يشدد المخرج المصري على أن سيرة الفنانة فاتن حمامة استثناء دال وكاشف في التاريخ الفني العربي، لما لتجربتها من فرادة، وقدرة على التعبير الكثيف عن تحولات المصريين والعرب في الثلاثة أرباع القرن التي عاشتها تحت الأضواء الساطعة. لكل ذلك يتبدى لنا رحيلها دعوة لتأمل واقعنا، وإعادة قراءة تاريخنا.

ولادة نجمة

ناصـر كامـل

كما في كل نقطة تحول مفصلية في حياتها، كإنسانة وكفنانة، تحثنا فاتن حمامة في رحيلها على تأمل حياتنا وواقعنا، وإعادة قراءة تاريخنا.

إنها استثناء دال وكاشف، فتجربة حياتها الفنية لها فرادة وخصوصية، مع أنها تعبير كثيف عن تحولات المصريين والعرب في الثلاثة أرباع القرن التي عاشتها تحت الأضواء الساطعة.

لحظات رحيلها حملت إشارات قاطعة على عمق الأزمة الاجتماعية في مصر والتراجع المريع في مستوى الأداء الفردي والجماعي في مختلف نواحي الحياة. أخبرنا الأداء الإعلامي مدى افتقاد الجميع لأبسط القواعد المهنية، فالفضائيات والمواقع الخبرية كانت وكأنها أصيبت للتو بلعنة بَلبَلة: ماتت سيدة الشاشة العربية، لم تمت، نقلت للمستشفى، بصحة جيدة. وحين تبين صحة الفاجعة انتقلت البلبلة إلى سيرتها: ولدت في المنصورة، بل القاهرة..، وفى اليوم التالي كانت الجنازة موضوع البلبلة: غير لائقة، فوضى، جنازة شعبية، أين الحكومة، الشرطة، وقع النعش، لم يقع. في المساء كان قرار وزارة الثقافة الحداد، ووقف النشاط الفني. بعدها بيومين وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال كلمته في احتفالات وزارة الداخلية بعيد الشرطة، رسالة إلى الفنان أحمد السقا، والفنانة يسرا، اللذين حضرا الاحتفال، قائلا: «والله هتتحاسبوا». وأضاف: «محتاجين تبقى تجربتنا ثرية، بقول تاني لينا كلنا حتى للإعلام والتلفزيون والأفلام والمسلسلات مين هيتصدى لده، مين هيعمل الوعي.. يا أستاذ أحمد أنت واستاذة يسرا والله هتتحاسبوا على ده.. أيوه هيتحاسبوا، قدموا للناس الأمل، إدوا للناس أمل في بكره ونحسن في قيمنا وأخلاقنا وده لن يأتي إلا بكم، كل قطاع من قطاعات الدولة له دور، وهنشوف في رمضان الجاي يعني».

دعوة السيسى للفنانين أشبه بدعوته للأزهر للقيام بثورة دينية، وجداوله كثيفة للغاية: بضعة أشهر وسيكون الحساب، بضعة أشهر لتقديم الأمل، وتحسين القيم والأخلاق، وتجديد الخطاب الديني، والكل سوف يحاسب من الله.

هذا هو الواقع الذي غادرتنا فيه فاتن حمامة.

عرفنا أنها تركت منذ فترة مسكنها المطل على النيل في الزمالك، الحي الراقي والارستقراطي الأشهر إلى ضاحية في الشمال الشرقي للعاصمة «التجمع الخامس»، وأن جثمانها نقل إلى مدينة 6 أكتوبر، في الجنوب الغربي للعاصمة، كبار السن تذكروا جنازات لفنانين؛ مثل أم كلثوم وعبدالحليم حافظ؛ سارت في وسط المدينة، وشيعت من مسجد عمر مكرم بميدان التحرير، في مواكب شعبية هائلة، وحضور رسمي لائق، لكنها كانت أيضاً تتسم بالدقة والنظام.

انتقال فاتن من الزمالك، كما انتقال غالبية الأثرياء؛ القدامى والجدد؛ أشبه بنزوح جماعي؛ جرى تباعاً خلال العقدين الأخيرين؛ من أحياء الارستقراطية التقليدية إلى الضواحي والمدن الجديدة، حيث التجمعات المسورة والمأمنة جيداً، لأن قلب القاهرة لم يعد مناسباً، وأضحى يحتاج لجراحات شديدة القسوة والتكلفة، هذا «الانقلاب» في ديموغرافية مدينة القاهرة يخفي معضلة كبرى؛ فقلب المدينة، الذي يحوي تراثاً ثرياً معمارياً وثقافياً وتاريخياً، أصبح منذ أعوام طارداً لما يجوز أن يُطلق عليه الصفوة والنخبة الاجتماعية والفنية التي باتت تشعر بغربة مع انحدار مستوى الخدمات والزحام والضوضاء والتلوث، وأضحى «القلب» بعد 25 كانون الثاني 2011 معضلة أمنية شديدة التعقيد، جانبها الاجتماعي أعمق بكثير من جانبها السياسي، وهو أحد المعاني التي كشفت وفاة فاتن وجنازتها عنه.

محطات

استعادة بضع محطات مفصلية في بداية حياة فاتن الفنية لا تقدم لنا فقط دلائل فرادتها، لكنها تمنحنا تأريخاً دالاً على تحولات الصعود والهبوط في مسارات الحياة المصرية والعربية.

المحطة الأولى في عام 1938، في أحد دور العرض السينمائي بمدينة المنصورة، أشهر مدن الدلتا وأكثرها تحضراً وجمالاً، والمناسبة العرض الترويجي الأول لفيلم «بنت الباشا المدير»، وجمهور السينما يصفق لنجوم الفيلم: آسيا، وماري كوين، وأحمد جلال، والصغيرة «تونة» تقول لوالدها «الناس بتصقف ليَّ أنا»، وترن ضحكات الوالد الأستاذ أحمد حمامة، وهناك وفي تلك اللحظة يولد حلم الأب والإبنة معاً، ثم ينمو الحلم، ويتحول لواقع خطوة خطوة: مسابقة في مجلة «المصور» تحت عنوان أجمل طفلة كملاك الرحمة «ممرضة» ضمن حملة ترويج لدخول الفتاة إلى تلك المهنة الرحيمة، نشر الصورة وفوز «تونة»- اسم التدليل المحبب لها منذ الطفولة -، ثم عرض التمثيل في «يوم سعيد» للمطرب الأشهر محمد عبدالوهاب.

في الخطوات الثلاث هناك تصميم من الأب على الدخول إلى ذلك العالم الخيالي الساحر، ربما راود مئات آلاف من الآباء والأطفال مثل ذلك الحلم، قليلون مضوا إلى تنفيذه، ونادرون هم من واصلوا، وفرادى هم من وصلوا للقمة، سيرد إلى الذهن مباشرة، هنا: زكي مراد، ومحمد حسني البابا، لكنهما كانا فنانين، أحمد حمامة كان موظفاً في وزراة المعارف العمومية.

محطتا عبدالوهاب ومحمد كريم؛ أي فيلما: يوم سعيد ورصاصة في القلب؛ دليل على واقعية الحلم، فالطفلة الصغيرة موهوبة بالفطرة، وتصميم الأب أكيد، لكننا نعرف جيداً الآن أن تاريخ السينما عرف أطفالاً كثراً لمعوا وأصبحوا نجوماً ولم يمضوا في الطريق إلى تجاوز المراهقة، سيكون مثال فيروز الصغيرة أبرز الدلائل على ذلك، نادرون للغاية من واصلوا الحلم إلى أداء أدوار الجدات بنجومية راسخة لم تهتز.

فى محطات البداية التالية، في أدوار الطفولة وبداية المراهقة، ستعاود آسيا وماري كوين؛ نجمتا حلم سينما المنصورة؛ تأكيد موهبة تونة عبر عدد من الأفلام التي تمثل فيها «تونة» معهما ومن إنتاجهما، وستطالعنا أسماء: النجمة الجديدة صباح، وحليم الرومي، في فيلم «أول الشهر»-1945-. مع هذه الأسماء، وعشرات غيرها، قبل ذلك العام وبعده، نعرف، أولاً: أن الرافد العربي، الشامي على الأخص بتعبيرات ذلك الزمان، أثرى السينما المصرية؛ كما مختلف الفنون الأخرى؛ وثانياً: أن التنوع كان هائلا من جهة الديانة والجنسية، وثالثاً: أن ذلك الفضاء المفتوح كان طبيعياً وغير مفتعل، رابعاً: أن المقارنة بين واقع مصر في ذلك الزمن وواقعها الحالي مجحفة للغاية وتدعو للرثاء حقاً، وأن أدنى دواعي الإنصاف يقتضي أن نتساءل: كيف وصلت مصر إلى هذا المنحدر الذي تهبط إليه منذ عقود؟، صحيح أنها ما زالت مقصداً لفنانين من أقطار عربية مختلفة، لكن الزخم الهائل في تلك الفترة لا يقارن أبداً بالدفع الذاتي الذي يسير به الفن والثقافة منذ فترة طويلة.

استعادتنا لبوابة «يوم سعيد» الذهبية قد تشير هي بحد ذاتها إلى صحة الاستنتاج الأخير، فالفيلم الغنائي، والاستعراضي، نوع راسخ في التاريخ السينمائي المصري - العربي، بينما الواقع يخبرنا بجدب فاضح حالياً، كان عبدالوهاب ومحمد كريم يقدمان الفيلم في ظروف إنتاجية صعبة، فهناك صعوبة في استيراد خام الفيلم من أوروبا نتيجة الحرب العالمية الثانية، وصعوبة، أيضاً، في تصدير الفيلم إلى أسواقه الخارجية في البلاد العربية، ومع ذلك كان هناك عزم على تحدي تلك الظروف.

مع يوسف وهبي دلفت المراهقة «تونة» إلى عالم الميلودراما، وكان في المسرح والسينما نجمها المتوج، ومع حسن الإمام أصبحت تخطو بثبات في أدوارها المتعددة تحت ذات الاسم «نعمت» نحو نجومية لافتة.

الميلودراما

الميلودراما بدت وكأنها «مزاج» مصري في ذلك الوقت، سنوات الخروج من الحرب وآثارها على الاقتصاد والمجتمع، ولم تحاول فاتن كثيراً التملص من عوالم «أنا بنت ناس، اليتيمتين، أشكي لمين» فقد برعت في تسريب جرعة الميلودراما بخفة مع الاستحواذ على عطف وتماهي جمهورها مع تقلبات القدر والمصادفات التي تضعها على شفا الضياع وصولا للنهاية السعيدة التي تأتي بمصادفات أخرى لتجزي الأخيار على صبرهم والأشرار على فجورهم. وهنا بدت الميلودراما أشبه بمسكن سحري نفذت به «تونة» إلى قلوب جمهور السينما من مختلف الشرائح الاجتماعية والعمرية، وبحيازتها على ذلك الرصيد انطلقت تجرب وتخطو خارج الفضاء الميلودرامي، فانتازيا ساخرة مع يوسف شاهين» بابا أمين»، خليط من الواقعية والطبيعية مع صلاح أبوسيف «لك يوم يا ظالم»، تشويقاً مع كمال الشيخ «المنزل رقم 13»، كوميديا خفيفة مع فطين عبدالوهاب «الأستاذة فاطمة»، رومانسية صريحة مع عزالدين ذو الفقار «موعد مع الحياة».

خلال عقد واحد انتقلت الطفلة في يوم سعيد - 1940- لمراهقة، فزوجة، وأضحت نجمة يطمح المخرجون والكتاب والمنتجون والممثلون والممثلات للعمل معها، ويعتبرونها ضماناً أكيداً للنجاح، يغبطها الكثيرون على ذلك، ويحسدها الكثيرون أيضاً، فقد حققت بقوة غايات إنسانية قصوى في بضع سنوات، فمن طفلة نجمة في محيطها الاجتماعي: البيت، الأهل، الحي، المدرسة، إلى مراهقة زاد بريق نجوميتها في ذلك المحيط، فألفت مبكراً كلمات الإعجاب وربما الغزل، وربما درَّبها ذلك مبكراً على اكتشاف جوانب غامضة في المشاعر والكلمات وتعابير الوجه، وكان الأستاذ أحمد حمامة يرقب كل ذلك ويزداد خوفاً من أن تشرد الشابة بعيداً عن التوجيه والرعاية، لكنها بالفعل أقدمت على كسر طوق الرعاية الأبوية وتزوجت المخرج عز الدين ذوالفقار ضد رغبة والدها، ولم تتجاوز بعد السبعة عشر عاماً.

وأضحت «سيدة» وهي بعد على أعتاب الشباب، فجمعت إلى جانب نجوميتها، استقراراً عائلياً، وسنداً ومعلماً خاصاً، ثم إنها لم تركن إلى كل ذلك بل سعت وواصلت تعلم التمثيل في معهد التمثيل العربي الذي أنشأه زكي طليمات فأكملت بذلك فرادتها التي ظلت تكافح كي تحافظ عليها وتعمقها وتنميها حتى رحيلها.

 

(كاتب ومخرج مصري)

(عن السفير)