يقدم الكاتب السوداني المرموق هنا عرضا لأحد أحدث الكتب الألمانية التي تتناول ما يدور في واقعنا العربي، يكشف عن طبيعة الرؤية الألمانية، والأوروبية الأوسع، لمستقبل ما يدور على أرضه من صراعات، وأهمية أن تدير أوروبا حوارا سياسيا مع شركائها العرب، يعترف بأن لكل دولة مصالحها المشروعة.

نهاية الشرق الأوسط، كما نعرفه

حامد فضل الله

منذ اندلاع ثورات الربيع العربي1 وما تبعها من تداعيات وتطورات وإعلان تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف اعلاميا باسم (داعش) وسيطرته على ثلث من مساحة الأراضي في كل من العراق وسوريا، لا تزال تتوالى المقالات وبصورة مكثفة في الصحافة والمجلات ومراكز الابحاث المتخصصة في المانيا، بجانب اصدار العديد من الكتب. لقد تعرضنا منذ فترة وجيزة لمقال "ثقافة التدمير الهمجي للإسلامويين" للكاتب راينا هيرمان وكذلك لـ كتاب "زراعة الريح وحصاد العاصفة، فشل السياسة الغربية في الشرق الأوسط" للكاتب ميخائيل لودرز.

وقد صدر الآن عن دار النشر المشهورة "سوركامب2" كتاب بعنوان: نهاية الشرق الأوسط، كما نحن نعرفه". للكاتب والباحث المتميز فولكر بيرتس3. مدير المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن. والكتاب من الحجم المتوسط ويحتوي على 144 ص فقط ويصنفه الكاتب بنفسه تحت خانة "مقال". يكتب بيرتس في التوطئة التي عنونها بــ "عن هذا المقال:

"إذا كنا نبحث عن عنوان كبير، يصف الأحداث والتطورات في الشرق الأدنى والأوسط منذ عام 2011 وكذلك أيضا منذ 2013/2014 وتصنيفه في التاريخ العالمي، عندها تبدو عبارة "انهيار النظام" مناسبة. اننا امام تفكك البنية الداخلية للعديد من دول العالم العربي، وتدمير قيم مجتمعاتهم وهذا أكثر وضوحا في سوريا والعراق وليبيا. دون أن يكون واضحا، كيف يمكن لنظام جديد أن يتحقق، أو من سوف يشكله. أن للناس في دول مثل سوريا والعراق، في لبنان أو في إيران على الرغم من كل تجارب الحرب والقمع والعنف، تاريخ طويل من العيش المشترك بغض النظر عن الانقسامات العرقية والطائفية والسياسية. إن الاعتراف بهذا التنوع الاجتماعي والمذهبي كأحد السمات الخاصة، ربما بوصفها هي السبب في وجود الدولة السورية على وجه التحديد، ومع ما يرتبط بها من توافق أساسي، على الرغم من كل الخلافات والصراعات على السلطة بوجوب أن يعيش الكل بطريقة أو بأخرى معا - كل هذا بالطبع لم يعد ساريا بعد، على الأقل بالنسبة للأطراف المتحاربة.

أن مستوى العنف الذي يمارسه الفاعلون الحكوميون أو غير الحكوميين ضد شعبهم، في سوريا وفي بلدان أخرى، والاستقطاب الطائفي - ليس فقط، ولكن بصفة خاصة بين السنة والشيعة - وهذا ما يمكن تلمس وجوده على مستوى المنطقة، في دوامة من الكراهية والخوف ويعزز الشك في أي أمل بان الدول والمجتمعات يمكن ببساطة أن تتواجد مرة أخرى معا، إذا تمت هزيمة منظمة إرهابية معينة أو أخرى أو أذا سقط نظام أو آخر.

يبدو أن العنف والحرب الأهلية الطائفية لا علاقة لها مع مطالب الحرية والكرامة وتحقيق العدالة والتي قامت على اساسها الاحتجاجات والانتفاضات التي عمت دول العالم العربي عام 2011. إن هذا العنف يمكن فهمه على الأقل جزئيا كرد من النخب السياسية على دعوات التغيير السلمي التي اطلقها من اطلق عليه الكثيرين "الربيع العربي" – أو الخوف منها. هناك حيث تتفكك الأنظمة التسلطية أو يهددها الانهيار، فأنها تطلق يد كل القوى الممكنة لإخضاع كل من كان في السابق "تحت السيطرة" أو الذين يبدون كذلك، ويشمل المتطرفين من الفاعلين السياسيين أو أصحاب مشاريع العنف لدوافع سياسية أو اقتصادية. لكن أظهرت الحركات الاحتجاجية أيضا بأن هناك أناسا في جميع بلدان المنطقة يلتزمون، أو (في كثير من الأحيان تحت مخاطر وجودية) بإنشاء نظام أفضل.

أوروبا خاصة، التي رحبت بداية بانتفاضة الجار الجنوبي، ولكن بعد ذلك وهذا ما يمكن الجدال حوله بالتفصيل فأنها لم تفعل شيئا يذكر أو تقوم بما كانت قادرة على القيام به، لدعم التحولات السياسية السلمية بشكل فعال. كان يستحسن بها مقابل الاِعجاب الحقيقي بـ"جيل ميدان التحرير" عدم متابعة سياسة العزلة في مواجهة المنطقة وشعوبها.

كيف يمكننا، خاصة عندما ننظر إلى المنطقة من الخارج، فهم ما يجري في الشرق الأوسط منذ بداية الاحتجاجات والاضطرابات العربية في عام 2011؟ هل نحن نواجه دول فاشلة، وحروب إقليمية وأهلية، إرهاب وعنف طائفي كوضع عادي جديد؟ ومع ذلك يبدو من المؤكد بأن المنطقة تواجه بداية فترة طويلة من الاضطرابات. فإن الشرق الأوسط اليوم، هو بالفعل لم يعد، الذي نعرفه نحن – المراقبون الاوروبيون وغيرنا من الاجانب – وايضا لم يعد يعرفه جزء كبير من الفاعلين الاقليمين أنفسهم أو من يعتقدون بمعرفته. بالطبع أنه، يمر حاليا بمراحل انتقالية، لذلك من المفيد دائما أن نسأل عن الخلفية التاريخية. لكن التاريخ والتعامل معه هو في كثير من الأحيان مجرد قضية سياسية. بالإضافة إلى ذلك ليس واضحا دائما، ما هي الخلفية التاريخية، ما هي عناصر من التاريخ وما هي قصص الماضي ومن يقوم باستحضارها اليوم لكي تكون سياسيا ذات أهمية.

لذلك سوف أبدأ في هذا المقال بالحديث عن المؤشرات التاريخية المختلفة أو المراحل الزمنية التي تساعد اليوم على تصنيف الأحداث التاريخية الجارية. وسوف أتحدث حينها عن العوامل التي يمكن ملاحظتها إذا أرد المرء أن يفهم الديناميات السياسية الحالية، وسأولي اهتمامي بالتغيرات الجيوسياسية الكبرى والتي تنعكس في النهاية على إمكانيات عمل الفاعلين الخارجيين مثل ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي".

يقول بيرتس انه يركز في هذا المقال بشكل واضح على الجزء الشرقي الذي يقع على البحر الأبيض المتوسط4، وبالتالي دائما على سوريا وعلى تطورها والذي من المتوقع أن يقرر مستقبل النظام الاِقليمي. لهذا فإن هذا المقال هو بالتحديد: ليس تحليلا شاملا، وإنما محاولة لتقديم التطورات الراهنة في المنطقة والتي شغلتني بشكل كبير في العقود القليلة الماضية، لإعادة فهمها وصياغتها من جديد من الناحية المفهومية: على وجه الخصوص حيث يبدو ان الشيء الذي نعرفه أو نعتقد معرفتنا به، كأنه وصل إلى نهايته .

يكتب بيرتس في فقرة "تحولات وخطوط زمنية"، مشيراً الى الأخضر الاِبراهيمي المبعوث الاِممي لسوريا وفشله وتحذيره من تفكك سوريا وصوملتها. وبالرغم من ذلك لم تتمكن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن من الاتفاق على نهج مشترك في سوريا من شأنه وضع حد للحرب وتدمير البلاد . ويسرد بالتفصيل الخراب والدمار والموت والملاين الذين شردوا او اصبحوا لاجئين داخل وخارج البلاد.

وقد كانت تحذيرات الإبراهيمي ليست إلا دقاً لناقوس الخطر. ففي عام 2014 كان العراق أيضا البلد الكبير المجاور لسوريا قد وجد نفسه مرة أخرى في خضم حرب أهلية. وتأثر الاستقرار الداخلي لكل من لبنان والاردن وتركيا نظراً لعدد اللاجئين اليهما.  وأصبحت سوريا والعراق بشكل متزايد منطقة حرب مشتركة؛ برز فاعل جديد، والذي أعلن نفسه بـ"الدولة الإسلامية" والذي يتوسع بوجوده على أراضي الدولتين. وتحالف دولي جديد بقيادة الولايات المتحدة."

لقد كان ينظر الى الشرق الأوسط إلى حد كبير على انه منطقة مجاورة راكدة سياسيا، فالتغيير، إن وجد، فسوف يسير ببطيء شديد . لكن منذ عام 2011 ينظر اليها كمنطقة تشهد ثورة، وإن كانت تتحرك بصعوبة نحو إصلاح سياسي أساسي، فإنها بالتالي سوف تقترب من أوروبا. لكنا اليوم وفي أثناء عملنا على هذا المقال، نرى حصول عودة إلى نمط حكم استبدادي، وفي نفس الوقت انحلال النظام القائم، وصعود فاعلون جدد واستقطابات جديدة أو قديمة جدا على أسس طائفية وعرقية. تشهد المنطقة بلا شك حقبة تحول. ولكنه ليس تحولا من وضع سياسي الى وضع آخر. تمر عديد من الدول بمراحل مختلفة من الاهتزاز والتغييرات: اضطرابات ثورية، حروب، وانتكاسات أو تحولات.

يمكننا، تبسيطا، وضع ثلاثة خطوط زمنية مختلفة والتي تميز التطورات في الشرق الأوسط: أولا هناك خط زمني قصير من السياسة اليومية أو أي من الصراعات السياسية والاجتماعية الحالية، والمشاكل والأزمات. ثم خط متوسط للتحولات الجيوسياسية، والتي تقاس في عقود وليس بشهور او بسنوات. وأخيرا، يمكن الحديث عن، خط زمني طويل،- المدة الطويلة (durée. longue) استناداً الى مفهوم المؤرخ الفرنسي فيرنان بروديل (Fernand Braudel) وأطروحته الكبرى عن المعالم الجغرافية والبيئية والاجتماعية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط5، - من التطورات الاجتماعية والثقافية. يقول بيرتس، المهم هنا وبالأحرى النشوء التاريخي للهُويات وارتباطاتها، التي ستكون فعالة سياسيا اليوم، وغالبا ما يكفي، لتحديد من يقف مع من في الصراعات داخل الدولة وخارجها وعلى اي جهة تجد نفسها مرة أخرى. يعرض بيرتس أمثلة للخطوط الزمنية المختلفة من الشرق الأوسط والعالم الغربي. لا نرى ضرورة لذكرها هنا.

يكتب بيرتس، "في الواقع يكاد يكون مستحيلا فهم السياسة والتطورات الايديولوجية والعلاقات الحكومية في العالم العربي والشرق الأوسط دون العودة الى نشأة النظام الاقليمي للدول بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (1918)، وبعد ذلك بقليل، تفكك الإمبراطورية العثمانية (1922). ومن الجدير بالذكر هنا مرة أخرى بأن الحدود التي بين البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي وضعت بشكل رئيسي من القوى الأجنبية، لا سيما من بريطانيا وفرنسا". ويشير هنا الى اتفاقية" سايكس – بيكو" في عام 1916 التي تحولت أيضا الى شِفرة، كانت وما تزال تعتبر في اللغة السياسية هو اساس "التصميم الكبير" الغربي أو الامبريالي للعلاقات السياسية الإقليمية في المنطقة واحد أسباب تحديد تجزئتها، بتقسيم المناطق التابعة للإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط لكل من فرنسا وبريطانيا. ويشير الى رفض العرب لنظام سايكس – بيكو ومقاومته ونشو الأحزاب السياسية، من بعثية وقومية، واسرائيل تعتبر ايضا، والتي لطالما لم يعترف بها، ولكن في الواقع فهي لاعب لا يمكن تجاهله في هذا النظام. واستقلال الدول كل على حده، والحروب والحروب الأهلية.

يبدو حاليا بأن الاقليم يعاني من أحدى تلك الاختراقات التاريخية، التي نفضل وصفها بـ تحولات بنيوية كبرى (tektonisch) : ويظهر كما لو أن هناك فك لنظام ما بعد الإمبراطورية العثمانية. سوريا، الدولة المركزية في الهيكل الإقليمي، تعمل فقط في أجزاء كدولة. بعض الحدود تفقد أهميتها. تنشأ جماعات هيمنة جديدة. تتداخل صراعات الدولة وصراعات القوميات العابرة للحدود. ومن المهم في هذه النقطة، أن القوى الأجنبية الكبرى، خلافا لما كان سائدا منذ ما يقرب من مئة سنة، لا تُظهر رغبة لتأخذ على عاتقها "إعادة تنظيم" المنطقة. ومن المرجح أن تذهب للدفاع عن بعض مصالحها المباشرة وتقتصر خلاف ذلك على الحد او صد المخاطر الأمنية. كما أن الدول الإقليمية الرئيسية لا تقدم - على الأقل حتى الآن - أي مبادرات لتحقيق الاستقرار أو على بناء جديد لنظام إقليمي. ونتيجة لذلك، يشهد الكثير من الناس بأن النظام القديم، على الرغم من أنه "قد كان سيئا"، لكن البديل لنظام سيئ لن يكون بالضرورة أفضل، وبل ربما لا نظام البته.

كلما انعدم النظام وفُقد الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي واليقين، كلما تضاءلت الحياة المشتركة بين المجموعات السكانية المختلفة في سياق دولة موثوق بها تحميها، لذلك تصبح الروابط الدينية والعرقية أو القبلية والهُويات اكثر اهمية، والتي كونتْ في المدة الطويلة (longue durée)، بيئة اجتماعية وثقافية. في الواقع الماثل لا يهم تماما ما إذا كان أو إلى أي درجة يتعلق الأمر بـ "اختراع" مجتمعات ووفقا لذلك اختلاق هويات6 - طالما، كيف تؤثر تلك الهويات، وكيف يمكن الاستفادة السياسية منها لتساعد مع عناصر تاريخية مطابقة في اللحظة المناسبة لتستحضرها في الذاكرة الجماعية. الأحداث التاريخية والتي تتموضع في نقاط مختلفة جدا على هذا الخط الزمني، تصبح في ذلك الحين فجأة هامة مثل أحداث من الماضي القريب . وهكذا، فإن الخلاف حول الخليفة الشرعي لمحمد، نبي الإسلام، والذي أدى الى الانقسام المذهبي بين السنة والشيعة قبل 1400 سنة، وكذلك الصراعات والتحالفات بين الخلفاء العباسيين والفاطميين والدول الصليبية وغزو الجيش المغولي وفتوحات العثمانيين (في الحالة الايرانية ايضا الروسي) وبالطبع الإمبريالية الغربية، يمكن أن تخدم وتساعد الجماعات السياسية المختلفة والجماعات المسلحة وتتخذها كل مجموعة كنقطة فرز عن المجتمعات الأخرى، ومتحصنة بقناعة – تزيد أو تنقص - داخل شرنقة السرد التاريخي .

الفاعلون الخارجيون الذين يفهمون الديناميات الإقليمية ويرغبون في العمل المشترك مع المجتمعات في الشرق الأوسط، عليهم ان لا يتجاهلوا ذكرياتهم وهوياتهم في المدة الطويلة ولكن يجب أيضا الحذر من الاعتقاد بأن الاضطرابات الحالية والصراعات في المنطقة هي حقاُ أو أساسا تأتي من التناقضات الطائفية أو حتى من التأويل الصحيح للعقيدة. ان الغالبية من المسلمين السنة (وليس فقط في سوريا والعراق) ليس خيارهم ما يسمى بالدولة الإسلامية، ويجدون في تنصيب زعيمها نفسه خليفة أو إعلانه بالاستيلاء على روما بعد العالم العربي، مثيرة للسخرية وأفعال أتباعه الدموية بغيضة. ان الرموز والمراجع التاريخية التي يستخدمها من الوقت الطويل، يمكن ان يعطي الانطباع –الراية السوداء للعباسيين وذكرى الأزمنة المجيدة، عندما كانت الخلافة تمثل قوة عظمى ومرجعية سياسية وثقافية للمسلمين السنة. إلا إن تأثير دعاية ما يسمى الدولة الإسلامية ما كان يتمدد كثير لو لم يتمكنوا من الاعتماد على قوة الاسلحة الحديثة، ولو ان الدول التي كانت هذه المنظمة تسعى في توسيع السيطرة على اراضيها، كانت فاعلة ولم تكن فاشلة بشكل فاضح، بما في ذلك خلق الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

يكتب بيرتس في فصل بعنوان القوى الدافعة: "بعد اربع سنوات من بداية الاحتجاجات والاضطرابات تحول شعور الثقة والنهوض لمعاصري الربيع العربي الى شعور عام بالقلق والريبة. فالمراقبون العلميون لا يستطيعوا ان يتنبؤوا، كيف يكون المنظر السياسي والاجتماعي للشرق الأوسط في خمسة أو عشرة سنوات، ونحن نستطيع رغم ذلك أن نصف العوامل الهامة، اذا اردنا ان نفهم ونرتب ما يجري حقا، مما يستوجب تصويب نظرنا الى: الديناميات الاجتماعية السياسية في البلدان المختلفة؛ الهويات والتوجهات الاِيدلوجية؛ الصراعات الجيوسياسية والتطورات الهيكلية". وفي هذا الفصل يتعرض الكاتب الى مسار الثورات والاحتجاجات والاضطرابات والتطورات في كل من تونس وليبيا وسوريا ومصر والسعودية والبحرين والأردن والعراق والجزائر والسودان. سوف نشير فقط الى بعض النقاط، بحكم ان مسار التطور في الشرق الأوسط معروف للقارئ العربي المتابع.

يقول بيرتس، بالرغم من كل الاِضطرابات، التي تعيشها المنطقة من أفريقيا الشمالية حتى الخليج الفارسي منذ بداية 2011، يوجد جوهر دائم للسياسة المحلية، وهو يدور في الأساس حول، اذا استخدمنا كلمات عالم الاجتماع الامريكي هارولد لاسول Harold D. Lasswel "من يحصل على ماذا ومتى وكيف". ان المحرك تطابقا مع الاشتباكات والاضطرابات والمفاوضات بين الفاعلين الاجتماعيين العديدين والنخبة في البلدان المختلفة، هي الديناميات الديمغرافية الاجتماعية – وما يسمى عامل الاجيال- واسئلة المشاركة السياسية والاجتماعية. هذان العاملان الاخيران يرتبطان بقوة مع بعضهما البعض في غالبية البلدان العربية. ان المجتمعات العربية مجتمعات شابة، كما ان هناك تحسن واضح في مستوى التعليم للجنسين. كما لاحظ بأن الاحتجاجات والانتفاضات من 2011، هي احتجاجات الجيل الأكثر تعليماً وتواصلا من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.

وعند حديثه عن الهُوية والمذهب والايدلوجية، كتب، "قد يكون هذا الأمر من الوهلة الأولى مألوفاً: ولكن يظهر ان الوضع في بلدان المنطقة أقل تعقيداً ونظام الدولة أقل خطورة عند ما يتعلق أمر النزاعات السياسية والصراعات والانتفاضات - بالسلطة أو بطبيعة النظام السياسي "فقط" ولكن لا شكك في وجود الهُوية التاريخية والثقافية والاقليمية للوطن. فمصر وتونس يُظهران ذلك ولا سيما في ضوء تباينهما. فالمجتمع في كلا البلدين من وجوه عديدة غير متماثل، ولكنهما في عين الوقت واعين لهُويتهما وتراثهما وموقعهما التاريخي والجغرافيا السياسية على الخارطة وايضا انتمائهما للمحيط الاقليمي." فالمرء يشعر بأنه جزء من العالم الاِسلامي من دون اهمال للخصوصيات:

وكمثال: تونس (قرطاج/ هانيبال) ومصر (الفراعنة). وينطبق الشيء نفسه وبشك خاص على ايران والمغرب، ففي كلا البلدين وُجدت وتُوجد نزاعات داخلية حادة ولكنهما دول قومية راسخة مع تطابق الوعى المناسب ويمكن اضافة لبنان الى هذه المجموعة. أن الخبرة الجماعية لحرب اهلية دامت خمسة عشر عاماً ولا يرغب المرء السقوط فيها من جديد، تعطي البلد نوعا من المرونة. اما الوضع في سوريا وليبيا والعراق مختلف تماماً، فتوجد في الثلاث دول مجموعة معتبرة تريد ببساطة ربط الاقاليم في وحدة كبيرة، فلا يمكن الحديث هنا عن وعى تاريخي مشترك. وبيرتس يستخدم التاريخ هنا كخلفية (Folie) لترتيب النزاعات الحالية وتحديد المجموعات الأثنية (العرقية) والمذهبية المختلفة. ربما يصفها المؤرخون بسخرية التاريخ، فسوريا والعراق، البلدان اللذان يعلنان بفخر بانهما قلب القومية العربية، لم يتمكنا في الواقع من خلق شعور بالترابط والاندماج داخل بلديهما. أن التغلب على النزاعات السياسية والضغط من أجل التغيير يصبح صعبا عندما تتداخل الأيديولوجيات العابرة للقوميات أو الاستقطاب المذهبي والتنافس الجيوسياسي الاقليمي والدولي ... في كل الحالات توجد الآن في المنطقة نوع من (رجوع الايديولوجية) وهذا يعني خلافات حادة تتعدى حدود الدولة حول النظام "الحقيقي" السياسي والاجتماعي والديني. ويشير بيرتس هنا ايضا الى القومية العربية، التي كانت في القرن العشرين اقوى تيار ايديولوجي في المنطقة، ولا أثر لها الآن، وكذلك التيارات الليبرالية والعلمانية والاشتراكية، وهى لم تكن في غالبية البلدان العربية ذات اغلبية. ثم النكسات التي احاطت بالثورة المصرية وفشل الرئيس المنتخب محمد مرسي وإسقاطه واستعادة القوة العسكرية - البيروقراطية.

ويقول، يسيطر على الناس في المنطقة حاليا الخلافات الايديولوجية – بدلا من المسائل الموضوعية – وهى بالطبع موجودة - ليس كجدال تعددي بين الليبراليين والمحافظين أو البرغماتيين الاِشتراكيين، بل في الاساس كصراع حول الشكل "الحقيقي" للإسلام السياسي. فالسؤال، كم واي نوع من الإسلام يجب أن تصاغ به السياسة، ويقود علاوة على ذلك إلى استقطاب مذهبي، خاصة بين السنة والشيعة. ويواصل، ليس مهما حقاً الخلافات المذهبية، سواء أكانت متجذرة أم مُصممة في البلدان المختلفة، ما دام الفاعلون السياسيون الملتزمون قادرون على إدارة السياسة مع هذا التناقض. ان الاستقطاب السني – الشيعي يمكن إظهاره كصراع هيمنة في منطقة تنازع محددة كما في سوريا والعراق والبحرين أو اليمن، واقليميا يرتبط بالتنافس الايراني – السعودي، ليس من أجل الخلاف حول المدارس الفقهية المختلفة والتفسير الحقيقي للإسلام. في مواجهة الاستقطاب الشيعي - السني الواضح في السياسة الاقليمية، يستوجب عدم غض الطرف عن الخلافات الايديولوجية – حول النظام القويم والحياة الإسلامية الصحيحة داخل الإسلام السني نفسه. ومن الاهمية الاشارة، بأن التيار الإسلامي غالباً ما يُمثل بالأساس في غالبية الدول الإسلامية من النخبة الإسلامية الليبرالية المحافظة مع الاختلاف في مدى تدينهم او ورعهم، ويعترفون بدون لبس بالإسلام السني ولكن بالأحرى كثقافة – كثقافة رائدة- لدولهم ومجتمعاتهم وكتوجيه للحياة العامة او حتى للسياسة، فالمرء يعيش إسلامه في الحداثة ويقبل القرآن والسنة كمصدر لمبادئ قانونية عامة وأخلاقية والتي تحتاج الى تأويل معاصر. وبالمقابل تقف انواع مختلفة من الإسلام السياسي او الإسلاموية. ويشير بوجود مصادر جيدة، تعطي نظرة شاملة حول الحركات السياسية الإسلامية، وحول تطورها والنقاشات الداخلية، ولكن لغرض هذا المقال يكفي ان نشير بأن حاليا في الشرق الأوسط ثلاثة تيارات سنية – إسلامية اساسية تتنافس حول السيطرة السياسية والايديولوجية: الإخوان المسلمون، السلفيون والجهاديون- وهذا التنافس شبيه بحالة الاستقطاب السني – الشيعي ومرتبط ايضاً بالصراعات الجيوسياسية. ويذكر الأحزاب المرتبطة بالإخوان المسلمين مثل حزب العدالة والتمية في تركيا وحزب النهضة في تونس وحماس في فلسطين. ويتخذون الإسلام كأساس لسياستهم ويقبلون ايضا مؤسسات دولة الجمهورية الحديثة ويعترفون حالياً وغالباً بالديمقراطية وحقوق الاِنسان والتعددية الدينية والسياسية. وبالممارسة يُظهر الاِخوان المسلمين موقف "الأغلبية" بدلاّ من الموقف الديمقراطي: فهم مع الانتخابات، ولكن في نفس الوقت على قناعة، فعندما يكسبوها، فهم يمثلون الاغلبية ويملكون بذلك الحق أن يحكموا كما يريدون. ثم يتعرض بيرتس للحركات السلفية المتعددة. فهي تضم الوهابية المتزمتة والجامدة مقارنة بالمدارس السلفية الأخرى في مصر أو سوريا، وهنأ ايضا المعايير سائبة استنادا الى الاستخدام العربي لكلمة جهاد. فتنظيم "القاعدة" يبقى في نواح كثيرة نموذجا للحركات الجهادية. بجانب تنظيم " الدولة الإسلامية" المنافس الحاد للقاعدة. أن الكفاح المسلح للجهاديين من القاعدة و"تنظيم" الدولة الإسلامية ضد الكفار والملحدين وضد الأنظمة غير الشرعية حسب وجهة نظرهم – مثل السعودي وأساساً جميع الأنظمة العربية الأخرى – هو ايضا العودة الى الوهابية الأصِيلة، غير المرتشية والفاسدة.

ويكتب بيرتس في فقرة "اتجاهات التطور الجيوسياسية" بان الوضع العام للنظام الدولي المتعدد الأقطاب وخبراته مع الازمات والصراعات في الشرق الأوسط، وبالرغم من وجود مصالح محددة، تحاول القوي الخارجية الهامة بقدر الامكان عدم التدخل في الصراعات الداخلية للمنطقة. ثم يتعرض بتفصيل للفاعلين المهمين في المنطقة. مثل ايران والسعودية وتركيا ومصر واسرائيل وفلسطين ثم العراق وسوريا. فلا ضرورة هنا للعرض، فالتاريخ قريب والتطورات السياسية معروفة للقارئ العربي. فقط اشارات مكثفة. فايران القوة الكبرى غير العربية، هي المنتفع الأول، جيوسياسيا من التطورات منذ 2011. وتعتبر الانتفاضات والاحتجاجات "صحوة إسلامية" ضد الأنظمة التابعة للغرب. واصبحت اهم قوة مؤثرة في العراق بعد انسحاب الامريكان وفي سوريا اصبحت فاعلا لا يمكن تجاهله منذ الحرب الأهلية. بجانب تأثيرها في لبنان ومساندة الحوثيين في اليمن. والسعودية وترددها وتخوفها من المحادثات النووية بين امريكا وايران والصدمة من الانتفاضات العربية والذعر بعد سقوط مبارك وتقارب الاِدارة الأمريكية مع الإخوان المسلمين في مصر. لذلك كان الاعتراف بنظام السيسي مباشرة والمساندة المالية الضخمة والتدخل في اليمن ضد الحوثيين. ويرى بيرتس ايضا لا حل للحرب في سوريا دون مشاركة السعودية وإيران وتركيا بحكم حجمها وتشابكها الاقتصادي والاستثماري والخدماتي، تبقى فاعلا هاما على المسرح الاقليمي. فمن وجهة نظر غالبية البلدان العربية وكذلك إيران واسرائيل، بقولهم "وانه لإمر مثير للاهتمام، اذا قامت تركيا المرتبطة بأوروبا وتحالف غربي، بعقد علاقات جوار جيدة لدول الاقليم وتفهم لمطالبهم وأمنياتهم، بدلا من تعريف نفسها كقوة كبرى بالشرق المتوسط.

مصر تملك سلطة كبرى وذات وزن كبير في الاقليم. وهى أكبر بلد عربي سكانيا ووقفت في معظم مراحل التاريخ الحديث سياسيا وثقافيا في مركز العالم العربي والشرق الأوسط. ولعبت أكثر من دور طليعي في الاقليم، اذا كان الأمر يتعلق بحوارات سياسية وتيارات أو تغيير مسارات سياسية وجيوسياسية: هنا تكونت حركة الإخوان المسلمين واُنشأت منظمة التحرير الفلسطينية وتم توقيع أول اتفاقية سلام مع اسرائيل. فمصر الثورية تلهم الاحتجاجات والانتفاضات ايضا في بلدان اخرى من الاقليم. فليس غريبا على السعودية والامارات العربية المتحدة والكويت، التي لها مصالح حقيقية في الابقاء على الوضع الراهن، تقديم مساعدات مالية ضخمة لتثبيت الوضع في مصر.

وحول فلسطين واسرائيل يقول بيرتس، بأن الصراع بين اسرائيل ومحيطها الاقليمي انحسر اليوم في الاساس الى صراع اقليمي بين الفلسطينيين واسرائيل. واصبحت القضية الفلسطينية ليست القضية الأولية، التي يمكن ان تحرك الجماهير العربية عبر الاقليم، مقارنة بالزمن السابق. ان شعور اسرائيل بقوتها اليوم هو في أسوأ الاحوال شكل من خداع النفس، الذي يدفع الدولة الإسرائيلية لتغيب تماما حل الدولتين ويدفع نتانياهو بتجميد القضية وتساعده الخلافات الفلسطينية - الفلسطينية والوضع في الشرق الأوسط وبانتفاء الحاجة الى وساطة امريكية. ويرى بيرتس، ربما يحدث ما لا يرغب فيه الطرفان اطلاقاً، فبدلا من حل الدولتين تتكون دولة الواقع الواحدة ويُفرض عليهما كشعبين أن يعيشا، ليس بعضهم بجانب بعض وانما بعضهم مع بعض.

وعن العراق وسوريا "منطقة الصراع" يكتب بيرتس، لأول مرة في تاريخ نظام الدول العربية الحالي في الشرق الوسط، ان تكون العراق وسوريا، في آنٍ معا ليسا لاعبين جيوسياسيين وانما مشاريع لنزاعات وطموحات آخرين. وان الخراب في العراق بدأ بالغزو الامريكيK ثم فساد ودكتاتورية نوري المالكي والاستقطاب المذهبي، وهذا ينطبق ايضا على سوريا، فبدلا ان يتعامل بشار الأسد بحكمة مع الاحتجاجات السلمية المطالبة بالإصلاح، اتخذ ايضا طريق العنف ومتغاضيا عن الفساد ومستخدما ومستندا إلى الورقة المذهبية. وان العراق وسوريا كدولتين حديثتين لم يفشلا بسبب الهويات المذهبية والعرقية لمواطنيهم وإنما بسبب استخدام النخبة السياسية بوعى، الفساد والانتماء المذهبي كأسلوب تسلط وبذلك تقويض المؤسسات الحديثة للدولة وتخاطر بتجزئتها. ان المواجهات الداخلية العنيفة جعلت منهما باستمرار منطقة صراع لتنافس جيو سياسي بين القوى الاقليمية الأخرى وتشكيل فاعلين جدد.

السودان والجزائر هما البلدان الوحيدان اللذان لم يتأثرا بالثورتين التونسية والمصرية. ففي السودان سيطرت خطوط صراعات مختلفة: فاستفتاء عام 2011 أدى بعد محادثات سلام مضنية الى انفصال جنوب السودان، مع استمرار العنف العرقي والمواجهات القتالية بين جيش النظام والمليشيات المتعددة في دارفور ومناطق أخرى. وعاشت الجزائر ايضا احتجاجات بداية 2011 ولكنها لم تمثل خطورة على النظام. فالبلد تجاوز حربا دموية طويلة وتستخدم كإنذار، بعدم تعريض العودة الحذرة للسياسة تحت رعاية الجيش للخطر. كما ان التطورات في ليبيا ومصر، لا تلهم بآمال كبيرة لتغيرات ثورية.

يكتب بيرتس عن داعش بإسهاب ومعنونا الفصل: «تنظيم الدولة الإسلامية» – ليست دولة، وإنما مشروع بناء دولة جهادية. يقدم بيرتس للقارئ الألماني مادة جيدة، متتبعا مسار داعش بدايتها كجزء من القاعدة ثم انفصالها وتطورها داخل العراق وامتدادها الى سوريا وطريق ادارتها للمناطق التي استولت عليها وتموليها المنتظم لما يقارب 30000 مقاتل وتحالفاتها مع تنظيمات أخرى. وتدمير المواقع الأثرية قبل الإسلام وحتى المواقع الأثرية الإسلامية مثل الاضرحة.  هنا فقط بعض الاشارات لفصل يحتوي على تسعة وعشرين صفحة. يعارض بيرتس وجهة نظر باراك اوباما، القائلة بأن داعش، ليست إسلامية ولا دولة، كذلك حديث بعض ممثلي الحكومة الأمريكية عن "تطرف وحشي" مع تجنب اضافة كلمة إسلامي. ويرى بيرتس بان هذا عبث ولا لزوم له، بالطبع داعش والجهاديون الأخرون، متطرفون وحشيون، ولكنهم يستندون – بتزييف أو تشويه - الى الإسلام وعلى التفاسير الإسلامية، التي تنتمى الى فقه الشريعة (Lehrkanon) كما في بعض الدول مثل المملكة العربية السعودية.

في الواقع ان ما يسمى الدولة الإسلامية هي أكثر من أي تنظيم عنيف متطرف أو مليشيا ارهابية. وايضا هذا التوصيف المنتشر عبر وسائل الاِعلام الالمانية هو بالأحرى أقرب الى الاستخفاف. ويقوم بيرتس بعرض وشرح بعض المفاهيم مثل: الجهاد، الجهادية، أو المجاهد او الجهادي والجهاديون والمجاهدون. ويرى ان داعش تحدي عسكري وسياسي وايديولوجي. وتستطيع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي مساعدة شركائهم في المنطقة، بل يجب ان يفعلوا ذلك ولكن الدفاع الحقيقي يجب ان يقوده الشركاء بأنفسهم من أجل المصداقية. وداعش لن تختفي بسهولة فحسب بل يجب ان تهزم عسكرياً ايضاً. ان حلول دائمة للعراق وسوريا يكمن تحقيقها فقط سياسياً. ربما يكون الاساس الفقهي، الذي يستند إليه الذي اطلق على نفسه الخليفة البغدادي، ضعيف ومن الأهمية ان يقبل الإسلام الفقهي التحدي الايديولوجي، الذي يمثله تنظيم "الدولة الإسلامية". إلى أي مدى يمكن ان يكون مقنعا مثل هذا الخلاف الفقهي أو التفسيرات من ممثلي إسلام الدولة السعودي وجامعة الأزهر وسلطات دينية أخرى ومؤثرا على الشباب المستعد للعنف، فهذا مشكوك فيه. ولكن فقط وقبل كل شيء، عندما لا تتغير الأوضاع الاجتماعية والسياسية في بلدانهم وفي نفس الوقت تزداد حدة الاستقطاب المذهبي في الاقليم.

في الفصل قبل الأخير بعنوان أسئلة المستقبل، صور المستقبل. يقول بان هناك ما يشير، بان ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية سوف يضعف على الارجح في العراق وسوريا من خلال اعمال عسكرية من الدول العالمية ودول المنطقة أو على الأقل صده من جبهات أخرى. ان هشاشة الدول التي لم نشاهدها في سوريا أو العراق فحسب، بل ايضا في اليمن أو لبنان ليس لها علاقة بضعف أجهزة الأمن أو نقص الموارد وانما بضعف المشاركة. عندما نرى دائما فشل العالم العربي أو أقاليم الدول المجاورة، أو مقدرة جهاديين من نوعية داعش، السيطرة على منطقة، نجد السبب يكمن في التهميش السياسي أو الاقتصادي لجزء من البلد أو لجزء من المواطنين، دائما عبر الخطوط الطائفية والعرقية والاجتماعية والمذهبية أو الاقليمية. ونحن ببساطة لا نعرف الى اين يتطور الاقليم والبلدان المختلفة. عند التعامل مع حالات عدم اليقين أو واسعة النطاق، يسعى مراقبون محليون وخارجيون الى استدعاء مشابهات أو مطابقات تاريخية، - وليست بالضرورة ان تكون متطابقة تماما – كوسيلة يمكن أن يستخدمها المرء في التفكير في جوانب حاسمة ينشدها مستقبلا أو تلك التي يفضل تحاشيها. ويذكر بيرتس، باتفاقية سايس- بيكو التي جاء ذكرها من قبل وامكانية استدعائها كإملاء من الخارج لنظام جديد للمنطقة تفرضه القوى الكبرى، التي تدعي البقاء بعيداً. أو حرب الثلاثين عاما7 (1618 - 1648)، (الحرب الدينية التي مزقت أوروبا). واتُخذت كمشابهة على ضوء الاستقطاب المذهبي في الشرق الأوسط. أو مؤتمر فيينا8 (1814/ 1815) الذي أدى لوضع تسوية بارعة استوعبت المهزوم والمنتصر ولا تترك مجالاً للمراجعة أو الثأر. كما في كل المشابهات، فهي تساعد في إبراز اتجاهات لحالة تاريخية محددة ولكنها لا تصلح كمخطط ((Blaupause للمستقبل. بالنظر الى الوضع الحالي في الشرق الأوسط، فان مؤتمر فيينا ليس متشابها بالكامل، لغياب عامل هام، فالفاعلون الاجتماعيون، بعد احتجاجات وانتفاضات 2011 يستحيل عزلهم عن الواقع السياسي للمنطقة.

ويرى بيرتس بان التطورات الجيوسياسية في المنطقة ترتبط الى حد كبير بعلاقات ايران مع محيطها. فتوقيع الاتفاقية النووية بين الغرب وايران، بعد ثلاثين عاما من العزلة والعقوبات يمكن ان يودي الى الاِهتزاز في القوي الاقليمية. كما أن مثل هذا التغيير الاساسي في العلاقات الدولية الايرانية، سيظهر آثاره في السياسة الداخلية ويؤثر في نفس الوقت على وضع ايران الاقليمي. ويرى بان الاتفاقية ربما تتمخض عن خيارين (سيناريو). السيناريو الأول: فالاتفاقية تقوي القوى الداخلية التي راهنت على التسوية مع المحيط الدولي والاقليمي، وايران سوف تغير لهجتها مع امريكا والسعودية وتدريجيا مع اسرائيل وامكانية مفاوضات بناءة للوصول الى تسوية مرضية لمشاكل الاقليم.

والسيناريو الثاني: بالرغم من الاتفاقية يمكن أن يزداد التوتر الاقليمي. فرفع العقوبات ربما يؤدي الى تصلب ايران وعدم انفتاحها والشعور بازدياد قوتها اقليميا. وبذلك يسيطر الجناح القومي والمتشدد على حساب الجناح التوافقي والمنفتح.

تأتي الخاتمة بعنوان: حجر الزاوية للسياسة الأوروبية. يشير بيرتس بأن الاتحاد الأوروبي يعتبر أفريقيا الشمالية والشرق الأوسط بحق، كجزء من جيرانهم؛ فأوروبا متشابكة مع كل الاقليم ومرتبطة بالتاريخ والجغرافيا. فتشابك العلاقات ليس اقتصاديا وسياسيا وامنيا فحسب، بل له جوانب أخرى مثل قضايا اللجوء والأمن والبيئة والدين والثقافة، كما ان الاضطرابات في الشرق الأوسط اصبحت عنصراً في السياسة الداخلية. ان السياسة الأوروبية المسؤولة يجب ان لا تعمل على تغيير النظام او مقاومته. فالتجربة علمت بان اسقاط النظام اسهل من العمل على انشاء نظام جديد وثابت. لذلك يجب التركيز على الحلول السلمية. وتعزيز التحول في مجال السياسة والاقتصاد. ان الأوروبيين والفاعلين الخارجيين لا يمكنهم إقامة نظام أو سلام أو أمن في الشرق الأوسط من الخارج ولا هزيمة المنظمات الارهابية، فلذلك لا بد من تفعيل الحوار والشراكة الأمنية. ويختتم "السياسة الأوروبية سوف تصنع خيراً، عندما تدير حواراً سياسياً عميقاً وبالأحرى ايضا مع الشركاء الصعبين. وهذا يعني أولا الاعتراف بأن كل دولة لها مصالحها الشرعية ايضا. وعلينا أن نقبل ايضا، بان هؤلاء الشركاء أكفاء وملتصقين أكثر منّا بالتطورات الاقليمية. وهذا لا يعني باننا يجب أن نعتبر بان سياستهم صحيحة. مع كل اختلافاتنا مع السعودية، مصر، إيران، الامارات العربية المتحدة، قطر، تركيا، إسرائيل ودولة فلسطين – لاشك إنها اختلافات متباينة النوع -، يجب علينا ان نهتم، بان هذه الدول تستطيع معالجة مشاكلها ومشاكل جيرانها بطريقة بناءة. واذا طلبوا مساعدتنا، يجب علينا الا نرفض ذلك بأي حال، فمن الأسهل التعامل مع شريك صعب ولكنه عامل، بدلا مع دول فاشلة.

 

هذا عرض مكثف لكتاب بيرتس، الذي وجد الترحيب والتعليق في الصحافة الالمانية.

هوامش:
Volker Perthes. Das Ende des Nahen Ostens, wie wir ihn kennen.

Suhrkamp Verlag Berlin 2015, erste Auflage.

2 - في بداية الألفية الجديدة، ما كان يمكن لأحد أن يتصور، أن الشرق الأسط يمكن أن يصبح مرتبكا بهذا الشكل : صدام حسين ومعمر القذافي أصبحا جزءا من التاريخ؛ في المعركة ضد "الدولة الإسلامية"، يحدث تقارباً بين الغرب وإيران؛ سوريا أو العراق يمكن أن تختفيا من على الخارطة. والبلدان التي تدخلت مراراً في المنطقة من أجل المصالح الجيوسياسية، تعطي الانطباع، كما لو أنها تحبذ الآن البقاء بعيداً. عن نطاق السياسة اليومية، ان النظام القائم، الذي أتت به اتفاقية سايكس- بيكو عام 1916 اتسم بتغيير جذري لم يعشه العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. من خلال ما يجري في الواقع، يقوم فولكر بيرتيس بمحاولة لإعادة ترتيب التطورات التاريخية الطويلة وتحديد القوى الإقليمية الرئيسية ورسم معالم سيناريوهات عصر ما بعد سايكس - بيكو ...

 (من كلمات الناشر)

3- . د. فولكر بيرتس، مدير المعهد الألماني للسياسية الدولية والأمن، والمدير التنفيذي لمؤسسة العلم والسياسة في برلين . من مواليد عام 1958، درس العلوم السياسية وعمل باحثا في دمشق (1986- 1987) ثم مساعد أستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت (1991- 1993) له العديد من الكتب والمقالات في الدوريات والمجلات المتخصصة. ومستشار

للبرلمان (Bundestag) والحكومة الألمانية في قضايا السياسة الخارجية والأمن.

4- بيرس يتحدث عن الشرق الأدنى والشرق الأوسط ويستخدم تسهيلا مفهوم " الشرق الأوسط" "Middle East " المستخدم في السياق الانغلوساكسوني، ويرى بأن كلا المفهومين ليسا دقيقين. على أية حال، فهما يشملان المنطقة الشرقية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط بما في ذلك إيران وشبه الجزيرة العربية، وأيضا مصر، أكبر دولة عربية والرابط بين شمال أفريقيا والشرق الاوسط. على الرغم من أن دول شمال أفريقيا بشكل عام لا تفهم ضمن الشرق الأوسط، وإنما مع العالم العربي. تركيا الآن مشارك نشط في الديناميات الخاصة بالشرق الأدنى والأوسط، لكن دون أن تكون في الوقت نفسه جزءا من المنطقة.

5 – الأطروحة الكبرى بعنوان " المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيلب الثاني". ومصطلحا المدة الطويلة والمدة القصيرة هما من اختراع فيرنان بردويل كما ذكر سابقاً.

5- Fernand Braudel, Das Mittelmeer und die mediterrane Welt in der Epoche Philipps., Frankfurt am Main: Suhrkamp 1990 ( das französische Original erschien 1949)

6 إن مفهوم المجتمعات المختلقة يعود الى بنديكت أندرسون (Benedict Anderson)، والذي في كتابه : مجتمعات متخيله، تأملات في أصل وانتشار القومية - Imagined Communties: Reflections on the origin and Spread of Nationalism(London Verso 1883،) - يعلن بأن الأمم هي بالأحرى "متخيلة" ومشيدة أو حتى "مخترعة" كشكل "طبيعي" أو "الأصل" للمجتمعات. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الجماعات والطوائف العرقية.

7 – حرب الثلاثين عاما، هي الحروب الدينية التي مزقت أوروبا وانتهت بصلح ويستفاليا ومعاهدة سياسية وضعت نقطة النهاية للحروب الدينية في اوروبا. (المراجع)

8 – مؤتمر فيينا (1815) وضع تسوية ونظام توازن دقيق ما بعد الحروب النابليونية بين القوى الكبرى وأدت الى فترة سلام طويلة بينهم ( المراجع)

د. حامد فضل الله طبيب اختصاصي، مقيم في المانيا، يهتم بالثقافة عضو اللجنة الاستشارية لمنظمة ابن رشد للفكر الحر- المانيا وعضو اللجنة التنفيذية للمنظمة العربية لحقوق الانسان في القاهرة