يؤسس هذا المقال عن معرض يوسف عبدلكي الأخير لنقد تشكيلي تتغيا (الكلمة) أن ترتقي عبره بنقد الفن التشكيلي العربي لمستوى أرقى خطابات النقد التشكيلي الغربي المعاصرة.

مافوق الموت ... آن يسمع الصمت

أثير محمد على

مدينة وامرأة
ودع غاليري أيام في دمشق عام 2007 بمعرض للفنان التشكيلي يوسف عبدلكي، ولهذه المناسبة أصدر كتاباً خاصاً عنه تتابعت فيه صور وتفصيلات عن الأعمال الفنية التي ضمها الغاليري بين جدرانه، إضافة إلى صور أخرى يندرج معظمها ضمن مرحلة "الطبيعة الصامتة" التي تمتد منذ 1995 ولاتزال مستمرة. وفي هذا الكتاب أفسح المجال لصورة ضوئية للقامشلي تعود لستينات القرن العشرين، يقابلها على التوالي إهداء الفنان في الصفحة التالية.

ولد يوسف عبدلكي عام 1951 شمال شرق سورية في القامشلي. تبدو المدينة في الصورة الضوئية المنشورة في كتاب معرض أيام، أشبه ببلدة كبيرة تعوم في قيلولة الشمس واتساع الصمت. تتفرع من شارعها العام طرق ضيقة تنسرب في تكوينات جسدها موصلة بين حنايا سحناتها المتباينة، أما مئذنة مسجدها الصغير فترتفع بصنميّة متواضعة غير بعيدة عن استطالة أكبر أبنيتها. وعند استنفاد قدرة حاراتها على الامتداد الأفقي تنبسط طبوغرافية الأرض عبر فلاة ترابية ضيقة تقتفي آثار تراكمات التلال في العمق. وفوق كل هذه التضاريس تحلّ سماء معتقة البياض وصفيقة الكثافة. وبالمجمل يتراكب في صورة القامشلي الضوئية فضاء علوي يرسب الإحساس ببعديّ المستوي، مع جزء تحتي يتعمق معه الشعور بفراغية أبعاد المدينة.

قبل عام 1923 لم يكن للقامشلي من وجود، إلى أن تشكلت نواتها الأولى من منزل طيني شيّدته وشغلته إحدى العائلات، ثم جاورته، وأحاطت به بيوتات أخذت تتكاثر إلى حارات سكنيّة بفعل تدفق بشري قدم إليها من جهات النأي الأربع. لاحقاً افتتحت الأسواق التجارية والمحلات الحرفية، وبيوت الله. وغير بعيد عن تاريخ تحولها الإداري إلى بلديّة في ثلاثينات القرن العشرين دُشِّنت فيها صالة لعرض الأفلام الصامتة، ومن ثم ملهى ترفيهي. إضافة لكل ذلك يجوز التكهّن أن المدينة خصّت موتاها بمقبرة لسكن أرواحهم. بمعنى أن المسيرة الممتدة من البيت الأول إلى حدود تتجاوز الأرض إلى السماء  أو إلى العالم السفلي  تمخضت في نهاية الأمر عن مجتمع القامشلي: ملتقى بشري لونته لهجات ولغات بابلية، وميّزته طقوس وثقافات وأديان متعددة، وجذرت تناقضاته أساطير موروثة وحنين قومي وتباين اقتصادي.

عاش عبدلكي طفولته، ومراهقته، وشبابه الأول في القامشلي حتى عام 1966 حين انتقل للعاصمة برفقة أسرته. في دمشق تابع دراسته ونال شهادته الجامعية من كلية الفنون الجميلة سنة 1976 باختصاص غرافيك. وخلال سنوات السبعينات انخرط في زخم حراك الحياة الثقافية والفنية والسياسية لشباب المرحلة، وبعد عامين من تخرجه من الجامعة اعتقل وسجن مع رفاق له، بسبب مواقفهم اليسارية وفكرهم النقدي، ليطلق سراحه سنة 1980، فيرتحل إلى باريس كمحطة مؤقتة في سيرته الذاتية، إلا أن نزوله فيها يطول ويطول.

في باريس، يرود عوالم فنية تأخذه بعيداً في خفايا التحولات الكامنة وقريباً من طمأنينة السطوح المتبدّية، فتحتدم خبرته الاحترافية والحياتية تراكم وتجادل في تبعات الارتحال إلى مراسح الصورة. وهكذا يشرع الفنان في مسالك أوديسيته التي لم يلق مرساتها حتى اليوم. يمكث الفنان في باريس حوالي ربع قرن من النفي والاقصاء عن المكان الأول، إلى أن تفرج السلطات السورية عن تمديد جواز سفره عام 2005، فيقيم في نفس العام أول معرض له في دمشق، بعد كل هذه السنين، في خان أسعد باشا العظم في المدينة القديمة.

في باريس كان عبدلكي قد تابع دراساته في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة وحصل على دبلوم في فن الحفر عام 1986، ثم قدم أطروحة الدكتوراه في جامعة باريس الثامنة سنة 1989.

رغم احتمال الصخب الذي يوحي به مجتمع المدينة التي ولد فيها الفنان، يرتعش في الصورة الضوئية المنشورة في كتاب غاليري أيام مناخ تأملي لقامشلي شباب عبدلكي: مدينة تختلي بنفسها عند رمق المكان القصي، وارتعاشة الزمان المسترخي في السكينة. ويبوح ماوراؤها بمتعة تفتّح الأحاسيس في موحيات الواقع والسراب على حد سواء.

يهدي الفنان معرضه الأخير في غاليري أيام "إلى كوليزار". اسم تعلو حرفه الأخير نجمةٌ ضئيلةٌ تحيل القارئ إلى أسفل الصفحة، ليلتقط من هناك توضيحاً ترك مقزماًً إلى خط لا يتناسب مع حجم اسم كوليزار في المتن المفترض: "قوادة المحل العمومي في القامشلي في منتصف سنوات القرن الماضي". من تداعيات مخيلة يوسف عبدلكي تحضر المدينة ومعها المرأة. ليست أية مدينة ولا أية امرأة: هي القامشلي، مدينة الأقاليم البعيدة... وهي كوليزار، امرأة الدرك الأسفل في نص النفاق الاجتماعي.

قال عبدلكي في إحدى المقابلات معه حينما سُئل عن القامشلي التي لم يعد لها، ولا ينوي ذلك: "في ذهني صورة في منتهى الجمال عنها. لا أريد تدمير هذه الصورة. أخاف!... أخشى!". يروي يوسف عبدلكي في حكاياه عن تلك الأيام أنه لم يلتق بكوليزار أبداً، وعلاقته بها تتأتى من حكاية توالدية أخرى جرت لوالده أثناء اعتقاله في القامشلي، في الخمسينيات بسبب نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي السوري. من مجريات الحكاية أن عبدلكي الأب كان مسجى فوق البلاط، والضرب المريع ينهال عليه من كل حدبٍ وصوب، حينما دخلت كوليزار بعد منتصف الليل بساعتين إلى مسرح التعذيب في فرع الأمن. لعل صوتها تداعى للأب من أواخر مستقبلات الحس في جسده، وهي تلقي بروحها فوقه، تطالب زبائنها في فرع الأمن أن يكفوا عن أفانين ممارساتهم الوحشية بفريستهم.

يذكر عبدلكي الابن أنه شهد موكب كوليزار الجنائزي وهو يخترق شارع المدينة الرئيسي. وأن ثلة من عاهرات المحل العام تقدمنَ الموكب وهنَّ يرتدين فساتين عملهنَّ الشفيفة والمزركشة الملونة، بينما اصطف على جانبي الطريق عدد لابأس به من أهالي القامشلي ليتابعوا مسيرة كوليزار إلى الرفيق الأعلى.

لعل مومسات المحل العام رغبنَ في مرافقة معلمتهن إلى مثواها الأخير بجنازة أردنَ لألوانها الحية أن تبوح بالقول أن "العشق جارف كالموت".

هل لهفة عبدلكي للاحتضان هو ما يجعل التقابل بين طيفي المدينة وكوليزار ممكناً ومنسجماً؟! هل كوليزار هي الوجة الآخر للمدينة المتسامحة؟! مرآتها؟! زمنها الجميل؟! نافخة الروح في مرتسماتها في الذاكرة؟!. خدرها الغاوي؟!

تتحول المدينة إلى صورة ضوئية، والصورة لحنو خفي إلى تلك الكوليزار المجهولة، إلى امرأة الشهوة، معلمة اللذة، عارفة الرجال، قدرهم ومنقذتهم من الموت على طريقتها. 

زمن يفغر شدقه... عالمٌ آخر يحدق بنا
منذ 1995 والطبيعة الصامتة تساكن يوسف عبدلكي، وتتعايش معه. وما انفك صمتها يدّوم فتنته وجاذبه في سمعه، والفنان يصغي إليه بجوارحه كافة. تعود جميع أعمال معرضه في خان أسعد باشا في دمشق القديمة سنة 2005 لهذه المرحلة، كذلك أعمال معرض غاليري أيام الأخير في كانون الأول/ 2007. ولكن المتأمل لأعمال عبدلكي السابقة، خاصة الرسوم المنجزة خلال عقد الثمانينات، يتلمس نثرات تشكلية  لطبيعة صامتة هنا وهناك، وجميعها تشي بمسار ينمو من داخل لوحاته السابقة ليكرس في لوحة أو مرحلة كاملة لاحقاً.

في الجزء المعنون "شروق الإنسانية" من فيلم "أوديسية الفضاء 2001"، ينجز المخرج ستانلي كوبريك الإشارة الفنية الأكثر فرادة في تاريخ السينما لكرّ آلاف من العصور. ففي المشهد الذي يدرك فيه الإنسان البدائي - عند الحد الفاصل للمرحلة الحيوانية  نفعيّة قطعة من العظم/ الأداة في التغلب والتجبر على الخصم، يرميها بنشوة نحو الأعلى، لتشق لها مساراً في السماء. وفي اللقطة التالية مباشرة يرى المتفرج مكان الأداة المفترض مركبة فضائية تجوب سماوات ينوف عددها عن السبع.

هكذا قدم كوبريك سيرة العقل الإنساني محمّلة على ثوان زمنية، وبرمشة لقطتين سينمائيتين لعين الكاميرا. في فيلم كوبريك يسعى الإنسان الفاوستي لامتطاء سرعة الضوء، متجاوزاً زمنه الأرضي وكتلته الفيزيائية، ومتحرراً إلى طاقة عظمى. مع أخذ مصونية المادة بعين الاعتبار - لا شيئ يفنى في الكون - تبقى الكتلة الفيزيائية كامنة في الطاقة المتحررة عند تزايد سرعة الزمن. والعكس صحيح، أي كمون الطاقة في كتلة المادة حين تباطئ الزمن. وربما أمكن القول أن في حالتي التطرف القصوى - الطاقة المطلقة أو الكتلة المطلقة - موات مطلق. والحياة الكونية تنوس بين هذين القطبين في حالة تأرجح وجدليّة وتحوّل مستمر.

في الجانب الآخر لما قام به كوبريك، يوصد عبدلكي بوابة الامتداد الزمني، فيستنقع الوقت. ويوغل الفنان في لجج ملامح الدقائق الرخوة. يلملم ذرات الساعات الرملية ذرة إثر ذرة، يفردها ويعيد نشرها معيقاً من سرعة تدفقها في الفضاء التصويري. وعلى ضوء هذا السياق يحدق في الأشياء، يتقرى سيمياءها، يلاحظ في ذهول، ويتعرف على نفسه فيها. ومن ثم ينقل قلم الفحم في يده مواضيع الرسم، إلى شاشة اللوحة، وهي تتمظهر في برزخ رمقها الأخير وكتلتها التصويرية القصوى. يقترب وكأنه يحمل آلة تصوير يدير محور عدستها المقرّبة، فتدنو أصقاع الكون الصغيرة لموضوع الرسم، وتكبر شيئاً فشيئاً، وهي تشغل البعد الأول في لوحته.

وبين الحين والآخر تُرسَم المادة الفيزيايئة من أغراض ونباتات وأشلاء... بوضوحها ودقتها العيانية، وبفعل السياق التصويري الذي يعتمده عبدلكي تكون طاقة الحياة كامنة في الكتلة المرسومة. جمالياً، تتخفى الطاقة في لوحة عبدلكي خلف الكثافة التعبيرية، وفي الأشكال المموسقة كما لو أن فيها صدى لنغمات فالس دائرية، وبما يتراكم من شعر في قلم الفحم، فتطفوعلى سطح المشهد البسيط شاعرية جملٍ قصيرةٍ مختصرة كهمسات ووشوشات طليقة.

يعالج عبدلكي الطبيعة الصامته/ الميتة بكل ما تتضمنه من الأغراض، والنباتات، والثمار، والزهور، وأشلاء الأسماك، والقواقع، وعظام الحيوانات، والأدوات المنزلية،... إلخ  باحتفالية فتشيّة طقسية. ينفخ روح الشعر وصداه في التشكيل، فتغدو طبيعته الميتة حيةً في نهاية المطاف رغم السكون الطاغي. وتصبح اللوحة دعوة لإبصار الحياة وهي تتنفس في الموت، ولمشاهدة الموت وهو يتجلى حياً، فحلولية مافوق الموت هذه تنير طبيعة الأشياء في الرسم. وكل تحولات البياض والسواد تشير إليها.

يهوي رأس السمكة مخصياً في الخواء، فيُبعَث الموت واللامعنى، إلا أن الرعب والهلع في عين السمكة ولسانها اللاهث يُلحان على حضور المعنى والحياة  ولو آن زفرة الاحتضار الأخيرة  في تشكيل الصورة. 

عظمٌ رميم لجمجمة حيوان، يوثق بالحبال في إحدى اللوحات، وملقاً أمام خلفية من السراب واللامدى، يتطلعُ للناظر من خوائه الأسيان مبلغاً رسالةً في خلقِِِِ الصورة/ الوهم من معنى الرماد ومن فحم قلم الرسام. 

جمجمة 

مع عبدلكي يتحول القول بأن "الانسان مقياس الأشياء جميعها"، إلى ترك  المجال لعالم الأشياء  مع حد أدنى من حياة  ليتحدث نيابة عن الإنسان، أو ليغدو مرآته رغم غباشة عمق مساحة الرسم لدوافع تقنية سنمر عليها لاحقاً. كل شيئ يرى من خلال العالم الآخر. ونرى أنفسنا الحية من خلال استبصار عالم الموت الشفيف بنا، لا من خلال كثافة منطق عالمنا. بمعنى أن فكرة الأحياء الذين يستحضرون أرواح الأموات، تنقلب في لوحة عبدلكي إلى الموت الذي يستحضر الحياة وينطق عنها.

إن حاضر الحياة هو لحظة جدلية تولد من نواح المستقبل، وتتأهب للموت وهي ترتحل نحو الماضي. أما حاضر لوحة عبدلكي فالجدلية فيها مقلوبة الاتجاه، فنحو الماضي هي إرتقاء لسلم الحياة، ونحو المستقبل هي هبوط لدرجات الموت.

لعل في فعل يوسف عبدلكي، وهو يدنو بفضاء الرسم من آخر عتبات الحس وأول عتبة من سلم العالم السفلي، اقتراباً مما مارسه المكسيكي خوان رولفو (1917-1986) في روايته اليتيمة "بدرو بارامو" (1955). ففي هذه الرواية يسافر ابن بدرو بارمو إلى كومالا للبحث عن أبيه، لا لشيئ إلا ليراه، فيجد نفسه في مدار تتحرك فيه شخصيات واقعية حية، وتتدفق فيه الأحداث، مع الذكريات والمصائر، في فضاء سحري يتكشف عن عالم أموات يستحضرون معنى الحياة وهم يمارسون الموت.

من كل ما سبق ذكره يتأكد التعارض القائم بين أعمال عبدلكي الفنية والطبيعة الصامتة المميزة للباروك الأوربي في القرن السابع عشر Las Vanitas، رغم ما يتكشف في أعماله من تأثر بها، خاصة من خلال قوتها التعبيرية، ورعشة القلق التي تفيض من مرتسماتها لحظة الاستقبال، وبتقاطعاتها مع نظرتها العبثية دون أن يغيب عن البال اختلاف الرؤية الفلسفية الكامنة خلف أعمال عبدلكي عن الرؤية الدينية للباروك.

الإحساس بعدمية الحياة في الطبيعة الصامتة Las Vanitas الباروكية يفضي إلى نظرة سكونية ترسب اللاجدوى، والترفع عن المتع الدنيوية على أنها سراب لامع وزوال. وقد عكف رسامو هذه الجنس الفني على تصوير الجمجمة الإنسانية، والشمعة المتوقدة، والزهرة قبل الذبول، والساعة... كقيم فنية أساسية في رمزيتهم ليقين الموت، ولمجاز حضوره في كل لحظة ومع كل فعل حي. ففي طبيعتهم الصامتة حدوس مكرورة لعبارة الكتاب المقدس، وحسب الترجمة العربية المعتمدة:«باطل الأباطيل، الكل باطل وقبض الريح». وقول الموت في هذه اللوحات ينطوي على هاجس الآخروية القيامية في الحياة الأرضية، وعلى هيمنة فكرة "الحياة حلم"، التي عبّر عنها أجمل تعبير كالدرون دي لاباركا في مسرحيته التي تحمل هذا العنوان. وفي هذا المجال يذكر احتمال المؤثر الثقافي لصوفية ابن عربي الاندلسي على فلسفة دي لاباركا وريث الأندلس. 

Las Vanitas لوحة من الباروك الديني 

أما أعمال عبدلكي الفنية التي تتناولها هذه المقالة فتفارق الطبيعة الصامتة الباروكية بحركية الزمن - رغم لزوجته النسبية - جدليته. إضافة لهاجس الحياة الذي يجعل من التلاعب مع الموت أمراً محتملاً في مخيلة عبدلكي وفوق سطح ورق الرسم، وكأن الفنان فيه يتماهى لحين في شخص سيزيف - قبل العقاب - أثناء الخلق الفني للوحة. 

كيف؟!!...
تفر لحظات طبيعة يوسف عبدلكي الصامتة من سيولة الزمن المتسارع، وتُقتطع من ديمومة الأزل. جريحة تنوءُ بالمطلق وجميلة تجرد الفكرة. في أعماله تكريمٌ للتفصيل وللجزء وهما يلخصان الكلّ. واحتفاءٌ بالمبتور وهو يتوقُ للانتماء لكامل الجسد.

تارة يرسم ما يرى، وتارة ما يعرف... وفي كل من الحالتين تتكافل لديه تقنيات فنية متعارضة لانجاز القول. لذلك تتجاور في عمله الفني آثارٌ تشكيلية تنتمي للتكعيبية التركيبية مثلاً، أو للتقنيات الجمالية المعروفة في المنمنة الفارسية، مع تشكيل يخص تقاليد الكلاسية الحريصة على مشابهة الواقع. 

لعل المبرر الفلسفي لهذا التجاور يكمن في تأرجح اللوحة الجدلي بين عالمين وزمنين ووجهتي نظر متكاملتين أكثر مما هما متنافرتين.

من الناحية التقنية، إن ما يحرر الفنان من التقيد بمسارات الأساليب يتركز في العمق الذي تتواجد فيه الأشكال التي يرسمها. فالعمق في لوحاته مُفرَّغ من المنظور عامة، ضبابي النور، يمتد بلا وزن ولا سيمياء فارقة له على مساحة الرسم: لعله طاولة تشريح، مائدة طعام، داخل علبةٍ لجمع النوادر، قعر تابوت، صندوق نفايات، قفار رمادية، أحلام بخورية، ورقة في دفتر، شاشة سينما، سماء بعيدة، أرضية غرفة، خشبة مسرح، صحراء مترامية، نشور زمني،... أو لعله أفق الهاوية... وفي كل الأحوال هوعمق سديمي مفتوح للبوح برهاب الأماكن المغلقة. إن تفريغ العمق من هيمنة الأحاديات السلطوية لمصدر النور، ولهندسة المنظور، ولاتجاه الظلال، ولوحدة الموضوع واكتماله يفتح أمام الفنان المجال للتلاعب بقواعد لعبة الفن، وممارسة رسم الأشكال والأفكار بحرية أوسع... هل الدافع وراء لعب عبدلكي على القول والشكل في خلق الفن هو المتعة والتحقق؟!!.   

يتقوض الشكل الكلاسي، تتضاعف لوحات فراغٍ أو صناديقٍ أو توابيتٍ جبهية يُرفَع الأفق فيها عالياً، فيتداعى قانون المنظور الهندسي، وتسقط نقطة الفرار في عين الناظر، فتلاحقه وتحوله إلى امتداد خفي للرسم، وتورطه بالدخول الى فضاءاتها وتشكيل معنىً من معانيها. هكذا تتعشق الحدود بين لوحة الفنان/الوهم، وبين أنا المتلقي/ الواقع الاسمي. وتضيع الحواجز الفاصلة بينهما، وينصهر مفهوم الوهم مع اللاوهم، وينكشف عري صورتنا (هنا) و(هناك).

في لوحة "أوان 2" تتجمع الكؤوس مع غيرها من أدوات المائدة بظلالها الشحيحة في الطرف الجانبي من مستوي اللوحة. من الواضح أن في طريقة توزيع هذه العناصر الفنية تجاوز للتوازن وللتناسق حسب الذائقة الكلاسية. وما يهم هنا هو تلك الخطوط التي تركت فوق سطح ورق الرسم والتي تخص الدراسة الأولية. بمعنى أن اللوحة تعرض على الناظر مسار إنجازها الزمني، من خلال تجاور مسودة خطوط الكؤوس الأولية مع الكؤوس المكرسة المنجزة الظلال. 

أوان (2) 

الأمر نفسه بالنسبة لوحة "كمثرى 2" حيث تقسم اللوحة بخط واهٍ، يفترض أنه خط الأرض. في فضاء الرسم التحتي هناك مراعاة للتكوين الفراغي، وفي سماء اللوحة يرسم عبدلكي أوراق مسودات رسمت عليها الخطوط الأولية للعمل الفني. تبدو هذه الأوراق وكأنها كولاج ملصوق ومثبت فوق اللوحة. لعل في دقة وواقعية رسم أوراق المسودات المستوية محاولة للايحاء بقابلية تعايش الرؤى الهندسية المختلفة  المستوية والفراغية  في العمل الفني نفسه. (لا ننسى هنا أن سطح اللوحة هو مستو، بينما نشغل نحن فراغاً ثلاثي الأبعاد). 

كمثرى (2) 

يحيل الوصول لفكرة المستوي والفارغ وتعددية وجهات النظر هنا إلى صورة قامشلي الستينات  مدينة التسامح  المنشورة في كتاب غاليري أيام، والتي حاول نص هذه المقالة الانطلاق منها إلى أعمال عبدلكي. بالعودة إلى "كمثرى 2" يمكن الإشارة إلى أن المسودات المرسومة تقوم مقام المرايا الزمنية لمسار ولادة اللوحة النهائية، وتحيل للفكرة القائلة بأن جميع المراحل المرمدة زمنياً تتواجد في عمق عمل الفنان في نهاية الأمر.

في هذه اللوحة يبدو طرف الرسم الجانبي لصورة عبدلكي كتوقيع من قبله على الانجاز النهائي لفعله الفني.

بشكل عام تتكون مشاهد عبدلكي المتقشفة في الطبيعة الصامتة كما في عالم الأحلام، من التناغم بين طبقات بيضاء ورمادية وسوداء. وبين فنية نادرة وأخرى تُترَك شطبات متواضعة للون حار أو بارد هنا وهناك. ينتمي التشكيل المتدرج من الأبيض النسبي إلى الأسود لعالم الموت، أما هالة الظلال الوردية اللون المتروكة في بعض الرسوم، مثل لوحة "كرز في صحن"، فتنتمي لبقية لون من حياة. وكأن الحياة ظلٌ ملون لعالم الموت الرمادي، واللوحة هي إشراق لهذا القول، وهنا نتوقف لنذكّر بمسحة من مؤثرات الطبيعة الصامتة الباروكية Las Vanitas، وإن كانت متناقضات طبيعة عبدلكي الجدلية تباعد رسومه عن الاندراج في سكونية طبيعة الباروك الصامتة.

في نفس لوحة "كرز في صحن" يُرفَع الأفق عالياً فيتبدى الصحن المكبّر وكأنه مرسوم وفق بعدي المستوي، إلا أن ظلال الصحن المدور والثمرات الكرزية فيه تشي  تجاوزاً  بانزياح نسبي نحو فراغ ثلاثي الأبعاد. يبدو أن المفارقة في اللوحة تتجلى بين حالتين: بين الظلال الملتصقة بالثمرات الثلاث الصامتة في الصحن، وبين الظل المنفصل عن الثمرة الرابعة الساقطة خارج الصحن (الأولى في السقوط). 

"كرز في الصحن" 

لعل في الظلال والحركة استعارة مجازية للزمن، فالظلال ستتغير بتغيّر النور وحركة السقوط لن تتجمّد في الخواء. في الظل الملون لكرزات الصحن بقية من حياة، وفي الظل الداكن المنفصل عن الكرزة الساقطة بداية انفصال عن زمن الحياة وعبور لحال آخر. ولعل كل واحدة من ثمرات الصحن تنتظر دورها، آن شحوب الهالة الوردية التي تظللها، لتتقدم وتسقط في برزخ الفراغ خارج الصحن.

رغم الإيحاء باستقلالية كلّ عمل فني واكتماله الذاتي في الظاهر، إلا أن طريقة تموضع اللوحات في معرضي عبدلكي، سواء في خان أسعد باشا أو في غاليري أيام، وتقاسمها حيّز المكان في فناء بصر المتفرج، تجعل التلقي متداخلاً ونسبياً ومعناه مرتبط بغيره ترابطاً عضوياً.

ففي معرضه في خان أسعد باشا 2005 وضعت لوحة "حذاء 10"، وتمثل حذاء رجلٍ عتيق ينضحُ بمعاني الأنوثة وبتأملية الخط المستدير المنفرج بنبل، بالتزامن والتقابل والتعارض مع لوحة "حذاء 1"، التي تمثل حذاء امرأةٍ مستعمل يوعز التفاف خط مقدمته الحاد بمفاهيم بطريركية صارمةِ التعبير. جماع الرسمين ضمن نطاق رؤية المتفرج يُفاعل المعنى ويُنمّي الفكرة. وكأن يوسف عبدلكي الفنان يطيل زمن فعل القول والإثارة، مشظّياً الشكل وما يحتويه، فتغدو كيفية خلق عالمه الفني في المقامِ الأول. وهي ما يُولد ذلك الشعور الخفي بالاكتشاف لما هو واضح لدى المتلقي. 

      حذاء (1)                    حذاء (10) 

وفي نفس المعرض وضعت لوحتين تعالجان تشكيلين لحذائين نسائيين. ففي لوحة "حذاء 7"  يتم اعتماد المسقط الشاقولي لتَصعيد مضمون الانضباط، أحادية البعد، واختفاء الظل. بينما في لوحة "حذاء 2" يُعمِق المسقط شبه الأفقي والمرفوع قليلاً التوتر، عرضية اللحظة، وموشورية الأبعاد تبعاً لتعدد ظلال الحذاء المرتجفة الملقى أرضاً للتو. هكذا يعيد الفنان إنتاج المعنى المألوف، حول هيمنة الشاقولي على الأفقي، بالتجاور بين اللوحتين المنفصلتين فيزيائياً، جاذباً الانتباه لما هو جديد، بفعل تهديم وحدة عملية التلقي لنفس العمل الفني.

في لوحة "العصفور والسكين" المهداة للقاص جميل حتمل، رفيق المنفى وعدة من أشياءٍ أخر، تلاعب مشابه على مؤثرات تقاطعات خطوط الرسم، ولكن ضمن ذات اللوحة: ترتفع اللوحة المعروضة (190.5×50سم) على أحد جدران غاليري أيام، كأنها مسلة دهرية، منارة عالية، أو شاهد قبر يترك عليه عبدلكي قوله الجميل عن جميل حتمل. ينطرح العصفور، مهيض الجناح، على الخط الأفقي للبعد الأول في اللوحة، أمام سكين مسمرة ومنتصبة شاقولياًً في البعد الثاني. في هذا التركيب البسيط لا يترك الفنان أي أثر للعنف، فلا جراح ولا أي أثرٍ من آثار الذبح، إلا أن مناخ اللوحة يرشح بتوتر عنف كامن مضمر. 

"العصفور والسكين" 

لعل العنف الذي تستبطنه لوحة عبدلكي يقارب مثيله في لوحة "طبيعة صامتة لديك وسكين فوق الطاولة" (1947) لبيكاسو (1881-1973)، رغم الاختلاف بين العنف الباطن والعنف الظاهر. فأمام خلفية ترابية فاتحة اللون ترك بيكاسو الآثار الدموية ظاهرة، فالسكين تستقر فوق آنية مطبخٍ تجمعت فيها دماء الطير، وإلى جوارها يجثو الديك الرمادي مربوط الساقين فوق الطاولة منحوراً من العنق. فيما يبدو أن بيكاسو أراد أن يكثف في لوحته حنظلية الموت الذي يقدمه إلى أبلغ الحدود.

بالعودة لعمل عبدلكي نميّز أن كلا من العصفور والسكين الناصعة البياض ينتميان لعالم واحد يحدّه خط مدىً واهٍ في العمق، كما تتوازى ظلال جسد العصفور المحتضر مع ظلّ السكين الذي يبتره إطار اللوحة ليخرج افتراضياً منها.

لا بد من فك أحجية عبدلكي الجمالية: إن توازي الظلال لا يعني أن لها الاتجاه نفسه، فظلال العصفور تتمدد في جهة مخالفة لتلك التي يتمدد فيها ظلّ السكين المبتور.

ألا يعني اختلاف اتجاه الظلّ، إختلافاً بيّناً في منبع الضوء؟... بالطبع، ولكن الرسم ينطوي على حلولية فجر شاحب في غباشة ملتبسة، أي غياب مصدر النور المباشر. يبدو أن الفنان يعير اهتمامه في المقام الأول لحالة التقابل بين رهافة الأفقي، وهو في النزع الأخير، وبين ضراوة الطغيان المنتصب. 

تفصيل من "العصفور والسكين" 

يظهر العصفور بهشاشة قشة في مهب الخواء، إلا أن ديمومة انتفاضة اللحظة في الرسم... رعشات سيقان العصفور، وحشرجة صدره بالنفس الأخير على ورق الرسم ترفعه حياً إلى مافوق الموت. وليختلف توظيف عبدلكي للعنف في لوحة "العصفور والسكين" عن توظيف بيكاسو في لوحة "طبيعة صامتة لديك وسكين فوق الطاولة". 

"طبيعة صامتة لديك وسكين فوق الطاولة". لبيكاسو 

نتطلع للعصفور نستبصر عري المعنى، ودفقات من نور خفي في مكان ما، ربما فينا نحن على الطرف الآخر من اللوحة. نبتعد إلى عمل فني آخر، وكأن العصفور لم يته عن سرب الطيور المهاجرة... لازال حاضراً بيننا.

لا مفرّ للفنان، في إبحاره إلى الذات وإلينا، من فتنة جزرٍ ساحرة تأخذ به لرسم وردةِ طمأنينةٍ عابرة، وزنبقة حبور طارئ، وأغصانِ موسمٍ مزهر تشقّ رتابة الفراغ في خلفية اللوحة. 

في "زنبقة 2" تتمدد الزهرة المقطوفة من الأفق المرفوع وتتجه بكأسها نحو المتفرج. وتحتضن التويجات الفرجية نماء السداة الذكرية الكامن، وبالمقابل تأوي هذه القضيبية لتويجات الأنوثة الضامة. وكأن تحقق الأنوثة مضمرٌ في تحقق الذكورة، وعلى حد سواء تحقق الذكورة كامنٌ في تحقق الأنوثة أيضاً. وربما كان في الاحتضان الرطيب مواجهة للذبول والزوال. فتحقق الأنوثة والذكورة صائر في العبور، لا في الديمومة، وزنبقة الحياة ستذبل في يوم ما.

لا اكتمال ولا انتهاء...

كثير من الخطوط والأزهار والأغصان تتسلل خارج حدود اللوحة تذكر بتقنية مشابهة في فن المنمنمات ببنيتها المفتوحة التي تتجاهل المنظور ووحدة الموضوع.

طرف "غصنٍ" يانع يتمدد ببهجة وسكينة في المساحة المرئية، ينساب خارجاً، يجتاز الحدود المفترضة لإطار اللوحة ويتلاشى في اللامرئي...

الجرة والأصص هي محتوى كوني، والزهرة الرمحية القامة فيها حياة عابرة وربما متعة متلاشية...

عرق براصيا بدأت أوراقه تتآكل بأعراض شيخوخة تزحف إليها شيئاً فشيئا...

جزء موزة يلج فضاء الصورة مكثفاً الشوق ومثبتاً توتر الانتظار. وكأن الزمان هو لحظة تنبض وجداً وتصبو لانعتاقها بعد حين...

لا شىء أكثر من اللازم، الخطوط التي لا تشي بالنبوءة وحل سر الأحجية تمحى من اللوحة، والتركيب الذي لا يحتمل إمكانية التأويل ينتهي إلى زوال. هكذا جلسة الشاي تُختزل أساساً إلى إبريق وسكرية وكوبين صغيرين. مَجازٌ لمناخٍ حميمي بين إثنين، قد يكون وقد لا يكون إلا أنك تحدّس وتشعر به بقوة دون أن تراه. 

"زنبقة" 

أنا والفنان... وفضاء تصويري لفعل الشبق على الملأ
تبوح كل خطوط الرسم بشهوة تلح على الفنان لتقاسم رعشات تجربته مع الآخر/ أنا الذي ينتظر عمله بلهفة المحب للتحقق. وكأن ما يشفّ عن مخيلة عبدلكي في العمل الفني يلملم تشظي الفنان ومتلقيه في خلايا الزمان، وربما شتاتهما معاً في أقاليم المكان.

مع كل عمل فني يترك عبدلكي تعويذة سحرية تجمعه مع المتلقي وتعقد الصلة بينهما. الفنان هو ساحر القبيلة القديم، واللوحة هي أحجية من ورق.. حرز من فحم.. وسر تلقينٍ لمريد جمالٍ ومعرفةٍ. عند ناصية كل موعد/ لوحة تتلاقى العيون في مرآة الأشياء المرسومة، وعلى المتلقي/ المريد أن يفك لغز التشكيل، ويميط اللثام عنه على النحو الذي يراه.

يمكن القول أن المتلقي يرتاد دخيلة الفنان خلال إنجاز أحجية الرسم، والعكس صحيح أي حضور الفنان في حواس المتطلع للوحة أثناء تحفزه الذهني والانفعالي أمام الأحجية. يحدّق الناظر للوحة في تلك الأشياء والأشلاء والأغراض، يرصد محدودية هذا العالم المكبّر الكبير، ويغرق في جنباته الضبابية، يعلو مع التشكيل إلى مافوق الموت، ويكتشف طاقة جوانيته الكامنة لإنشاء المعنى - معناه الحرّ - كما اكتشفها الفنان عند إنجازه للعمل الفني. ليكتمل فعل الفن بين الفنان والمتلقي في طقس لذة روحية، وإغماضة دفق جمالي وتمثلٍ معرفي حر للصورة.

لعل دور الفنان هنا، يتقاطع مع دور كوليزار، كمعلمٍ للمتعة ولكنها الجمالية منها. ومع كل تلقٍ بداية لنماء شوق خفي يسري في العروق، أمام عمل محمّل بإمكانية التأويل، وحاجة متجددة لاكتشاف وبناء المعاني بتغيّر الزمان والمكان. 

مدفن قبري: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى"
قام عبدلكي بتكبير أجحام جميع العناصر المشكلة لطبيعته الصامتة بعد نقلها إلى مساحة الرسم، ولم يستثن من التكبير إلا العمل الفني الذي كتب عليه مقطع شعري لنزيه أبو عفش، والمتدلي من السقف إلى مستوى الناظر كي يستطيع زائر المعرض الالتفاف حوله لاستبانة الرسم في كل من وجهيه الأمامي والخلفي.

أُفرِد لهذه اللوحة في معرض غاليري أيام حيّز مكاني محاط بثلاثة جدران، توزعت عليها لوحات طبيعة عبدلكي الصامتة. ما يميز هذه الأعمال عن غيرها في هذا الركن من المعرض هو ارتباطها مع لوحة الشعر في الوسط، وانسجام أبعادها مع هذه الأخيرة. بمعنى أنها تماثلها بالشكل المستطيل الذي طوله أكبر من عرضه. فالناظر إلى هذه الفسحة يرى تناسب وانسجام امتداد المستطيلات الأفقية للأعمال الفنية المتتالية التي تحيط باللوحة التي تتوسطها.

تتخذ لوحة الشعر المستطيلة من التشكيل الإنساني موضوعاً لها، ولعلها تنفرد به من بين جميع لوحات عبدلكي الأخرى. يتمدد على طول وجهها الأمامي رسم شخص، يتكرر تصويره على طول الجهة الخلفية بعد قلب اتجاه الجسد. من الملفت للانتباه أن اللوحة تقترب من الأبعاد المستوية لتابوت إنسان ناضج، كما أن قياس رسم الشخص الراقد فيها يتناسب مع إنسان متوسط الطول.

يعتري المتفرج وهو في حضرة لوحة الوسط مع ما يحيطها من أعمال فنية أخرى أنه داخل كهف قبري أو مدفن جداري، وربما حضّت هذه الحضرة مخيلة البعض للرحيل إلى المدافن التدمرية التي نحتت على سطوح نواويسها نقوش بارزة تمثل وجوه من تضم رفاتهم في أحشائها.

في الواجهة الأمامية للوحة يستلقي الرسم الإنساني تحت جمل نزيه أبو عفش الشعرية:

"ماذا يحدث على الأرض
ماذا يحدث في السماء
عندما تفتح امرأة غطاء النعش وتصرخ: يا ولدي

ينزّ من بين أحرف الكلمة الشعرية لونٌ أزرق وأبيض وآخر أحمر عبر تدرجات الرمادي... إنه أزرق السماء، وأبيض الغيوم، وأحمر موتٍ يخالف الطبيعة. سماء التوحيد هي مرادف ثقافي للعالم السفلي الوثني: عالم الموت. هل المرأة هي الأم الأرض، والنعش هو رحمها والقبر ووجه اللوحة الأمامي؟! هل في الموت إياب لرحمانية الرحم والقبر وسرابية الفن؟! إذن، الشخص المستلقي في هذا الوجه من اللوحة هو الميت بامتياز. ولكن هشاشة تعابير الوجه، وطيف ابتسامة موحية فوق الشفتين، ولون الرماد الفاتح حوله يقربه من ملامح شخص نائم أكثر من ميتٍ صارم الشحوب.

طوبى لموت هو صنو النوم! طوبى لصفاء السريرة عند النوم وعند الموت!

ألم يجعل الأقدمون من النوم شقَّ الموت التوأم؟!

عندما يكون للنوم جناح يترأى رفيف الحلم. وفي الأحلام سرابٌ لحياة ما، الأمر نفسه يمكن قوله عن الفن: في الفن سرابٌ لحياة ما. السراب يجمع الحلم والفن ويقاطعهما مع الموت كما يقاطعهما مع الحياة. ما يذكر هنا ليس أكثر من تداعيات لجدلية التعويذة التي رسمها عبدلكي في الوجه الأمامي من لوحة الشعر في الوسط. 

في الواجهة الخلفية للوحة يسجى الرسم الإنساني بالمقلوب تحت جمل نزيه أبو عفش الشعرية:

"ماذا يحدث على الأرض
ماذا يحدث في السماء
عندما تفتح امرأة غطاء النعش وتصرخ: يا ولدي"
 

تنسرب من بين أحرف الكلمة الشعرية زرقة سماوية تقترن بالأصفر الترابي، ومن هذا المخاض يولد اخضرار نسغ الحياة.

هل المرأة هي الأم الأرض، والنعش هو رحمها، وصندوق باندورا، ووجه اللوحة الخلفي؟! إذن، الشخص المسجى في هذا الوجه من اللوحة هو الحي بامتياز. ولكن جمود الوجه المتخشب، وإطباق الشحوب الصارم على الشفتين، ولون الرماد الداكن الكهفي يطغى على كل شيئ في وجه اللوحة الخلفي، ويقرب شاغلها الإنساني من ملامح شخص ميت أكثر مما هو حي غافٍ.

ألا ينطبق عليه وصف المقبور بالحياة؟! هل أضاع نعش الرحم والأمل وسرابية الفن؟!!. فمات بالحياة.

يتمدد التشكيل الإنساني في كل من وجهي اللوحة بملابس النوم. وكأن في البيجاما وسيط روحي يوحّد بين البشر ويسمو فوق التمايز الجنسي، والقومي، والطبقي، والثقافي، والعنصري، والعمري... فالبيجاما كالكفن تطوي الجميع بين ثنيات النسيج.

لعله الرجل الذي أحبته امرأة ما، جار الطابق الأرضي المثلي، ماريا المتأخرة دائماً عن المواعيد، امرأة بائع الدبس، صديق يضيّع طريقه لسيارته في متاهة أقبية الكراجات،، موظف في التلفزيون الرسمي، امرأة أحدهم تفوه على قارعة الرصيف بأنه الشهيد (ولم يضف إن كان شهيد المواقف الصعبة أم المختلقة)...

علق قلم عبدلكي في شحمة أذن شخص اللوحة قرطاً معدنياً صغيراً. يبدو أن في شطبة خط القرط النافلة تخفيفاً من وطأة كثافة الرماد على متلقي هذا العمل الفني، و تشتيتاً له لوهلة من الوقت نحو التفكير بنزوة تعليق القرط الجمالية. قبل الانتقال إلى الفقرة التالية، يشار إلى أن طوف المتفرج، برفقة تشكيلات الطبيعة الصامتة الأخرى في هذا الركن حول لوحة الشعر في الوسط، يغدو وكأنه طقس كوني، يوغل المتلقي فيه مدلاً على التقائه مع جوقة الصمت الحي لطبيعة عبدلكي. 

الفنان
الفنان في دخيلة يوسف عبدلكي مرتحلٌ أبدي إلى ايتاكا. العماء يلهمه المعنى.

قلمه يوقّع الصمت ليدع فسحةً لأثيرية الصوت.

بياض لونه يتلهف للسواد ليكتمل به. وفنه برهة شغف وانخطاف.

يخوض في الرماد والصيرورة .... لا ينفك عن رسم الصورة.... وقطع نهر الحياة مرتين: في الواقع وفي سراب الفن.