيق عيشي لولا تغيير الأفلام.

ألفني العمال مترقبا عند كل عملية تغيير. أتلصص على الورقة الملفوفة، تلك التي تحمل سر السعادة بين جناحيها. أتابع بدقة حركات العامل المحسوبة وهو يفك لف الورقة ليثبتها على لوحة العرض. ومنذ اللفة الأولى يبدأ قلبي في الخفقان. يترقب لقاء جديدا. ومنذ اللفة الأولى تنقشع الأمارات، فأتوقع من مجرد رؤية طرف الملصق نوع الفيلم، إن كان عربيا أم أمريكيا أم هنديا. فقد تكونت لدي خبرة في ذلك. ويا فرحتي إن كان هنديا. يٌلوّح لي الأمل بيدي الشوق. يدعوني للعناق. يحفزني على الترقب أكثر. فأكتشف جسم الممثلة جزء جزء، حتى إذا ما أطللت بابتسامة العهد، كان ذاك حسبي من لذائذ الحياة. عندها أتوجه رأسا لاقتناء التذكرة، فالعرض.. فاللقاء... فالعتاب على طول الهجر... فتجدد العهد...

وكم كنت أكره ذلك الاكتشاف البارد السابق للأوان حين أحس بخبرتي ومن رؤيتي لطرف الملصق أنه لفيلم عربي أو أمريكي، كان ذلك إجابة حاسمة تحرمني حتى من شوق الترقب، وتدفعني إلى الاندحار في وهدة الخيبة.

كنت قد عدت يومها من موعدي المخلف معك، معكر المزاج. دغدغني ملصق الفيلم الهندي. وهيج في نفسي أنواء الشوق، واستعددت للقاء ... كانت الخيبة أُثقل من الكابوس. أصعب من الغرق في بحر من الطمي. لقد غبت طويلا هذه المرة. تلقف خيبتي وتعكر مزاجي صديقي منذ الطفولة "الدايداس"، وكان عارفا بأحوالي مطلعا على أسرار غرامي بك، ويبدو أنه رق لحالي حين نصحني قائلا : لماذا لاتقتني تلفازا صغيرا وجهاز "دي في دي" وتستمتع بمشاهدة محبوبتك في كل وقت.

غير أن جوابي كان حاسما : "لن أبتغي متعة في محبوبتي غير متعة الظلام في السينما، هناك وعدتها أن أبقى وفيا، وسأظل ولو أحرقني الشوق". 

  


[i]  لفظ يطلق في سجون الشمال على الشخص المسيطر في السجن والذي يتمتع بسطوة يفرضها بقوته.