يشير الكاتب إلى الحوارات التي اتفقت على أهمية التواصل الثقافي، والتقت عند رشاد رشدي مؤكدة أنه كان من النقاد الذين ركزوا على العناصر الموضوعية التحليلية في تناول العمل الفني. فقد قدَّم في أبحاثة المدرسة النقدية على مستوى التنظير والتطبيق، كما أثر على تلاميذ كثر.

تفاعل تونسي مع رواد المدرسة النقدية المصرية

لطفي زكري في حضرة المسعدي ورشاد رشدي وتوفيق بكَّار

مصطفى عبد الله

 

تلقيت من الناقد التونسي الدكتور لطفي زكري هذا التعليق على المقال الذي نشرته مؤخرًا حول أستاذي الناقد الكبير الراحل الدكتور رشاد رشدي، وقد جاء في التعليق: "عرفت الأستاذ رشاد رشدي من خلال كتاب له صدر ببيروت عن "دار العودة" سنة 1984 عنوانه "فن القصة القصيرة". وقد اتخذت هذا الكتاب مرجعًا في أطروحتي "الحوار واستراتيجياته في السرد العربيّ المعاصر" الصادرة عن "مكتبة علاء الدين" بصفاقس سنة 2019.

وتعرضت فيها إلى بعض أفكار رشاد رشدي في فصل قاربت فيه شعرية الحوار. وقد كان رشاد رشدي من الذين يؤمنون بأن توخي الواقعية في الكتابة السردية لا يمكن أن يظهر في الحوار إلا باللغة العامية. يقول: "فالكاتب الذي يجعل شخوص قصته تتكلم وتفكر بلغة غير اللغة التي تفكر وتتكلم بها في الحياة، يهدم من أساسها الواقعية التي هي السبب في كيانه".

وقد قادنا استقراء آراء النقاد، وقادتنا دراسة الحوار العامي والفصيح في روايات تونسية لـ: مسعودة أبوبكر، وعبدالقادر بلحاج نصر، وغيرهما أنّ الواقعية الأدبية لا تتأتى ضرورة من اللغة التي تتحدث بها الشخصيات، ولا من العلاقة بين القائل وقوله فحسب؛ فالقضية أبعد أوسع مما قد يبدو.

فالواقعية تتأتى من الالتزام بقضايا الواقع، ومن مواءمة الأقوال لثقافة الشخصية وطبعها ومستواها وروحها ومسالك أحاسيسها.

ولناقدنا التونسي وأستاذنا الراحل توفيق بكار رأي واضح في المسألة يتفق مع رأي الروائي والمفكر التونسي الكبير الراحل محمود المسعدي، صاحب روايات: "السد"، و"حدَّث أبو هريرة.. قال" الذي أختم به لطرافته: وخطأ الكثير من الناس إنما يكون في فهم حقيقة الطرافة والابتكار الفكري أو الأدبيّ.

فهم إذًا دعوا إلى أن يكون الأدب المصري مثلًا أو التونسي ذا طابع مصريّ، أو تونسيّ خاص طريف، جعلوا ذلك في الظواهر والأشكال؛ كاللغة وصيغ التعبير، وطفقوا يحدثونك عن أدب عاميّ يقابلونه بالأدب المصريّ أو التونسيّ الفصيح" ويضيف "المسعدي" موضحًا ما يتميز به أدب عن آخر: "إن في كلامهم في هذا الموضوع لدليل على أن القوم لا يدركون أن الطرافة والغرابة، أي الصفة التي تكسب أدبًا من الآداب شخصيته، لا تكون في الاعتياض عن لغة بلهجة من تلك اللغة، أو عن لغة بأخرى غيرها، ولا تكون في الانصراف عن التحريك إلى التسكين، أو عن (عم مساء) إلى (مسيك بالخير)، بل في تميز روحك عن روح غيرك، واختلاف مسالكك في التفكير والإحساس والوجدان عن مسالك غيرك".

ويختم المسعدي مقاله عن القومية في الأدب بدعوة الأديب إلى أن لا ينظر إلى الحياة ومشاكلها بعين غيره، بل بعينه الخاصة، ولا يلقيها بوجدان غيره من الغابرين أو المعاصرين، بل بوجدانه الخاصّ.

رحم الله أساتذنا في المشرق والمغرب؛ فقد فتحوا لنا المسالك، ومهدوا لنا الطرق.

أعود إلى هذا المقال الذي قام الناقد التونسي الدكتور لطفي زكري بالتعليق عليه، لأوضح أنني كتبته تحت هذا العنوان "رشاد رشدي.. وضرب أكثر من عصفور بحجر واحد" وقد نشرته بعدد شهر مايو/آيار 2020 من مجلة "الشارقة الثقافية".

وفيه قلت: رشاد رشدي صاحب مسرحيات: "الفراشة"، و"لعبة الحب"، و"نور الظلام"، و"رحلة خارج السور"، و"حبيبتي شامينا"، الذي كان عميدًا للمعهد العالي للفنون المسرحية الذي درست فيه الأدب المسرحي والنقد فيما بين عامي: 1973 و1976 ثم مديرًا لأكاديمية الفنون، ورئيسًا لتحرير مجلة "الجديد"، التي كانت تصدر في سنوات السبعينيات من القرن الفائت.

وقبل ذلك كان رئيسًا لقسم اللغة الإنجليزية وآدابها بكلية الآداب بجامعة القاهرة.

وهو واحد من أوائل النقاد الذين قدموا المدرسة الحديثة في النقد التي ركزت على العناصر الموضوعية والتحليلية في تناول العمل الفني. ولا بد أن نسجل له هذه الريادة لا سيما وأن النقد في مصر والعالم العربي كان يتراوح بين التفسير الاجتماعي للعمل الفني، أو التعبير عن شخصية الأديب وحياته الشخصية، مما كان يؤدي بالناقد نفسه إلى أن يقدم انطباعاته الشخصية من واقع تجربته الذاتية على أنها نقد وتحليل.

وقد قدَّم رشاد رشدي في دراساته النقدية، وفي محاضراته، وندواته هذه المدرسة النقدية الموضوعية التحليلية؛ سواء على مستوى التنظير أو التطبيق. ومما لا شك فيه أن تلاميذه انتشروا في أرجاء الجامعات العربية والأجنبية حاملين الشعلة ذاتها.

وفي هذا الكتاب الذي وضعه تلميذه الكاتب والناقد وأستاذ الأدب الإنجليزي الراحل الدكتور نبيل راغب بعنوان "رشاد رشدي" في سلسلة "نقاد الأدب" التي كان يرأس تحريرها واحد من أهم نقادنا وهو الدكتور علي شلش، فيشير إلى أن هذا الرجل كان يجيد صنع التلاميذ، ليس داخل قاعات الدرس فحسب، وإنما بعد أن يبرحوا الحرم الجامعي.

ويقول نبيل راغب تحت عنوان "صورة من قريب":

"كان يحمل بين جوانحه قدرًا من الأبوة لا ينضب. وكانت فرحته لا توصف عندما يكتشف المواهب المبكرة في بعض أبنائه، وكأنه وجد كنزًا، بل لا تتوقف فرحته عند حد الاكتشاف، وإنما تستمر وتنمو دون حدود، وبأسلوب عملي يدفع بابنه الموهوب إلى آفاق لم يكن ليحلم بها.

فمثلًا عَبَّر عن سعادته بكتابة تلميذه الدكتور محمد عناني مسرحية "البر الغربي"، وهو بعد لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، فدفع بالمسرحية إلى العرض على خشبة "مسرح الحكيم"، ونالت إعجاب النقاد، ووجد عناني اسمه مذكورًا بين كبار كتاب المسرح المصري، وهو لا يزال يخطو خطوته الأولى.

فلم يكن رشاد رشدي يربط بين الموهبة والسن والأقدمية، وكانت أكبر محنة في نظره تتمثل في ترك موهبة مبكرة لتذوي وتموت دون رعاية.

كذلك قام بفتح صفحات مجلة "المسرح"، التي كان يرأس تحريررها منذ عام 1962 وحتى 1967، أمام الشباب النابه الموهوب؛ سواءً من تلاميذه هو، أم من النقاد الواعدين من خارجها، ولم يهتم كثيرًا بالأسماء اللامعة في ذلك الوقت، فقد رأى أن بريق بعضها كان زائفًا.

ولذلك تألقت على صفحات "المسرح" أسماء شباب مثل: سمير سرحان، ومحمد عناني، وعبدالعزيز حمودة، وفاروق عبدالوهاب، وغيرهم من الشباب الذين لم يكونوا قد تجاوزوا العشرين إلا بعامين أو ثلاثة على أكثر تقدير.

وعندما كان يبعث تلاميذه النابهين في بعثات أو منح إلى الخارج، كان يوصيهم بمراسلة مجلة "المسرح" وإمدادها بآخر تطورات الحركات المسرحية سواء في أوروبا أو أميركا. وبالتالي كان يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

ولكم كان رشاد رشدي سعيدًا عندما عاد سمير سرحان من بعثته حاملًا شهادة الدكتوراه وهو بعد في السادسة والعشرين من العمر من جامعة "انديانا"، في الوقت ذاته الذي عاد فيه عبدالعزيز حمودة حاصلًا على الدكتوراه من جامعة "كورنيل" وعمره 29 عامًا.

وقد أوضح الدكتور نبيل راغب أنه اعتاد لقاء الدكتور رشاد رشدي صباح كل يوم جمعة بحديقة كازينو "جروبي" بوسط القاهرة، وذات يوم وجد السعادة بادية على وجهه، وعندما استفسر منه عن السبب أجابه: غدًا سيجتمع مجلس الكلية للموافقة على تعيين: سمير سرحان وعبدالعزيز حمودة على درجة "مدرس" بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

ويوضح راغب أن رشاد رشدي تخرج عام 1935 في جامعة فؤاد الأول، وعمل مدرسًا للغة الإنجليزية بمدرسة الأورمان النموذجية بالجيزة، وسافر في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي في بعثة للحصول على الدكتوراه من جامعة "ليدز" تحت إشراف البروفيسور بونامي دوبريه.

ويشير إلى أنه لم يكن مجرد طالب بعثة عادي، بل كان عقلًا من الشرق راح يتأمل منجز الغرب لينقله لمجتمعه بتوقيعه هو.

 

(نقلا عن ميديل ايست أونلاين)