ما يقترحه الشاعر العراقي في هذه القصيدة قد لا يصلح أن يكون سفرا عاديا حتى في تخوم القصيدة، بل هو سفر في أوجاع القصيدة وأوجاع العالم ووطن لا زال يصارع المجهول كي يظل وطنا للجميع. في ذروة هذه المتاهة التي لا تنتهي يخط الشاعر جزءا من رؤاه ووجعه على جسد القصيدة كي يهدأ العصف في صدره..

سفَرٌ بين تضاريسِ الشعر

جواد كاظم غلوم

الى أين يحدو بيَ الشعرُ

يأخذني من يديَّ لألهو كما الطفلِ في العيدِ

أرقى الاراجيحَ ، ألعبُ بين الزمان وبين المكان ؟!

أيكفي المكانُ لنشر جراحاتنا

في حبال الغسيل ؟؟

أيقضي الزمان وأيامهُ وساعاتهُ

بين ضيْمِ البقاء ومرِّ الرحيل !

افتشُ عن نبتةٍ في حقولِ البساتينِ

أُكرمُها  للرؤومِ وهي تصلّي

بباحة بيتِ ابينا الجليل

أهيمُ بوجهيَ بين الصحارى

لعلِّي أرى حزمةً من خزامى

أعطّر وجهَ أبي .. يغادرُنا كادحا متعبا

ويأتي المساء ، ننام على السطحِ في الليلِ

نستبصرُ النجمَ ، يضاحكُنا كركراتٍ من الله

ذا ضوؤه  من زيوت الغفور الرحيم الكريم

فنشربُ ماءَ الْجرار ، ننامُ بحفظ الاله رغيدا

كنت طفلا أغمرُ العمرَ بالقهقهات

فارشاً بسمتي في الوجوه التي تطالعني

أينما خرجتْ من " دربونة " الحيّ في أول الصبح عند الأذان

أعود مساءً ، يسامرني تعَبي غبطةً من حنان

نسيتُ باني كسيحٌ عجوز

وأعرجُ في وحلِ هذا الزمان

وتلسعُني شوكة القحلِ أنّى اتجهت

 أسيرُ واعثر ، انهضُ ، انكسُ

كالذلّ حين يُعرّى أمام الأنام

******

الى أين يأخذني الشعرُ

يستلّ مني الوسادة كي لاأنام

أعومُ مع الثلج والزمهرير

يُريني صدورَ العذارى

أقول لهُ انني قد عجزتُ ، وهنْت

يسامرني ضاحكا هازئا

ويخنقني بالجمال

يُريني من الشقر والبيض والسمرِ والسودِ

كي يشعلَ القلبَ جمرا من الشهَوات

فيرقى أعالي الجبال

يدحرجني مرةً إثر اخرى

لمرعى السهول وسفح التلال

فأغرق في عهْرِ غانيةٍ علّمتني

رعاشَ الغرام ووهج الوصال

*******

الى أين يمضي بيَ الشعر عبْر المشيب !

يجرجرني للأقاصي البعيدةِ

ينهكني كالفريسة سحلا

الى مسلخ العشقِ

ينهشُ فيّ الفراق

تحزّ السكاكين لحمي

دمي صار نذْرا مشاعا

لهذي الجميلة ، تلك الصبيّةِ

للمرأة التي اجهشت شهوةً

تتلمسُ وهمَ الفحولةِ حين تذوبُ وتذوي

ايها العمر، مرماك أقربّ مما تظنّ

غدونا كبارا

أحسُّ الحياة مزارا

والطريق حصىً راجما

والأماني صخورا عثارا

******

الى اين تزحف بي يا أيّها الشعرُ ؟

مهلا خطاي ارتعاش السقامِ المرير

لساني مذاق الازقّـة في حيّنا

حين كنّا حفاةً صغار

حين نلتمّ بيتا فبيتا

نكاد نلامس كل القلوب التي عايشتنا

فتعصرني رعْدةٌ  ماجنة

تعيد رفات حياتي

جسَدا طاعناً مزّقته المنافي

أعودُ بحنّاء اهلي

امرّغ هذا الجدار وذاك المزار

وتلك القباب على شاطئ النهر

مابين دجلة والكرخ و" القشلة " الصامتة

أعود وأنهك من تعبٍ يستريح بعظميَ

أدخل  "عقد النصارى"

وأرشيف أهلي الغيارى

ارى محفلا للعراق

قلنسوة الراهب الموصليّ يقبّل وجهي

وكوفيّةً تحتمي بالعقال تؤازرني

وسروال جدّي من الكرد أمسحُ في ثوبهِ

عرَقَ الصيفِ والحيفِ والمنهكات

أحتمي ، هرَبا من هجير

فألمحُ عمّي الافنديّ " صبري "

"سدارتهُ"  أبحرتْ عبر دجلة

من بصرة الشوقِ حتى رستْ

بميناء قلبي ، شراعا عتيق

يميل كأعوامنا الماسخات

أمتطي غيمةً من دخان السجائرِ

أنفثها خصْلةً من غدائرِ محبوبتي

يومَ قبّلْتها في الوداع الاخير

أناشدُ ذاكرتي ان تحلّق في جنحها

لعلّي أحطّ على شاطئٍ

بين بحر العيون

بين نعْس الجفون

أنام هنيئا وأصطاد رؤياك في الحلْمِ كي أستريح

فهيهات هيهات ان استريح

******

الى اين يدفعني الشعرُ !؟

خارت قواي

أريد الوصول الى غايتي ومناي

الى "خان مرجان " حيث المقامات دانيةٌ

نقطفُ ألحانها في  النهاوند  والرسْت حتى السحور

الى " شارع النهر" والسحر والعطر والغانيات

الى غرفةٍ  في "جبهة النهرِ"

نعْرى مع الموبقات

حيث العواهر تقتاتُ أرواحنا علكةً بين أسنانهن

ونقذفُ شهواتنا حول تلك الخصورْ

وترجع مثل الفصول

كأيامنا الحالكات

******

الى أين يركلني الشعر في رِجْلهِ

الى حانةٍ في "الرشيد" انزوتْ مثل بلهاء ساكنة

تستحي أن تعبئ من خمرة الأمس دِنّاً وزِقَّا

تخاف اللحى الخادعة

عاقرت قتل من يحتسي لذّةً

حرّم الله نشوتها هاهنا

أباح لنا نهرَها في الجنان

هكذا دخلوا عقلنا

وسّخوا باحةَ البيت والروحِ

بأحذيةٍ موحلة

{ جوادٌ جوادْ

أمازلت تسبي الهوى والجوى

وأهل الهوى والنوى والبعاد ؟؟!

أجبني ، كفاك العناد

كفاك تبوس تراب البلاد

وتعشقُ بغداد منذ المهادِ لحدّ الرقاد

كفاك بكاءً على الرائحين

كفاك كلاما على اللائمين

فجسر " المسيّبِ " أضحى خيالاً بعيد المنال} *

خراباً يداسُ بهذا الحذاء وذاك النعال

نطاردهُ في أغاني الزمان المحال

وهشَّ الحديد بأركانهِ ناخراً صلبَهُ

وبغداد " كرخانةٌ "  للزناةِ شبيه الرجال

وناعورةٌ تحتويها البغال

علامَ تدور ، وتهوى الوصال ؟

إلامَ تغني وتشدو " أمانٌ ..أمانْ " ؟!

فهلاّ سكَـتَّ ، خرسْتَ اللسان

فما من مجيبٍ وما من أذانْ

أإنصافُ منك تطيلُ الغياب ؟!

وتنسى المباهج وسط الصحاب

فماذا أقول لمن شاقني في السؤال ؟

وكيف أردّ الجواب ؟

******

الى أين ينأى بي الشعر بين التخوم

الى غيمةٍ حملت ماءها السلسبيل

لجيفةِ عهْرٍ ، فصبّتْ رواها الى السارقين

وعافت جميع العطاش ، تُمَنِّي هطول السحاب

وتركضُ نحو السراب وصوْب اليباب

تداري الخرابَ بأدعيةٍ يحتويها الحجاب

فلا من مجيبٍ ولامستجاب

سأطرقُ كلّ المزارات باباً فباب

وأحفرُ قبري بظفْرٍ ونابْ

فلا من حَمِيٍّ شريفٍ يردّ الجواب

فألتفُّ وحدي على حائطٍ مائلٍ

مثلما يَيْأس الخائبون

أنا الميّتُ الحيُّ

والقُرْبُ والنأيُّ

والجُدْبُ والرّيُّ

والنذْرُ والهدْيُ

والنشْرُ والطّيُّ

والأهل والشملُ والبيت والحيُّ

انيّ المضيّع مثل الدروب التي توّهتنا

والبيوت التي لملمتنا

والعباءات في ظِلِّها قد حوَتْنا

لا أرى وطنا سوى ملمسِ الذاكرات التي مزَّقـتْـنا

يخربشُ عقلي كطبشورةٍ  صلبةٍ

لتدعكَ سبّورة الروحِ شرْخاً

يكاد يطيحُ الحنينُ ببضعِ سنينٍ

غفَتْ من سقامٍ كأعمارنا الباقيات

نخالطها بالأسى والمنى الراحلات

أيها الشِّعرُ هونا على شيخِك المستكين

هنا عثرتي عند " باب الأغا " أثقلت مشيتي

هنا كبوتي عند سفح دجلة لمّا سبحت بها

هرَباً من الدرَك الهمجيّ

سأبقى مكبّاً أديمُ صلاة العراق

وأصدحُ بين الركام

أبوسُ القفارْ

الى أنْ أموت..

 

jawadghalom@yahoo.com

ملحوظة :  الكلمات بين القوسين "    " هي لأماكن بغدادية أثرَية عتيدة كنّا نرتادها بشكل دائم

*) إشارة لأغنية عراقية شهيرة من تراثنا اسمها ( جوادْ جوادْ مسيّبي )