تقدم لنا الكاتبة السورية المرموقة قراءتها الشيقة لرواية حبيب سروري الجديدة، وتكشف فيها عن كيفية استخدامه لمعارفه العلمية، وما أصاب العالم أثناء جائحة كرونا، في رسم صورة كابوسية بحق لما يمكن أن يكون عليه مستقبلنا، وخاصة في بلدان العالم الموبوء بالفقر والحروب وسوء مؤسسة الحكم.

«جزيرة المُطفّفين»..وهواجس مستقبل كابوسي

قراءة في رواية لما يمكن أن يكون عليه مستقبلنا

سوسن جميل حسن

 

تبدو رواية "جزيرة المُطفّفين" (دار المتوسط، 2022) للروائي حبيب عبد الرب سروري، مثلما لو أنها قادمة من المستقبل، أو رواية المستقبل، لما يمكن أن يكون عليه مستقبلنا القريب. وانطلاقًا من نقطتين أساسيتين، أولاهما تخصصه الأكاديمي في علوم الكومبيوتر، وثانيهما موهبته السردية اللافتة التي نجم عنها إلى الآن عشر روايات، فإن سروري استطاع بخياله السردي وخبرته العلمية أن يشغّل أدواته بمهارة لافتة، مبتكرًا عالمًا يكتم الأنفاس، يصدم وعيَنا به، بما ستكون عليه حياة البشرية على الكوكب، حيث جزيرة المطففين "الغشاشين" التي تحكم الكوكب وتقوده بتفوق علمي وتكنولوجي يفوق الخيال، من دون أي رادع أخلاقي. العالم، الذي يطلق عليه اسم "أطلس"، مقسوم إلى قسمين، عالم النخبة في كل شيء، الذي يسعى إلى تحصين نفسه من زحف سكان العالم الآخر الذي يشكّل 99% من الكوكب، عالم المضطهدين المظلومين الكادحين المنكوبين والمعذبين في الأرض، شأننا نحن العرب، محشورين في وطن "الخلاء العظيم" المشكّل من "خلاءات هائلة تتوسّع يومًا بعد يوم، على التخوم الآسيوية والأفريقية لأوروبا".

يبدأ السرد ليلة الكريسماس في عام 2020، بعد مرور عام على وباء فتكَ بالبشرية، وترك إلى حينه حصيلة تقارب المليون ونصف المليون من الضحايا، حيث كان الراوي، الفرنسي ذو الأصول اليمنية، في مدينة كاليه في أقصى الشمال الفرنسي، التي يصل بينها وبين شقيقتها دوفر في بريطانيا، نفق تحت بحر المانش، في مهمة صحافية، لكنّه "وكيل سرّي في الأساس! هوس تجسّسه في هذه الدنيا الفانية: إلى أين تتجه البشرية في عالم اليوم، عالم التشظي وحروب الإبادة الذاتية، عالم اللاجئين والهاربين من الموت والظلم والحياة الخرائية، عالم الفيروسات والجوائح المهلكة، عالم الروبوتات الذكية القاتلة غير المرئية، عالم الرقابة الإلكترونية الآلية على كل إنسان في هذه المعمورة: تجسّس كلّي، لا تأخذه سنة ولا نوم، يستخدم أحدث تقنيات الذكاء الصناعي" (ص16).

بهذه الفقرة، يمكن تلخيص الرواية، أو تكثيفها، ليبدأ سروري تشغيل أدواته التخييلية، ويرسم لنا هذا العالم المتخيّل الذي يبدو كما لو أنه صار على أعتابنا. فبينما كان يتجول في إحدى الحدائق/ المقابر في كاليه، تصدم سمعه كلمات أغنية يمنية، يحوم حول المكان ليلتقي بشابين: يمني (طفران)، وإرتيري (حجّي)، وصلا في رحلة تهريب لاجئين إلى المدينة، وفي خلدهما حلم الوصول إلى بريطانيا. من خلالهما، ينفتح السرد على قضية اللجوء، ويظهر الويلات والأهوال التي تتعرض لها هذه الشعوب، ومن بينها اليمن الذي يعيش اليوم أكثر فترات تاريخه أوجاعًا وتعاسة وظلامية، في "يمن مستباح للهجمات كلّها. يتمرّغ في وحل الحروب والجوع والقهر والميليشيات". يصف أزمة اللاجئين التي شهدها العالم في مخيمات كاليه الفرنسية، الطامحين إلى الوصول إلى بريطانيا، وكيف كانوا يعيشون تحت التهديد من قبل الشرطة، محرومين من المياه في ظروف معيشية متدهورة، مخيم الغابة الضخم الذي تم تفكيكه في عام 2016، حيث كان يعيش ما يقارب التسعة آلاف لاجئ، فتشتتوا وأقاموا مخيمات على أطراف المدينة، حيث يقع المخيم الأكبر الذي تصفه الرواية في الغابة الكبيرة.

يصف الراوي مدينة كاليه بأنها "مجرد معبر نحو بريطانيا" التي ترى هؤلاء اللاجئين بالنسبة إليها "أشبه بجيش يأجوج ومأجوج (في الأسطورة القرآنية ابنة الأسطورة التوراتية)، الذي أغلق عليه ذو القرنين الأبواب ببرزخ من زُبر الحديد، وبقاؤه في معتقله ضرورة لاستمرار الحياة على الأرض." (ص26) لذلك موّلت بريطانيا جدران الفصل "ثمة أسوار صينية، وجدران برلينية في كاليه، تحيط بكل طريق يقود إلى بريطانيا". وذلك بلقائه بمحض الصدفة بشابة ثلاثينيّة تطلب مرافقته في السيارة نحو الغاب الكبير، وتخبره أنها "آتية من (زمن مستقبلي) لمهمة استقصائية مرتبطة بأصول أحد الفيروسات الغامضة التي تقلق أهل ذلك الزمن أكثر من أي فيروس آخر"، و"شيء غامض ما نعيشه (نحن سكان الأعوام القادمة) يهمنا استقصاء جذوره ومعرفتها، لعلّها نشأت في هذا العام المريب: 2020.

ثمّة شيء آخر غامض جدًّا، تأسّست مداميكه في عام 2020 كما يبدو". سينديا، وهو اسمها الذي استعاض عنه في سرده باسم "زريقة"، بتشبيهها بزرقاء اليمامة، ترى أن هنالك حربًا بين الفيروس والإنسان، دخلت مرحلة جديدة بعد انبثاق أول "تنويع"، مثلما لو أن الأمر "مُحدث"، وهنالك عشرات الطفرات "الوطنية"، التي أنجبت غيرها، بالإضافة إلى أنواع أخرى، كلها وجدت "حوضها" الأنسب في "ملكوت العولمة" التي "اشتبكت في وليمتها مصالح دول العالم"، واجتاح الأرض "مرض اضمحلال الغابات"، إلى ما هنالك من كوارث بيئية، وتغيرات مناخية، وما نجم عنها من اختلال بيئي حيوي، فصارت الفيروسات "عيش وملح" بينهم جميعًا، وأحدها تسلّل إلى الإنسان فصار قائدها وبطلها "مؤسس جائحة كوفيد"، ثم تتابع سردها لما حصل للعالم بعد أعوام عدة من بداية كوفيد، وهي القادمة من المستقبل، إذ مرّت ثماني مراحل "على هذا المنوال الكابوسي المروع بين كرّ وفرّ.

وبعد عجز الرعيل الثامن من اللقاحات عن مواكبة مقاومة تنوّعات الفيروسات الجديدة ارتفعت أصوات. تنطلق جميعها من هذه البديهية: إذا أراد النوع البشري فعلًا استمرار بقائه على كوكب الأرض، مهما كان الثمن، فبإمكان فيروس الكوفيد أن ينقرض من الأرض خلال فترة محدودة، أسبوعين مثلًا، بشرط: يكفي أن يظل سكان الأرض منعزلين معًا، في تصفيد شامل كامل" تحت شعار: "لا هزيمة لجائحة كوكبية، بدون برنامج قيادة عالمية كوكبية." (ص44) وحّدت وجسرت العالم في مدينة واحدة أطلق عليها: أطلس. وشكّلت ق. ع (قيادة عامة) وحكومة واحدة للكوكب كلّه، شرسة وصارمة في تطبيق قوانينها، حيث ستقوم روبوتات هذه الحكومة الموحّدة بنقل الغذاء إلى البيوت خلال العزل، وتقوم دروناتها بمعاقبة أي مخالف. ومن هنا تنطلق الحكاية.

حكاية عالم المستقبل الذي تقود البشرية إليه "إمبراطوريات مختفية في الظلّ"، حيث عصر "الزمكنة"، الذي تجاوز عصر "العولمة"، في كونه يكسر الحدود بين الأزمنة أيضًا، فثمة جسور تسمح بالتنقل بين الماضي والحاضر والمستقبل. هذا اللقاء قاده نحو ثنائي بديع جميل خالد، كما يقول، بدوره قاده نحو "ألغاز جديدة كثيرة، تفكفك بعض ألغاز بؤس هذا العالم وخرائبه": زريقة، وفريدريش، أو فريد، كما يسمّيه اليمني "طفران" الذي وصل إلى بريطانيا بمساعدته، وذلك بواسطة تجسس الراوي عليه بتكليف من جهة افتراضية أطلق عليها رمز صاد، عن طريق تطبيق رقمي يسمح له يمراقبة المتجسَّس عليه فريد وكتابه، تطبيق أوميجا.

شاب باذخ الجمال والذكاء والتميز، لأمٍّ ألمانية متخصّصة في الفيلولوجيا تعمل أستاذة جامعية للأدب الألماني في جامعة تولوز، وأبٍ يمني اسمه سعدان، درس الهندسة الميكانيكية في ألمانيا الشرقية، عندما كانت عدن "عاصمة الاشتراكية العلمية في العالم العربي"، يعمل في أحد مصانع المدينة، بعد انتقالهما إلى فرنسا. فريد خريج أهم كليّات نخبة النخب الفرنسية في التجارة والاقتصاد، عمل براتب باهظ في أهم البنوك، وتأثر ببيئته المتنوعة: ألمانية، عربية، فرنسية، وبثقافة والديه: أدبية علمية، منفتحة على الحياة وهموم العالم، وهي يسارية وإلحادية، وكان له ميول مسرحية، لكنه بعد عمله في البنوك، اتخذ قرارًا بعد عودته ذات يوم من (نيبال). وبعد عام 2015، التحق بصومعة "إخوان العلمانية"، التي لها تاريخ يعود إلى ما بعد ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968، التي نجمت عنها تيارات فكرية وسياسية وعلاقات اجتماعية جديدة، فتحت الأبواب على عالم آخر يتجاوز العالم السابق لها.

تقع الصومعة على بعد 80 كيلومترًا من مدينة تولوز، فيها نسّاك من الجنسين، ينتهجون العزلة عن العالم، وتكريس أوقاتهم لمساعدة الفقراء والمعوزين، ولهم أدوار في مساعدة اللاجئين، مع احترامهم لحرية الضمير، أن يؤمن الفرد، أو لا يؤمن. أثار الأمر فضول الصحافي الراوي، فقرر تقصي حكاية فريد، وماذا وراء قراره "التصومع" مع إخوان العلمانية. في لهاثه حول تاريخ فريد، واستقصاء الأسباب وراء تركه الصومعة، تأتيه رسالة من مصدر مجهول أطلق عليه لقب صاد (ص)، يعرض عليه أن يكون مخبرًا سرّيًّا حول فريد وكتابه، وموافاة تلك الجهة الاستخباراتية بتقارير متلاحقة لقاء أجرٍ مغرٍ.

الراوي، الوكيل السرّي، إذ يقول عن نفسه "لست في الحقيقة أكثر من رجل ظلّ. يمشي في هذا العالم بخطوات خفيفة (لا اسم له، كما لاحظتم، ولا عنوان)، يعشق فك طلاسم السرّ، واستيضاح وقراءة المؤشرات الصامتة لمعالم الزمن القريب القادم"، فإنه يقدم مسبقًا المبرّر لأن يكون شارحًا في العديد من الأحوال، أو ما يشبه الراوي العليم، فهو جزء من السرد، وشخصية من شخصيات العمل الروائي، لذلك فهو "يعرف تمامًا أن الحرب السرية الكبرى في هذا العالم صراع لانتزاع المعلومة الخفيّة التي تفتح أبوابًا مغلقة محورية"، كما يقول عن نفسه.

وهذا ما أراد حبيب سروري إيصاله إلى القارئ من خلال روايته، في تصوير إحدى مدن العالم الذي أطلق عليه أطلس. من خلال تطبيق زوّد به صاد الوكيل، تطبيق أوميجا، استطاع الوكيل مراقبة فريد الذي من خلال ملاحظاته ولقاءاته وتحركاته مع سينديا التي ستصبح رفيقته وحبيبته، يرسم حبيب سروري، البارع في رسم الأماكن في أعماله السردية، عالمًا متخيّلًا لهذه المدينة بأحيائها المصنّعة وجغرافيتها وبيئتها، التي يتحكم فيها أرباب العولمة، أو الإمبراطوريات المختفية في الظل، ليخلقوا مجتمعًا أو شعبًا من العبيد السعيدين بعبوديتهم، شعب أفراده ينعمون برفاه الحياة، والعمر الطويل الخالي من الأمراض، بعد تطبيقات تحسين النسل، وبالقص الجيني من أجل الحصول على أجيال خالية من المرض، بوجوه جميلة وعيون زرقاء، يعيدنا إلى تكريس تفوّق الإنسان الأبيض.

حياة تقوم الروبوتات بكل أعمال الخدمة الحياتية، حتى إن الروبوتات باتت تستقل وتطور نفسها. في المقابل، هنالك الروبوتات القاتلة التي تستخدم في المناطق الأخرى من العالم "أطلس"، حيث الحروب والاقتتال الذي تسعى الـ ق. ع إلى جعلها محتدمة باستمرار من دون أن تترك لطرف فرصة الانتصار الدائم، وترك هذه الشعوب غارقة في جهلها، وسيطرة رجال الدين عليها، من دون إتاحة فرصة نهوضها، ولديها أرشيف لكل إنسان على الكوكب، بعد أن صار الجميع مكشوفين أمامها، حتى في أحلامهم، يقوم بتقويمه بنقاط تحدّد درجة خطورته على النظام الذي تضعه، وبالتالي يكون هدفًا للروبوتات القاتلة.

ومن خلال مراقبة الثنائي زريقة وفريد، الذي يسجّل ملاحظاته وأبحاثه في كتاب، يدوّن الفروقات الرهيبة بين سكان حي ألف القلائل قياسًا بمساحته، وسكان المدن والأحياء الفقيرة في العالم الموازي الذي يشكل 99%، بحثًا عن افتقاد العدالة، وعلى طول السرد والتجسس على نشاط هذا الثنائي، يقدّم الراوي صورة متخيّلة لعالم الغد، انطلاقًا من عالم اليوم ومشاكله وقضاياه الإنسانية والتحكّم بمصيره من قبل القوى العظمى، التي يقابلها حكومة ق.ع، في المستقبل، لنخلص إلى نتيجة أن الديموقراطية وهم، والثورات التي قامت في العالم طلبًا للحرية كانت وسيلة استثمار بيد ق. ع، تؤجج صراعات الأطراف في ما بينها، وأن المراقبة والقمع والديكتاتورية مفاهيم وممارسات رافقت البشرية، ولها سندها في الديانات.
النص كثيف عامر بالأسئلة الوجودية والفلسفية والاجتماعية والسياسية، بأسلوب ينسجم مع الأسلوب الجدلي الذي يقوم عليه العقل العلمي، وتتمتّع به الشخصيات الرئيسية في النصّ، ممّا يجعل شخصية المؤلّف تلقي بظلالها عليها، غني بالإحالات الأدبية والميثولوجية، والتاريخية، بالإضافة إلى المعلومات الثريّة، التي استطاع المؤلف استخدامها ببراعة وطرافة في السرد، بلغة جميلة بسيطة، وجمل قصيرة، تتكرر فيها الجمل الاعتراضية؛ عدا براعته في رسم الأمكنة المتخيّلة المنتمية إلى العالم الرقمي، كذلك الأماكن الجغرافية الواقعية، كحال اليمن مثلًا، أو مدينة كاليه بجغرافيتها، والبؤس البشري للّاجئين المنكّل بهم في مخيماتها.

نصّ كثيف يمكن تناوله ببحث مطوّل، خاصّة وأن حبيب سروري يعمل بجدّ وإخلاص على رواياته، لإيمانه بأن الرواية تخاطب كل شيء: الأحاسيس، الخيال، التفكير، كما جاء في أحد حواراته الصحافية، وأننا بالوصول إلى المعرفة، نجد أن العقل والعقل وحده هو ما نحتاجه اليوم، فهو الأنسب لولوج العصر الحديث على نحو ضروري وعاجل.

 

عن (ضفة ثالثة)