اخترنا ديوانا شعريا من العراق لهذا العدد كي نواصل تأمل مآلات "الربيع" الذي اختار البعض أن يئده في المهد، شاعرة اختارت من خلال نصوصها الثورة على جميع "التقاليد" الماسة بكرامة المرأة، لذلك اختارت تبني منظومة تجمع حركة شبابية الكترونية لم تختر المجهول بل تعنى بمهاجمة كل مستبد، شاعرة اختارت التوقف أمام حركة التاريخ كي تبحر من خلال نصوص ترصد حالات ومواقف وسياسات لتعبر الى جغرافيات إنسانية متعددة بروح التمرد والرغبة في التحرر من نزعة ذكورية وقيود خطتها منظومات تنتصر فقط لايديولوجيتها الخاصة.

أنونيماس Anonymous (ديوان العدد)

ماجـدة غضـبان

الولايات الأنثوية المتحدة
غالبا ما أقف مذهولا أمام مدرس التأريخ..

هذه الحصة تثير في القلق، و أكثر ما اكرهه فيها هو الحديث عما كان يجري في غابر الأزمان، لأنني أعده فاصلا بين الخيال و الواقع، و كل الأساطير التي يظنها مدرس التأريخ حقائق لا تقبل نقيضا لها، تجعلني اغزل منها ألاف من علامات الاستفهام..

نحن نذم علنا، و سرا تلك الولايات.. غير أن كل ما في أسواقنا مستورد منها، معظم نسائنا يحلمن بالعبور نحوها، و تمنعهن أمومتهن عن اجتياز الحدود المتوجة بقبة عاطفة الأمومة لحماية الولايات من أي هجوم نووي نحوها..

و النووي هذا جعلني أظن أن كل ما يقال عن حياة من سبقونا هو ضرب من الخيال..

صحيح أن المدرسة نظمت عدة رحلات نحو متاحف الأسلحة القديمة، و زيارات للمعارض الفوتوغرافية التي تصف بربرية القرن الحادي و العشرين، و ما سبقه من قرون، غير أني عجزت تماما عن رسم صورة كاملة لأجدادنا القتلة.. هم في بعض الأحيان يشبهوننا، و في أحيان كثيرة لا يختلفون عن الحيوانات المفترسة في غابة لم تعبث بها يد إنسان، كما أن الجثث المحنطة لضحايا الكتابة المسمارية قد أتلفت، ولم يعد لها من وجود سوى ما يحيطها من أسرار و كتمان.. و تسريبات تثير القشعريرة و الخوف في جسد أي رجل..

جدتي هي أكثر النساء تحمسا للحديث عن مدينة نهداد، رغم ذاكرتها المعطوبة..

سمعتها في طفولتي و هي تروي الحكايات عن واد جميل، كان يوما ما ساحة حرب لم تنته إلا بظهور غريب لعصابات نسوية بدت شديدة القسوة مع خصومها الرجال.. استولت على مساحات شاسعة من الأراضي الجرداء بعد حرب ذكورية دامت قرنا من الزمان، أنهته تلك النسوة بتعليق الرجال من أعضائهم التناسلية في الشوارع و الساحات، و ظن العالم أن هاته التجمعات المجنونة ستتحول إلى قبائل من آكلات لحوم البشر مع كمية سلاح تكفي لمسح كل اثر للحياة خارج البقع التي وضعن أيديهن عليها ، و بلغ الخوف من وحشية مصير من يقرب منهن حدا لا يجرؤ على اجتيازه أي رجل، فهن لا يقتلن الرجال كما كن يفعلن في بداية ثورتهن، بل يقطعن الأعضاء الذكرية، و يعدن إرسال الضحايا من حيث أتوا، و بين أفخاذهم بقعة ملساء حفرت عليها بالمسامير رسائل مرعبة.. ثم انقطعت أخبار تلك العصابات، و لم تتوفر الشجاعة لدى إي رجل لدخول دولة البتر و الكتابة المسمارية على مواضع فحولتهم..

غير أن النسوة في مختلف أنحاء العالم لم ينقطعن عن زيارة بلد عصابات لا تعاملهن إلا بود، و تكرمهن أيما إكرام لقاء نشر دعوتهن لانضمام المزيد من النساء إليهن دون شرط سوى عدم اصطحاب ذكور..

و مر زمن كان الرجال فيه يلقون بقنابلهم النووية فوق ذاك الوادي المرعب دون أن يسمعوا دوي انفجار، إنما يعقب ذلك جفاف كل عضو تناسلي ذكري مع خصيتيه، وتحوله الى ما يشبه قطع من خشب آيل للسقوط..

و سنة فأخرى لم يعد الرجال يفكرون سوى بحماية أنفسهم من الانقراض، يتنازلون عن كل شيء للولايات في صفقات غير عادلة لقاء أن تظل أعضاؤهم حيث هي، تعمل دون عطب مفاجئ..

و يعد الأسلاف تحطيم مصانع السلاح، و إتلاف كل أداة قتل أكبر هزيمة للولايات المختلطة أمام الولايات الأنثوية المتحدة..

و بعد زمن صمت ينذر بخطر مباغت، تتالت أخبار الاختراعات، والاكتشافات التي تبث من خلال محطات أنثوية عالمية، لتجعل من البقاع التي سيطرت عليها تلك النسوة محصنة تحصينا كاملا ضد أي سلاح صنعه الرجل يوما ما..

تتذكر جدتي أن مواسم حصد البنات الرضع كان عيدا وطنيا لتلك الولايات الخالية من الذكور تماما وفق ما سمعته من والدتها يوما.. تقطف فيه البنات الصغار من أشجار تشبه رحم المرأة، ثم توضع في أحضان الأمهات اللواتي يرضعنهن طوعا من خلال حلمات دافئة تسحب حليها من خزان المدينة الكبير..

لم تتسع تلك الرقعة الغريبة المحتشدة بأسرارها إلا سلميا، كانت النساء تتجه من كل أنحاء العالم صوب ذاك البلد الساحر، و هن يضمن ما بحوزتهن من أراض لوطن خاص بالأنوثة وحدها بعد طرد الذكور منها..

و جدتي تضحك حين تذكر أن موضعا معروفا يطلقون عليه اسم (العلاوي) في العاصمة (نهداد) أصبح محل انطلاق الباصات الفضائية التي ترحل حسب جداول زمنية نحو جنات النعيم في زحل و الزهرة والمريخ و كواكب أخرى في مجرات لا يعرف عنها شيئا أي فرد من البلدان المختلطة الجنسين، إي التي مازالت تقر بحق الذكور في التواجد مع النساء.

و يقال أن هنالك متحف يسمونه متحف العهد الذكوري، فيه الكثير من الرجال المحنطين.. تحدثت عنه امرأة مسنة قبل وفاتها أمام حشد متظاهرات يطالبن بحقوق كالتي يسمع عنها في الولايات الأنثوية، و قد أعربت عن أسفها إذ لم يسعها الالتحاق بعصابات النسوة المتمردات على حروب حصدت الملايين بسبب أولادها الذكور الذين لم تستطع تركهم صغارا..

و قد تضمن خطابها توضيح لما حدث حين قرر رجل انتحاري اجتياز الحدود الفاصلة بين الولايات المختلطة و الولايات الأنثوية المتحدة.. قالت انه دخل دونما صعوبة، و كأن الحدود قد فرشت له زهورا، ربما لاصطياده، و جعله عبرة لغيره، و انه قد تزحلق من الحدود حتى قلب العاصمة نهداد دون أن يدري كيف، كان كل شيء متموجا و زلقا.. و الشوارع أشبه ببطون الكواعب الملساء، أما البيوت فنهود منتصبة بأبواب تشبه الحلمات، و السيارات نهود أخرى تنزلق كأنها جحافل من "حيامن" تناضل لبلوغ بويضة أنثى..

لم يكن هنالك من دخان، و لا غبار، و الأريج يفوح في المكان حتى يخال المرء انه في قلب زهرة، و ليس في مدينة.. الألوان أصابت عينيه بغشاوة، و خدر لذيذ سيطر عليه و هو يسير تائها بخطاه بين أجساد لم تسترها قطعة قماش..

علام القماش و الأزياء والأحذية؟؟؟، هكذا تساءلت المرأة العجوز، نحن نلبسها هنا أما بسبب مفردتي العيب و الحرام ضمن القاموس الذكوري سيء الصيت، أو لنثير الرجال بإظهار بعض الجسد كي يصاب بالجنون ليرى ما خفي منه...

طاف الانتحاري كشبح، لا امرأة تلتفت إليه، فجميعهن ينزلقن كأجنة في بطون لا تعرف الم ولادة، يسبحن دون نقل الإقدام في بحر زلق السواحل، لا يشعر من يبلغه إلا و كأنه الطير محلقا في سمائه..

معظم الروايات تتفق على انه قد مات بالسكتة الانتصابية، فقد عانى من انتصاب لا يتوقف منذ أول خطوة له نحو الحدود و حتى الملعب المسمى بلحظة الإبداع...

و الملعب هذا فيه سر تفوق الحضارة الأنثوية على المختلطة، فهنالك ينهمر الحب كمطر ربيع يخضل الأجساد الطرية المشدودة، و النهود المنتصبة التي لم تتجشم عناء الإرضاع، و البطون المستوية التي تجهل الحمل و الترهل..

كل امرأة مع ألاف من خليلاتها يعشن زمن النشوة الجماعي، كل الشفاه الناعمة تقبل غيرها، و كل الأنامل الرقيقة تداعب ما تعثر عليه حولها من عطايا الأجساد العارية، و تتحد ألاف من التنهدات كموسيقى عارمة يهتز لها الفضاء، و تجعل من السيول المتدفقة لذة محيطا زبده خمر دنان كواعب لم يعرفن المشيب، يقطعنه عوما نحو قمم الطاقة الذهنية...

و عند تلك القمم تصنع المعجزات، و تشع من العقول شموسا لا عهد لنا بها، تغير من كيميائية الخلايا العصبية، و تدفعها الى العمل بأقصى قدراتها، ليغدو اينشتاين بعبقريته مجرد غبي أحمق في المختبرات التي تمتلئ بالنسوة المبتهجات بعد انقضاء لحظة الإبداع..

تنبلج الحياة من بين ذراعي كل أنثى، و تلج الإقدام الحافية المترفة المجرات من ممراتها المفتوحة دونما حصون، تلد شبكيات العيون أقواس قوس قزح تتردد في رحابها صدى ملايين من الضحكات الأنثوية الشبيهة بالسيمفونيات، و تبنى المدن في رمشة عين، و تزرع الآلاف من الزهور، و تحبو الملايين من الرضيعات على ارض من حرير..

لا يشكو احد فقرا و لا جورا، لا تعرف الكراهية، و لا الحقد..

المدارس سفوح جنات تمنح لطالباتها القدرة على التواصل مع كائنات أخرى عبر الفضاء.. و التلميذة لا تحصل على شهادة نجاح أن لم تقدم لمجتمعها الأنثوي اختراعا جديدا يضيف سببا جديدا للسعادة..

الرجل الانتحاري ظل ينزلق بين ملاعب، و مسابح، و ورشات عمل أشبه بقصور من ماس و ذهب، و هو يكابد انتصابه حتى توقف قلبه مرهقا، و تم تحنيطه و عرضه في المتحف..

أستاذ التأريخ يصف لنا بشاعة الأجداد، و حروبهم، و كيف تم تحطيم كل معامل السلاح بعد ثورات لم تتوقف من قبل الأمهات، و كيف أصبح الرجل يسير برقة فراشة تحط على زهرة ربيع، و يتكلم بصوت أشبه بالكمان و هو يحاول أن يرضي زوجته بعد أن قررت المغادرة صوب نهداد..

قال إننا مررنا بفترة خشينا فيها من الانقراض، و لازلنا نخشى ذلك، فالنساء في نهداد يقطفن البنات من أشجار المحبة، لسن بحاجة لنا، و النساء هنا يرغبن في الهروب نحوهن، أصبح كل مائة رجل يخطبون ود واحدة فحسب، جميلة كانت أم قبيحة، فقط كي لا يظل احدهم وحيدا، و إن أغضبها غادرته دون أسف صوب من هو أفضل منه ليقضي بقية عمره متحسرا على ذكريات حضن امرأة..

قال أيضا أن المثليين حوربوا بشدة، فهم يقللون من قدراتنا على أنجاب المزيد من الرجال.. و قد قتل كل من أبدى ميولا شاذة قتلة شنيعة..

زرت المتاحف مرارا لأفهم دوافع الحروب، و القتل التي جعلت من أجدادنا عبيدا للموت، و لم استطع تخيل ذاك العالم الأحمق.. و لولا خوفي من السكتة الانتصابية لزرت تلك الولايات و أعلنت ولائي المطلق لها..

في المدرسة لقحوني بلقاح مضاد للاغتصاب، رغم أني لم افهم كيف يطلب الرجل من المرأة شيئا دون رضاها..

كل ما كان، يبدو لي في منتهى الوحشية، قد تغير عالمنا و أصبح اشد هدوءا مقارنة بتأريخ الدم، و الاغتصاب، و الفقر، و المعاناة، رغم ذلك مازالت الولايات الأنثوية تمنع دخول الذكور.. إنهن ببساطة لا يشعرن بحاجة لتواجدهم، بل يرين في شعر أجسادهم ما يخز الشوارع المورقة بنعومة، و في شواربهم ما ينتأ بقبحه في حدائق تزهو بالجمال المنبسط أمام الأعين..

تمنيت لو أنني أصبح بنتا لمدة يوم واحد يسمح لي فيه أن أعيش في تلك الدنيا التي لا تعرف ليلها من نهارها.. فالشموس الصناعية بلا عدد.. و النهود التي أتمنى النوم في ظلالها هي بيوت و أشجار..

قبلت أمي صباحا و أنا أقول لها:

إنني اعلم حجم تضحيتك إذ لا تلتحقين بالنسوة هناك.. لا عجب أنهن غيرن مسار البشرية من الحماقة نحو التواصل مع سكان مجرات لم نرهم يوما.. و قد صنعن جنات فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطرت على قلب بشر.. هن كما أنت، لا تعرفين سوى أن تمنحيني كل ما بحوزتك من حياة...

 

أنونيماس
المعرض الذي أقامه المجهول في صالة الضياع ضم مليارات من اللوحات

لم تكن جميعها باللون الأسود و الأبيض..

بعضها لُوّن بألوان العيد ، وبعضها رسم وجوها بقسمات مختلفة، فيما حلقت لوحات أخرى في دهشة اللامعقول..

نظرت الى ساعتي.. الوقت يشير الى ثمالة ما تبقى منه، و الجدار المنتصب أمامي لا تحده حدود..

خربشات على جدار الزوار تظهر وجود آخرين، لا أتبين لهم صوتا، و لا صورة.. ، كأنهم الغمام بين أضراس ريح..

رحلة دون تذكرة.. وجدران دون سقف.. لوحات دون الريشة او أصابعها..

- ما الذي أتى بي الى هنا؟..

بحث سريع على غوغل.. عن تأريخ ميلادي.. وجه أمي.. و هي تلدني.. صرخاتها.. شكل أبي، وهو يستاء من أنوثة بشر بها توا.. وجوه قد مرت بي، او مررت بها.. أختام أقدام من موطن أعرفه بعثراتها على الصفحات الالكترونية..

أبحث عن وجهي..

- البيانات لا تطابق ما كتب في حيز البحث..

طعم خبز التنور يبحث عن موهبتي في التعرف اليه.. رائحة الشاي المهيل تحيط بي كذراعي أمي.. لكن غوغل حدق في وجهي بسيماء ذاهلة..

تمنيت لو ان حيز البحث يكبر قليلا ، و يستوعب حكايتي:

- قد كان لي ببساطة قرية من طين، ومدرسة، وتلاميذ لا يتغيبون عن الدرس، و إن أمطرت ثلوجا، يرتدون ثقوب الأسمال، و يحلمون أحلاما لا تسعها بيوت القرية..

هل من أثر لها في معرض المجهول؟؟..

هل من بقايا لها في صالة الضياع؟؟..

البدايات ارتمت بين شهوة كينونة، و امتناع.. كخيوط فجر لم يشأ ان يعزف نهاره بعد على وتر الشمس.. الأوراق البيضاء، الكلمات العذراء.. جميعها ترتعش بين تلاش و ظهور..

على الطاولة انتصبت لحظة تحول في انتظار أن أقبض بأناملي عليها..

خُلِطت طينة الأديان ببعضها، و عُجِنت كتب الأنبياء، و استدارت لتكون بين ذراعي المعجزة التي لا تدرك.. كي تدرك!!!!!!!..

أصوات حشود تسد منافذ الاصغاء، تهدر من ثقب كوني..

هنالك غيري ربما؟؟..

الحاسوب بصمته لا يُنكأ له جرح أمام هول حيرتي.. يطالعني بدهشة غوغل امام اسئلتي.. حتى تستأثر بي رغبة بحث عارمة.. تستولي علي تماما..

التقط حمى التحام مع أناس معي في الصالة بملقط قروي ساذج، كذلك الذي يحثون فيه الجمر على الاتقاد.. تسحرني ذكرى، او خيال، او ظل إنسان ينكر قبر وحشتي.. و عند شفاه تتشهى الموت تهذي بعض كلماتي ازاء كل عدم يرميني صوب غيره:

- هيا يا غوغل.. أرجوك..

أيها الكونفوشيوس البوذي الزرادشتي اليسوعي الطيب..

ألن تقل لي في أي مكان أنا؟..

قد رضعت حليبا من أم تجهل أبجديتها، و قد ظننت انني لن أكون مثلها يوما، و سأغير الاقدار التي عجزت عن فعل ما يضدها، و لن يتجاهلني الكون مع معرفتي بأبجدية كانت فوق الدفاتر كشموس تتقدم نحو صغار القرية.. لكنك الآن تزدري كل أبجدية أتقنها، فأنا خارج أسوارك، في معرض المجهول.. في صالة الضياع..

الجفاف يهل كمطر الكتروني لا يرى على محيا غوغل.. يتوقف البحث عند النتائج ذاتها، و يكرر نصائحه.. غير الاملاء، اختصر الكلمات، ابحث بلغتك..!!!

أغادر صفحة غوغل كعبد مذنب أقيم عليه الحد.. و ابتعد بضع خطوات..

أنظر الى الجدار الذي لا ينتهي مثل جدار صين الكتروني يلتف حول نفسه في بانوراما مثيرة للغثيان..

أمد يدي نحو لوحة تتكلم..

تتكلم دون توقف بصوت أقرب الى صوت إنسان آلي..

أغتالُ الضباب الذي شكلها بأصبعي دون قصد..

تتساقط كلماتها كنثيث ثلج على سواد هوة تحت قدمي..

أنتقل الى لوحة امرأة ترقص بمجون..

تغادر مكانها.. ما أن أشاركها، و أشرع برقص ثنائي..

الموسيقى تستلقي كشيخ يحتضر على منحدر الجدار..

ارتد على أعقابي متوسلة بمستر غوغل..

أشرع في تنقيب الكتروني عن نبرة صوتي..

ربما يحتفظ بنموذج له قبل أن يغادر حنجرتي؟؟..

غوغل المهيب يعرب عن أسفه.. لينتهي البحث الى سفوح بيضاء مشوبة باعتذار مهذب..

- أهناك سبيل للبحث سوى غوغل؟؟..

كل ما حولي يرتمي حيث ارتضت له عيناي..

و الأصوات تغزلها أذنان لا تتقنان سوى اللغة العربية..

- هل بإمكاني العثور على لغة أخرى؟؟..

- هل بإمكاني سماع الآخرين؟

منكبان غوغليان يبتعدان، و يصغران أمام ناظري..

الأوتاد داخل روحي تتساقط.. و يتهشم الفراغ..

ألأغاني، و الذكريات تذوب كخيوط من الشمع على شفتي بركان.. ، تقتل سجادة من خيوط الصوف بزخرفة قروية..

ادور بشوق حول صدى ضحكاتي التي كانت يوما قبل إنبعاث جثة غوغل..

أرفع الستار عن استعراض يوم البعث، و هو ينشر غسيله على منتجع كامب ديفيد.. و البيت الأبيض.. و ضجيج لوس انجلوس..

أكرر صلاتي رغم تنحي غوغل عن مهمة البحث.. و مغادرته الصالة..

أيها النبي الالكتروني المهول.. أيها العارف بأسراري، و أسرار قريتي، ايها المتمكن مني، و من تأريخي، ايها المؤشر العجيب الذي يحط على كل اماكن لامستها رحلتي.. انني ارجو الحضارة فيك، و اناشدها:

هل من حقول قمح؟؟ ، أو صورة امرأة تحتطب؟؟، أخرى تحمل جرار الماء؟؟، طفل نصف عار لا يهمه برده من حره؟؟..

هل من أب لا يعرف دهاليزك؟؟، و يمحي امتدادك العظيم المنتفخ في وكالة ناسا أو الأف بي آي بأبوذية يحفظها عن ظهر قلب؟؟..

الفضاء الافتراضي يبدي امتعاضه من سيماء لغتي العربية..

يجيب دونما اكتراث:

- لم يتم العثور على الرابط الذي طلبته، ربما كان منتهي الصلاحية..

ما زال يشتت ذاكرتي.. يعيدني الى زحام اللوحات.. بصمتها، و صراخها، و اهازيجها..

بين لوحة و أخرى تتداخل الأيام و جسدي، تتناثر جيف جثث متعفنة لزوار سبقوني في ضياعهم، تجاهلوني كما فعلت دون خيار مني او منهم، و أغفلوني كما أغفلتهم قبل ان نجد الوقت لنسأل: لماذا؟؟؟..

أخربش على الجدار المخصص للتعليق يائسة، أمضغ مرارة وحدتي كتسلية لا أملك إلاها.. شيء من الأمل يدعوني لكتابة اسطر مضطربة:

- أنا ماجدة، من قلعة سكر، في جنوب العراق ، أرجو ممن يلتحق بي من أهلي أن يوصل رسالتي لمن بعده..

أنا ضائعة في مكان يزهو بفخامة القصور، اراني في كل الاتجاهات التمع على مرايا لا حصر لها كقطعة ماس تركت في علبة لحين استخدامها.. أنتحب كطفل في سوق مزدحم ، رغم اني من مواليد عام 1964

أظنني في العام 2015.. لازلت امتلك بعض الثقة لأجزم أنني في هذا العام لا غيره..

أشعر ان لا صلة لي باللوحات.. و لا لون فيها بإمكانه أن يحل محل نبضات قلبي.. لم يطرق سمعي أي صوت.. بل صوتي نفسه ذاب بين حبال البلعوم كحلم تائه في صحرائه بقطرة ماء تتشكل عند افق اليأس..

في يدي كأس موت، و رعشة ارتشاف تستحوذ علي.. و ان كنت أستطيع التنفس جيدا حتى الآن..

أجهل موقعي على خارطة العالم، فالداتا تتراقص امام عيني، و ليس سوى مستر غوغل من يعرف فك الغازها.. يبدو عليه الكرم، و سعة الصدر.. لكنه ببساطة لا يرسم لي دربا قد تخرجني من ضياعي.. و تعيدني الى قلعة سكر..

لابد أن أعترف ان أعمدة المعرض الرخامية الهائلة لم تثر في سوى مشاعر غربة، لم توكل لها مهمة اسعادي، او العناية بي باي شكل من الاشكال، فانا محض داتا امام عينين خبيرتين، تجسان وريد الماضي، و شريان المستقبل، و تعبثان بتوزيعهما على خلايا جسدي..

اللوحات بمخملها المترف لم تقايضني بسعادة تشبه تلك التي عرفتها في سبخة (أبو درابي)**، والألوان مع براعة توزيعها ليست بأجمل من فسيفساء (كاع إضْحَيجة)*** التي تزهر، و تعشب، وتكشف عن  الفطر بعد المطر..

ربما هناك لوحة في هذا المعرض الفسيح تمثلني.. لكنها لا تنتمي لي.. طالما انا نفسي لم أفلح بالعثور عليها..

بودي ان اقول شيئا أخيرا أيها الكون المغوغل، و هو لك وحدك، و كل رغبة لي:

ان السباحة في (الكَـرمة)**** هي كل ما أحتاج اليه ألآن.. بعدها ربما سينجلي ضباب غربتي، واغترابي..

 

نيزك مكة
(كلاهما: النيزك و الهلام يدوران كما شاء لهما شبق الزمن المفترض، يرافقان اميال ساعة لا تحظيان باهتمام مجرة ما..)

 

لطالما وقفت قربها ، متأملا سكونها ، و إنعكاس الألوان على محياها..

في حدقتيها يلمع بريق الماس..

ثغرها مفتوح بدهشة أبدية.. و يداها مفتوحتان ، و ذراعاها ممدودتان كأنهما تنتظران هبات المدى..

جميعنا شعرنا بحزن شديد حين قالت أمي:

 كانت طفلة تلعب مع البنات لا أكثر.. غير أنها فكرت أكثر مما ينبغي لبنت بالنجوم..

شغلت نهارها، و ليلها تتخيل عما يمكن ان يكون عليه هذا الشيء اللامع البعيد..

لم تجد سعادة في مرافقة اقرانها.. و لا فيما ركن حولها سعيدا بغبار الإهمال.. حتى رصدها شهاب فضائي ، اخترق جسدها ، و خرج من هامة رأسها عائدا من حيث جاء..

انها جميلة و خالدة كما ترون.. لكني أشك بوجود روح في جسدها الماسي..

- هل تستطيع ان ترانا كما نراها يا أماه؟..

ابتعدت أمي، و هي تقول بيأس:

- إنها مجرد نيزك سماوي ، لم يحظ بكعبة، و لا طوفان حجيج..

 

هلام
يجلس عند الدار التي زينت عتبتها بالجفاء..

خليط مما مضى عبر قرون غابرة، و شيء من الآن، و أملا في غد يصنعه من يقيمون بعد تلال الموت..

هكذا تربع على حصى الطريق.. غير معترض على عنجهية الطقس، و لا على غموض المكان.. منتظرا دونما ملل.. دونما أمنية ان يهطل المطر صيفا، ان يهب نسيم البحر من جهة الصحراء.. ان تهبط النجوم من أعاليها لتكون ثمار شجر الشوك الصحراوي..

ليس لجسده ان ينثني أكثر مما انثنى لحظة وداع حتى قبل شفاه القبر.. و ليس لعينيه ان تترقبا سوى ما تمنحه الرمال من سراب..

تحسب انه نتاج مخاض الصدفة.. أو صنيع قرار الهي.. لكنه يظن ان ما بين محجريه يقيم كون اشتهاه.. ليس من الضروري ان يكون واقعا ذات يوم.. فهو لم يرسم خطته بعد ليوم قادم..

و لن يفعل..

هذا المخلوق ينام على وسائد الذهب دون ان يشعر انه ملك.. دون ان يعرف بريق الذهب..

و يضطجع على الحرير، و هو لم ير بعد سوى خيوط الحبال في تلعثم المشانق عند الرقاب الصاغرة..

انه أبيض كخيط فجر قد يحيله الغيث الى حزمة الوان.. غير ممتنع عن أنامل خزفي ليصبح أهزوجة جمال بين روابي الصمت القبيح..

قد تجرفه الانهار الى حيث لا يتمنى.. و قد تداعبه الجبال باحمرار حممها.. و قد يبدو عصيا فوق موجة بحر حتى يرسو عند شاطيء..

مازال كشأن الاصنام يجلس عند عتبة دار يشده الترقب، و هو بين الترصد، و شعوره باليقين انه قد لا يدخلها ابدا..

ابحث لك عن نهاية اخرى..

بالامس كان الجدار يستفزك بصمته و ثباته امام ركلاتك المجنونة المثابرة..

فانت لم تصدق انه جدار..

او لعلك لم تعد تفهم الفرق بينه و بين ما حولك من كائنات، فصدودهم لك لا يختلف عن إتكاء هذا الجدار الى فراغ، و امتناعه عن ترديد صداك..

- ها ها ها..

قهقه ما شئت لان الشمس تخترقك كأنك من زجاج..

و لا ظل لك.

الشقراء المارة على عجل تنظر اليك بازدراء..

- سحنتك مريبة، و شرقية بشاربين صداميين؟؟؟

رجل احمر الوجه يرمقك باشمئزاز.. يذكرك بمعاذ ، و سوطه ، و الكرسي الكهربائى ، و المروحة التي تعلق فيها بحبل مشدود لساقيك.. و مؤخرتك الدامية و هم يحشرون كل ما أعتادوا على حشره في مؤخرات السجناء حتى لحظة اعترافهم بما ارتكبوه من جرائم، و بما لم يتبينوه من تهم منسوبة اليهم ، لا تعني تفاصيلها بالتأكيد من هو على شفير الموت.. بمعنى آخر كل ما جعلك تقطع القفار مشيا على الاقدام حتى موضعك هذا من حديقة خضراء منسقة بطريقة لم تعتدها عيناك.

صمتت طويلا قبل رحيلها و تحولت الى أحجية.. غضبك و صراخك لم يجد نفعا.. إستخدامك للغتك الأم عند احتدام الخلاف هو الاسوأ..

ربما هو ما دفعها لحمل حقيبتها بلا عودة..؟؟؟؟

الشمس.. رفيقة ماضيك ، و ساعتك المفضلة لمعرفة الوقت، و بهجة العودة بأكياس طعام.. صارت بخيلة العطاء هنا..

تتصبب عرقا و تستجيب لأوامر "الخَـلْفة"(1)، لا يعنيك الفرق بين الإرغام و الحرية، بين الرضا و الرفض.. ففي نهاية النهار ستشبع بطونا جائعة ، و يتحلق حولك الجميع، ينتظرون ما في جيبك من حلوى..

أهي الشمس ذاتها؟..ألم تتغير؟؟....

تخترقك ألآن بسيوف الضياء.. و على العشب النادي الشديد الخضرة دون ذرة غبار لا يرتسم ظلك..؟؟؟؟.

اطفال يهرولون في الحديقة العامة ، يعرفون البهجة فحسب..

بحجمك الصغير هرولت خلف اللقمة..في سوق مزدحم..

خياران فقط على الأغلب تبينهما والدك يومها.. الموت دون علم عراقي يلف نعشه أو الموت ممزقا.. مجهول الهوية في حرب ناقة البسوس..

لم يشأ الموت لاجل ناقتها.. و لا أظنه شعر بسعادة الخلاص عندما ربطوه على جذع نخلة يتلون عليه بيان إعدامه، مباركا بزغاريد الماجدات من حوله، و متوجا في النهاية برصاصة رحمة يطلقها رفيق شديد الاخلاص لقائده الفذ..

- هل كان لك ظل يومها؟

لم تجد الوقت لتفكر.. فصاحب المطعم المجاوريبحث بإستمرارعن أية خلوة ليحشر قضيبه في مؤخرتك كما فعل الرفيق معاذ لاحقا.. ترتعد و تتحاشى اللقاء به.. و كثيرا ما نسيت أمر بضاعتك الهزيلة تاركا إياها للسراق..

الشمس تخونك اليوم.."الشمس اجمل في بلادي من سواها..والظلام حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق"(2)..

ما انت بكسيح الساقين، بل كسيح الروح.. و الخليج ليس امامك.. ليس هنالك من فرصة لتأمل الخليج.. هو ايضا اصبح يستأصلك جغرافيا.. و الناس على سواحله لا يرون سيّابك ، و لا يريدون تذكره..

جسدك الغريب المثير لإشمئزاز المارة.. تخترقه النظرات المستهجنة..

(غريبة من بعد عينك يا يمه..محتارة بزماني..) (3)

يتهدج صوتك تعجز عن نطقها؟؟..كلمة (يُمّه)؟؟..

المكان لا يليق بقدسية المرأة التي تدثرت بالسواد منذ صوبت البنادق نحو صدر ابيك و هو موثق الى نخلة.. مذ منعتْ من البكاء علنا عليه.. مذ صارت تعمل في خدمة البيوت المترفة للضباط الكبار.. مذ قتلها البكاء على شقيقيك الاكبر سنا..

- انشقت الارض و ابتلعتهما؟؟.

اغلقت عينيها ابدا.. و هي تسأل الكون اللامتناهي عن بقعة قد يتواجدان فيها..

العيون الزرق الخضر الملونة تطعنك؟؟؟؟؟..

لا تدري؟؟..

هو ذاك ، مثلما لا تفهم أهمية الزمن بالنسبة لهم.. و هم يتسابقون معه.. انت الغريب من تعتاش على فتاتهم..

مخلوق بسحنة مختلفة يتحاشاها الجميع.. غيبته السجون ، و اللقمة البائسة ، و البحث عن ملجأ حيث لا يرون لك جذرا و لا جذع نخلة و لا ثمرا..

صورتها محطمة الزجاج.. هذا لا يعني ابدا ان البلاد ليست بلادها.. لن يدمي قلبها حطام زجاج في غرفة الغريب..

الذهول يحيط بك و انت الى جوارها.. لديها قدرة هائلة على طرح اسئلة يتعذر ان تجيب عليها دون استخدام الفعل المساعد تشا  (جا)(4)..

كيف لك ان تشتل النخيل على السرير.. و تبسط وادي الرافدين؟؟؟؟؟؟؟؟.

شقراء لا تشبه امك و لا اختك.. دمية جميلة.. تمنيت لو حظيت بها و انت صبي.. الدموع لا تترقرق في عينيها.. و ليس بينها و بين حزنك السومري عشرة...

- الجثث جعلت من الكلاب ذئابا..

صوته يتدحرج ككل حصى الذكريات البعيدة المغبرة..

- التحق بالقوات الامريكية!!.

فكرة يائسة القت بك في معسكر الصحراء (رفحاء)(5) حيث تمنيت لو انك جزء من الرمال المترامية الاطراف لا شهيق يعلو و لا زفير يهبط..

- انت عراقي؟؟؟؟

سؤال اشبه بتهمة..

تركل الجدار.. تركل مؤخرة صاحب المطعم.. تركل الرفيق بملابسه الزيتونية و هو يطلق رصاصة الرحمة على رأس ابيك الخائن المجوسي.. تركل البضاعة التي لا تعرف بيعها و انت مجرد طفل باك لاجل لعبة في العربة المجاورة.. تركل سر الارض التي ابتلعت  شقيقيك.. تركل الحدود بينك و بين دول العرب.. تركل مطاراتهم التي لا تستقبلك.. تركل الماضي كله دون حاضر بين يديك دون مستقبل لا تغترب فيه..

هل تركل النخيل؟؟؟؟

انه ينمو داخلك.. كما ينمو حزنك على وجه امك و هي تحتضر، و تستحضر ارواح المغيبين، و تحصيهم و تنادي عليهم واحدا إثر الآخر..

مجيد..سالم..حسن..هادي..

- انا هنا يمه...

انها لا تسمع كما هو دجلة حين تسأله عنه.. تبحث عن جثته الطافية و قد تورمت و ضاعت ملامح وجهها..

و من جديد تتجه نحو مشرحة الطب العدلي..

رأس كلب خيط الى جثة شوهها التعذيب..

تتقيأ.. تتقيأ.. المرأة تبكي و هي ترش الماء على وجهك.. تناديك من خلال غيبوبتك:

- هل وجدته؟،هل تعرفت عليه؟؟؟؟

الشقيق الاخير.. من يشبه اباك تماما..

كيف ستقول لها انك لم تعثر على الجثة؟؟؟؟؟؟؟؟؟....

زوجته مدثرة بالسواد ايضا، و لا عزاء ينصب.. دون جثة.. و لا حتى رأس..

تحتضن.. الزخارف، و المقابض الفضية، و النقوش الرائعة، تلح بسؤالك عند الضريح...

لا جواب في الكاظمية، لا جواب في كربلاء، لا جواب حتى في مقابر النجف..

حزنك اصبح لغزا محيرا.. تربتْ برفق بيدها المشذبة الاظافر..

- انا اسفة!!!!!..

تركل الجدار الاصم من جديد..

هذه البلاد تتبرأ من فعل سفاحيها على اراضينا.......

تلتفت اليك..؟؟؟؟؟؟؟؟؟

- ليس ذنبي كيف تعيشون هناك..

تهز كتفيها.. تحمل الحقيبة و تمضي..

شقراء اخرى تبعد ابنها عنك محذرة اياه من التحدث الى الغرباء...

تجهش بالبكاء..

الشمس تخترقك حتى العظم ، و لا ظل لك على اخضرار العشب النظيف جدا دون ذرة غبار........

الى الخطى الاولى.. الى البداية.. و حيث ينتهون، ستظلين البداية...

 

عقب ليلة مع أمير داعش
سأنثر الأروراق فأنت غير معني بها..

الخريف سيهدهدها بالريح..

و المطر سيمحو كل حبرها..

انت لك ان تمضي دون ان تلتفت..

الجميع يغادر دون ان تتريث نظراتهم ابدا عند هزيل المكان، أو فوق قطيرات الزمان المخاتلة امام فحيح الخلاء..

و قبل المغادرة كانوا قد باعوا حصتهم في كل هذا للنسيان، او للاهمال، و لعلهم قد اهدوها لطريق ما تدوسها كل قدم دون ان يعرفوا لماذا..

الأوراق سيتولاها عبث التأريخ..

فالتأريخ الذي يضع العمامة وقارا ليس سوى ذاك الذئب الذي حصد الشياه التائهة حصدا..

ليس بحاجة لارتداء جلد حمل..

فهو شجاع بما يكفي ليقول كلمته الاخيرة التي لا يشهد عليها احد ممن عاصر اكاذيبه..

هل سمعت بتأريخ وقف طويلا عند دموع الاطفال في حرب ما؟..

هل همس يوما سرا : ان الملك قد داس على شرف نساء البلاد التي اضافها ماس نصر يتوهج على تاجه؟؟

هل سمعت ان امرأة استطاعت يوما ان تختلي بالتأريخ، لتخبره شيئا مما حدث لها قبل ان ترتفع اهازيج المنتصرين؟؟؟

ها انت كما هو لا تخلد سوى انتصارك..

و لا تنسى سوى شقوق السيل على محيا الماضي..

الاوراق ليست من شأن اناملك الملوثة بدعاء مزيف..

كما رأيتك دوما ترفع كفيك نحو سماء لا اله فيها..

ترفعها رغم انه قد قال انه اقرب من حبل وريدك..

فكلم وريدك، هو من يعرف اين يقيم خالقه..

و دع الاوراق.. ان هي تناثرت فحسبي انني كتبتها يوما..

و انني عوضا عن الصراخ في صحراء بدو لا يوقنون فيه بسراب، قد اودعت دمعي كما السراب...

كل الآمال التي تحرق بذبولها بتلات الفؤاد..

كل القبلات التي تساقطت من اغصان ثغر هوى، فهوى معه العشق حتى قعر محيط لا نجاة فيه لغريق..

دعها..

أكانت هي كل صباك؟ كل ما يقلقك لسنين طوال؟؟..

ام انك لا تعلم ان ضياعها، قد سبقه ضياع زاوية كنت احشد الكون فيها، و اهتف ملء ارض و سماء:

 عراااااق..؟؟..

و سبق هذا بزمن طويل فقدان بكارة الطمأنينة من وسادة لم تعانق سوى أرق الخذلان..

قد ضاع امان نهار لا تلوح فيه شمس الله..

ضاع هدوء ليل يبرق بعيني وحوش تبحث عن فرائسها فحسب..

دعها..

انها تطير كما تشاء لها الجاذبية.. وفق عناد الريح..

ان كلماتها الأيزيدية تتساقط كما تساقطت كلمات الحلاج و السهروردي.. دون ان يعني بها أحد..

ككل الرؤوس التي تحز، و لا يستغرق سقوطها من زمن المجرات ما يذكر.. رغم انها خرجت من ارحامها في لحظة لا طاقة للمجرات بها، و بوجع من وضع حملها بعد عناء...

انك تحتضن اوراقي.. و مزق جسدي توشم مخالبك بلحم قد نبض في جسدك قلبا، قبل ان يصبح قلبي فيه...

 قد صاح النخيل فيك انه منك براء..

و رمى الفراتان بزبد الجثث حيث تظن ان الكنوز كلها قد اورثت لاحفادك...

سأنثر الأوراق فأنت غير معني بها..

فالخريف سيهدهدها بالريح..

و المطر سيكون سعيدا بحبرها الذي يتماهى مع أبجدية آذار....

مومس واحدة تعني ان الجميع دفعها لتكون بنت ليل..

 

تهمة احتياز دعارة
لم أعد بعدها الى هذا المكان أبدا، لكنها بالتأكيد قد عادت مرارا..

جلست الى جوارها، كانت تمتلك علبة سجائر، و لم تتردد كثيرا في إعطائي واحدة.

كما توقعت لي أمي..

انتهى بي الأمر أن أكون أنا، و ممتهنات الدعارة في مكان واحد..

الحرب لم تضع أوزارها بعد، و معظم العاهرات كن يساومن على أجسادهن، ليعاودن العمل، بعضهن يعيل أسرا كثيرة العدد، و الإقامة في السجن تعني نفاذ القوت في البيوت، و جوع الأطفال..

- هذه المرة لن أساوم..

- لم لا تخرجين بهذه الطريقة، في النهاية سيأخذون ما يريدون دون مقابل..

- لا يبدو انك مومس..

- نعم، أمتهن دعارة من نوع ثاني..

- انها أوضاع يختارها الزبون..

- لست أعني ذلك..

- أهناك دعارة لا أعرفها؟..

- الكثير.. ، معظم من دخلن التوقيف معي تم إخلاء سبيلهن سوانا..

- تضعين نظارة؟..

- كي أرى جيدا..

- هل ترين أكثر مني؟..

- لا ، لا أظن ذلك، انت قد شهدت ما لم أشهده..

- هل تعلمين لم أنت هنا؟

- نعم...

- ملابسك رسمية جدا، هل زبائنك من علية القوم؟..

- نعم..

- لدي خمسة أولاد من زوج فقد في الحرب..

- أية حرب تعنين؟

- تلك التي لم تزل تحرق الأخضر و اليابس..

- لدي ولد واحد، كانت ليلة عرس فقط، و غادرني عند الصباح دون عودة..

- أعثرتم على جثته؟

- دفنت واحدة تفتقر الى ملامح البشر، محترقة تماما.. كي أحصل على تقاعد، و بيت..

- أها؟، تزورين قبر رجل مجهول؟..

- ما الفرق؟، هل ترين فرقا؟..

ضحكت بضجيج متوقع من بائعة هوى..

- لا فرق بينهم، ذوقهم واحد، يشتمونك، و يسجدون امامك كل ليلة..

- أردت ان يكون لأمه قبر تزوره..

- أين وجدوك، مع من؟

- بعد إكمالي لإذاعة نشرة الأخبار، كنت وحيدة، حتى المخرج قد غادر، رغم ذلك أنا معك موقوفة..

- هل بعت الهوى على الهواء مثلا؟

ضحكت من جديد بصخب..

- لا، ربما لأنني لم أفعل..

- دعيه يحصل في الخفاء، هذا أفضل بكثير..

- هل فعلت ذلك يوما؟

- بلى، و كنت غبية حين رفضت ان يختلي حبيبي بي، و أمنحه ما أراد حقا.. ، فقد اضطررت بعدها الى الاختلاء بمئات غيره.. ، انتهى زمن الهوى ككل شيء آخر..

- إن لم يفعلها الشرطي، سيفعلها المدير..

- لدي خمسة ينتظرون..

- لدي واحد مصاب بالتخلف العقلي، هو مع جدته..

- لنخرج اذن من هنا..

- انت للشارع، و أنا نحو غرفة المدير؟..

- ليس لنا سوى ذلك..

- اعطيني سيجارة أخرى..

- كان التدخين يوما ما عصيا..

- كان........

- الشرطي قادم..

- المدير أيضا..

يقترب الشرطي و معه المدير..

غرفة التوقيف تغادر آخر نسائها..

صراخ في الزنزانات.. صمت خارجها.. هكذا لن تستوي المعادلة.. و سيصرخ من هو فيها، و من هو عليها..

 

زهراء
ولجتْ بابا قديما شديد الحياء، ضيق بمصراعين ليسا بواسعين ابدا..

لاحقتها عيناي حتى الدهليز الذي توارت في انعطافته..

قبعة نسائية تشبه غيرها..

أكانت هي؟..

عدت الى السوق مرة اخرى ابحث عن امرأة تشبهها..

لا ترتدي النساء العربيات قبعة عادة في هذه المدينة..

قادتني ظنوني الى العودة حيث البيت الذي اختفت فيه..

زقاق ضيق كجزء من حارة شرقية.. الباب متناغم مع غيره من مظاهر الشرق التي تلف المكان..

عند النافذة تعلقت عيناي بطيف يتحرك ببطء..

لعلها هي؟

- أيتها المرأة ، أهذا بيت زهراء؟

هكذا سألت باللغة العربية، و بالذات باللهجة العراقية..

- نعم هو ذاك..

أجابت المرأة بعفوية بالغة متابعة سيرها دون ان تنظر الي.. كأنها تعلم حقا كيف التقيت انا بها؟..

في زنزانة جمعتني بها وقوفا كانت انفاسها المتلاحقة تشعرني بالخوف

- زهراء عبد الرضا..

بعدها تختفي خلف صراخها في مكان قريب جدا..

في باحة سجن لمحتها مرة خرى بعد بضعة أشهر، و بطنها يتقدمها..

اليوم تبدو لي مختلفة، الا انها تحمل الكثير من اليافعة زهراء..

طرقت الباب بجرأة كبيرة..

وقف رجل عند الباب..

رأيت جرأتي تتحول الى وقاحة:

- اني ابحث عن امرأة شاركتني زنزانتي ..

- أية نزانة؟

أنت مخطيء ايها الرجل، لا يسكن احد هنا سواي..

عدت الى السوق تكاد خطاي ان تلذع الدروب الخاوية منها.. بدت لي بين شعاع الشمس، و بين عيني تتوهج كقطرة دمع تتوارى في مقلة نزحت قوافل انتظارها نحو غروبها دون عودة..

آه.. كم تؤلمني اليوم بوقاحتها هذه الشمس المستبدة..

فقد اشرقت بعد ذاك الظلام الذي احتوى مزق الثياب على جسد زهراء!!!!!!!......

(الطاعة لا تستحق تصفيق أحد ، انها تسحق وجودك فحسب..)

 

يوم تمردت
أأنا الذي لم ارها ابدا ، ام هي التي اخفت وجهها خلف نقاب او قناع؟..

 الشاي الذي تعده صباحا ، و تضعه امامي دون ان تنطق بشيء، سيرها الحذر، و الطريقة التي تنقر بها على الباب.. صمتها المستمر.. طاعتها.. كل هذا دفعني الى نسيانها حين لم تحضر ذات يوم..

جاءت اخرى.. لابد من الشاي و الفطور و الطعام بأوقاته..

توقفت و انا اضرب على لوحة مفاتيح الحاسوب.. و نظرت نحو المكان الذي اعتادت تناول غدائها فيه.. ركن من زاوية المطبخ يقابل غرفة المكتب التي لا اغادرها حتى موعد نومي..

- لم تجلسين هنا؟

- لعلك تحتاج شيئا ان ابتعدت؟.

حاولت تذكر ملامحها..

في روايتي وصفت الخادمة بدقة، لم اغفل حتى ردفيها و اهتزازهما اثناء الرواح و المجيء..

- ما اسمك؟

- خديجة..

- كم عمرك؟

- 25 عاما

- متزوجة؟

- نعم، و لدي خمسة ايتام..

- خديجة انا لا اعرف اسم التي سبقتك في العمل هنا، و الآن لم استطع ان اتذكر شكلها.. هي ايضا كانت أما لايتام حرب..

- استاذ انت مشغول..

عيناها اطلتا من مرايا الخزانة.. التصقتا بالباب.. اتسعتا عند الجدار.. تجنبت النظر الى الاثاث، و انشغلت بالبحث عن مصدر المياه التي تبلل وجهي، و فراشي..

قطرات كبيرة تكفي لأغراق سريري الواسع، و افساد اثاث الغرفة كله..

رفعت عيني متتبعا مصدر القطرات..

عيناها السوداوان تفيضان بنظرات لوم.. تشغلان كل مساحة سقف غرفتي.. تمطران بسخاء.. تحوطان جسدي برموش كثيفة كأذرع اخطبوط..

تسحباني نحوهما..؟؟

-  أأنا الذي لم ارها ابدا ، ام هي التي اخفت وجهها خلف نقاب او قناع؟..

أم انني كنت مرتحلا مع قلمي، و لا أدري من تلك التي حملت ناقتي على رأسها، و اكتوت قدماها بكلمات رواياتي دون ان تفلح في رسم عينيها ابدا؟؟؟..

 

التوقيع: امرأة من الأنونيماس

 

هوامش:

-                     انونيماس*  باللغة الإنجليزية Anonymous  تعني المجهول، وهي تمثل أكبر تجمع الكتروني لحركة شبابية غامضة التنظيم و الرؤية، يتميز أعضاؤها بقناع يضعونه على وجوههم ، تعنى بمهاجمة كل مستبد - كما يبدو- الكترونيا، و الإطاحة بمؤسساته الالكترونية ، رغم فشل مظاهراتها الأخيرة في كل العالم.

-                     (ابو درابي)**  اسم أرض سبخة في قلعة سكر.

-                     (كاع إضْحَيجة)*** اسم أول ارض زرعها اجدادي عند قدومهم من الحجاز و حتى نهر الغراف حيث ابتنوا على ضفافه قلعة جدي سكر المشلب، ثم تحولت الى سبخة أيضا بعد قانون الإصلاح الزراعي المشؤوم.

-                     (الكَـرمة)****  نهير صغير يسقي الأراضي الزراعية في قلعة سكر.

 

 (1)الخَلْفة هو الاسطة او رئيس عمال البناء

(2)مقطع من قصيدة "غريب على الخليج" للسياب

(3)اغنية حزينة عن الام للمطربة العراقية زهور حسين.

.(4)تشا او جا كلمة تميز لهجة اهل الجنوب في العراق

 (5) معسكر حدودي بين العراق والسعودية اقامته القوات الامريكية عام 1991 لاستقبال العراقيين الهاربين من حكم صدام وتم من خلاله ترحيلهم الى بلدان اخرى بديلة في اوربا و امريكا.