نشأ يحيى حقي (17 يناير 1905- 9 ديسمبر 1992) في ظلال السيدة زينب، والتحق بكُتاب الذى تعلم فيه أصول القراءة والكتابة، وتشبع بما يجرى في ذلك المحيط، حيث كانت (ولا تزال) تشهد تلك المنطقة الكثير والكثير مما يستحق الكتابة، فكتب روايته "قنديل أم هاشم" (1944)، ليعقد مقارنة بين العلم والجهل، فكان منذ أن امسك بالقلم، ينظر إلى التنوير الذى كان سمة العصر، حيث نشأ وكانت بصمات سد زغلول – الذى أحى الوطنية فى الأمة- و أحمد لطفى السيد ورفاعة الطهطاوى وقاسم أمين وطه حسين والعقاد، وغيرهم كثير، لا تزال تفعل فعلها على المجتمع، وتسعى إلى إخراجه من الظلام إلى النور.وهو الأمر الذى يمكن القول معه أن الواقعية، كانت هى الصفة التى يمكن أن نطلقها على قصصه.
وإن كان قد انتقل بعد ذلك إلى حى الخليفة (1912) والتحق بمدرسة بمدرسة مجانية، ليختلط بفقراء المنطقة، ويتعايش معهم. إلى أن حصل على الليسانس فى العام 1925. إلى أن عمل فى سلك النيابة، وأتاحت له التنقل بين المناطق العديدة، إلى أن سافر إلى الصعيد، الذى كتب عنه مجمعته "دماء وطين" (1943) بعد أن قضى به نحو عامان(1927). وخاصة بعد أن كان قد سافر للخارج فى عدة جهات مثل جدة عام 1929 ثم نقل منها إلى إسطنبول عام 1930م، حيث عمل في القنصلية المصرية هناك، حتى عام 1934؛ بعدها نقل إلى القنصلية المصرية في روما، التي ظل بها حتى إعلان الحرب العالمية الثانية في سبتمبر عام 1939م، اى أن جولاته فى الخارج، لم تطل كثيرا، فكان كمن يقف من كل بستان زهرة، ليعود وقد أدرك النور هناك، فكان عليه أن ينقل هذا النور إلى مسقط رأٍسه. وعن ذلك يقول فى مقدمة هذه المجموعة "دماء وطين" {هؤلاء هم الصعايدة، قوم جاءوا من بلاد نائية، حرها شديد، وزرعها قليل، تغمر أراضيهم-الحياض- كل عام، فيبطل العمل، زيحلوا اىجتماع والسمر على جسور النيل، ثم تتخطفهم الهجرة إلى القاهرة والأسكندرية وغيرهما من مدن مصر فيترك الأب أباناءه وزوجه، والإبن أمه وأباه، والعشق حبيبته، طلبا للقمة العيش.. حياة محفوفة بالشقاء والترحال، تلهب إحساسهم وتذكى عواطفهم، ومن ذلك كان لأهل الصعيد روح خاصة ذات عمق وجمال وفن أصيل}. ولذا كانت الصعيد منجم إبداع، سيعى إليه من يسعى إلى اكتشاف هذه الكنوز، فكانت مجموعته، بقصها -الستة- حول إكتشاف هذا الكنز, ولم تطل فترة عمل له إلا فى رئاسة تحرير "المجلة" – من 1962 إلى 1970- التى حولها إلى ملتقى للمبدعين الجديد، فتتلمذ على يديه الكثير منهم.
وإذا كنا قد ذكرنا أن "قنديل أم هاشم" هى الرواية الوحيدة ليحيى حقى، ذلك لأن الرواية الأخرى، والتى يصنفها الكثير من النقاد على أنه رواية وهى "البوسطجى" (1968)، فاننى أصنفها على أنها ليست إلا قصة قصيرة، حيث بدأت القصة بورود بلاغ إلى "البوسطة" وانتهت عند ذات اللحظة، ولكن سوء الظن، والبيئة المحيطة هى التى صورت له ما يتصور، وظن أن ان الدنيا أصبحت على غير ما ألفه. فالحركة كلها نفسية داخلية، أى أن الزمن -وهو الفاصل الأكبر بين القصة والرواية- لم يغادر داخل العمدة. وهو ما نستطيع ملاحظته فى قصتنا التى نتاولها "قصة داخل السجن". وإذا كان يحيى حقى قد بدأ حياته بكتابة قصة "الدرس الأول" (19 يناير 1926). فإنه أخلص للقصة القصيرة، وساعده فى ذلك، كثرة التنقل ببين أقاليم مصر، فكان يقتطف مواقف معينة، ولم تُتح له تلك الحياة اقتناص حياة مطولة، مما يتطلبه فن الرواية، وإن كان قد حافظ على عنصر الزمن فى كل ما أبدعه من القصة، إلى جانب ما سار عليه من القصة القصيرة فى زمنه، من وجود المتعة القرائية والإشباع للقارئ، فضلا عن شف الكثير من المساوئ التى تعتور المجتمع، وكأنه يحمل المصباح الذى يبحث به عن المدفون داخله ليشفه أمام المسئولين، ويضعه فى قالب قصصى، يجذب للقراءة. ولذلك أصبح يحيى حقى همزة الوصل بين القصة القصيرة فى بداياتها، وبينها بعد العام 1967، حيث تغير القصة، والسرد عموما بعد هذا التاريخ.
وإذا كانت آفة أمتنا العربية، التفرق، فكل جماعة تتصور نفسها أفضل من أخرى وأحق بكل شئ، حتى فى الوطن الواحد، هناك مجموعات تتصور نفسها أفضل من غيرها. ففى مصرنا، وفى الصعيد بالتحديد (بالرغم من أن الصعيد ليس مركزهم الأساسى، هناك فريقان لا يلتقيات، هما الغجر، والفلاحين، حيث يتصور الفلاحون أنهم لا يمكن أن يتزوج أحدهما من الغجر، أو الاختلاط بهم، حيث لهم صفاتهم الخاصة، وتقاليدهم الخاصة، وإن كانت الأفراح و(الحواة)، هى أماكن تجمعهم. وقد اختار حقى الصعيد تحديدا، لا لمجرد أنه قضى بها سنتان، حمل فيهما بالكثير من موضوعاته، ولكن لأن الصعيد يعتبر نسيا منسيا، فى العديد من المراحل السياسية، لذلك كان الجهل، وعدم التعليم، بيئة صالحة لأن يرفع الكاتب صوته، مناديا بالعدالة فى الأقاليم التابعة للأمة، ولهذا السبب، كانت البيئة الصالحة لكتابة هذه القصة "قصة فى السجن"[1]. حيث بدأ الكاتب بإلقاء الضوء على تلك الطائفة (المنبوذة)، وكيف تعيش {أزال الواجب المتكرر شعور الشاويش وهو يزيح بالمقبوض عليهم إلى غرفة السجن} وهنا يشير الكاتب إلى طبيعة إنسانية، لما يفعله الفعل المتكرر، حيث يتحول إلى روتين، وتأديته بدون حماس، ولكن – وهنا المفارقة- حيث يواصل {ولكنه مع هذا الرج متضجر، ملتوى الفم، قاسى القبضة، يتلذذ بشتمه وضربه بالكف على قفاه). حيث يشعر الشاويش، مع هذا الشخص بالتحديد بالمتعة، على غير المألوف، ويتلذذ بالضرب على (قفاه). ثم يعرج على تلك الصفات التى يراها الفلاح فى هذا الرجل{لا لأن عينيه تقع على ساقين غشاهما القشف، أو لأن أنفه زكمه رائحة داكنة، فهذه اشياء اعتادها من الفلاحين الذين يمرون عليه- بل لأنه منذ علم أن المتهم أحد جماعة الغجر الذين تطاردهم النقطة، وهو يرمقه بعين كارهة}. فكل الصفات التى تحدث عنها، تجمع بين كل أبناء المنطقة، ولكن حين (علم) بان هذا الرجل ن طائفة الغجر، كان له وضع خاص، وليس له فقط، وإنما هؤلاء هم من (تطارهم النقطة، وهو يرمقه بعين كارهة) لتعبر تلك الرؤية لا عن نظرة فردية، ولكنها تعبر عن رؤية جمعية، ويؤكدها حين يواصل {لم تكن نظرة رجل إلأى رجل، بل استعراض نوع راق لفصيلة منحطة. لا تقع يده على كتفه إلا تملكه تأفف قريب من الغثيان.. الغجر! هل هم من بنى آدم؟} ليؤكد مدى إحتقار هذه الطائفة من البشر، وكأنهم ليسوا من (بنى آدم).وهنا تبرز المفارقة التى تُخرج فصيلا من البشر، من زمرة البشر، وتتجسد تلك المفارقة، اتعيد ذلك الفصيل إلى البشر عندما يواصل الكاتب {دخل الغجرى السجن وعلى فمه ابتسامة، فرغم دخوله (لسجن) إلا أن الابتسامة لم تفارقه، حتى لو كان{ يبعثهاالارتباك فهى باردة وسخيفة} وهنا يواصل الكاتب إبراز تلك الكراهية، حين يؤكد وجهة نظر (الشاويش) لتلك الابتسامة. وهنا يتحول السجن/ن حجرة ضيقة ذات جدران أربعة، إلى سجن واسع يشمل النطقة كلها، بل الوطن كله، الذى تحول إلى سجن يُوضع فيه أمثال هؤلاء البشر المنبوذين من المجتمع. وتخرج القصة كلها من دائرة ضيقة إلى دائرة أوسع، إلى ان تصبح دائرة تحيط بالأرض كلها.
وفى موضع الحديث- فى السجن- يقول عليوى{كل الحكايات فى بلدنا عن الغجر أنهم حرامية وخطافين، ولهم حيل ما تجيش ع البال}، حيث تعكس هذ الكلمات الفجرة المنتشرة فى البلد، وليس لدى الشاويش فقط.
وحيث أن القصة القصيرة، شديدة التركيز، ووصلت إلى أن اصبحت بعض السطور، لكن يحيى حقى لازال يعيش فى كنف أوائل من مكتبوا القصة القصيرة الممتدة، فاصبح يكتب على غرارهم، القصة الممتدة، والطويلة نسبيا، لكنه استعاض عن تلك الاستفاضة فى الوصف والتحليل، بالكلمات التى تحمل فى باطنها الكثير من الاتساع، فالكلة عنده تفتح نوافذ على عالم رحب، فنجده فى رحلة عليوى، إلى الصعيد البعيد، يشاهد جسرا طويلا من الأتربة، فتبدو الأشجار المزروعة قرب المياه، فلا يبين منها إلا الفروع { ومن لعليوى بمن يخبره أن ليس كل ارتفاع الجسر من التراب. ففى أحشائه أيضا هياكل كثيرة من عظام الفلاحين، وقد يكون فيهم بعض أجداده الذين فتحوا الترعة بطول أربع مديريات بمعاولهم البسيطة. وربما باظفارهم أيضا!!}
حيث تتحرك القصة فى هذا الوصف إلى سنوات مضت، كان الفلاح فيها يخضع للسخرة، ويشق الترع ، حتى بأظفاره. حيث يواصل {وكان يموت الفلاح فيهال عليه التراب، كما هو بمقطفه ومعوله، وجلبابه ألزرق الوحيد، أكل الجسر أجسادهم، ومحا لحومهم، وما على جلودهم من أثر الكرابيج}. حيث يتجسد حال الفلاح فى تلك السنوات البعيدة، التى كان يعانى فيها، ولا يحسب له أى حساب.
ومن كتابه "فجر القصة المصرية" (1986)، وبعد أن كان قد جال فى البلاد المصرية والأجنبية، ليسجل الفارق بين الحالتين، حيث يتبين لنا صفة هامة فى كتب يحيى حقيى، حيث يصور القصة المصرية فى العام 1908، بصورة فكاهية، تبين أن التطور يلحق كل شئ{ما أشد فتك الأيام فى عدوها.. نصف قرن وليس غير يفصلنا عن عهد إذا رجعنا اليوم إلى أخباره، حسبنا أنفسنا نكتشف أمة غريبة عنا.. تعال أولا- من قبيل الفكاهة- نقارن بين فتى العصر عندنا وعنده. الأول لا حاجة لوصفه لك، فأنت تعرفه فى توائم "جمس دين". أما الثانى فنجد صورته الكاريكاتورية فى الصحف الهزلية التى كان يقرؤها : طربوش أحمر جدا، تحته قُصة جعدية، بفضل المكواه، وكرافات يعلوها دبوس ذهبى وسطه حجر يخطف الأبصار ...... إلخ}. حيث يتبين مدى مدى ما كات عليه القصة، بزخرفها، وأناقتها، وكأنها أحد أفندية ذلك العص، يمشى بين الفلاحين بكل ثقة وإعتزاز، وكأنه من طبقة غير الطبقة. تلك كانت القصة قبل يحيى حقى، وهذا ما أصافه إليها.
فعلى الرغم من أننا نتناول قصة واحدة من قصص مجموعة تضم ست قصص، إلا انها -كنموذج- تبين عن أهم ما فى قصص يحيى حقى من خصائص تميزه عن من سبقوه، والتى من أجلها اعتبرناه همزة وصل بين السابق واللاحق، ومنها:
اللغة
خرج يحيى حقى عمن سبقول، والذىن كانت االلغة المنفلوطية تسيطر عليهم( على إعتبار أن أن مصطفى لطفى المنفلوطى كان متمسكا باللغة الفصحى، والمحسنات البديعية، فى كل الأحوال، وايا كان الموقف، وكأننا فى عالم بعيد عن الواقع المعيش) فنقرأ اللغة المستخدمة عن حقى، وأننا نتعايش مع الشخصية، ونتصور ما يمكن أن تكون ليه، خاصة إذا استخدم لغة عامية تحمل القارئ إلى موقع الحدث، فنراه وهو يحكى(فى السجن) وبعد أن أطال الحديث لرفقائه عن الرحلة وما عايشه فيها يقول(قُصره) تلك الكلمة التى نسمعها كثيرا عندما يريد المتحدث أن يقتصر الموضوع. وكذلك كلمة (النقطة) وهى الإسم الشائع بدلا من الكلمة الفصيحة(الشرطة). وفى السجن، وبين الضحة التى أحدثها من يسلمون الوردية، نجد أنه عندما تحدث إلى زميله بالسجن، لم يكن يتذكر، وإنما يعيش ماضيه، لينقلنا الكاتب من الزمن الماضى إلى الزمن الحاضر، لنعيش معه تجاربه السابقة {بدأ يتكلم غير محتد ولا مراوغ. لم يكن يقص حكايته، بل كان يعيش ماضيه من جديد}ص81. يضاف إليها ذكر الأرقام بالتحديد، والتى تجعلنا نعيش التجربة، وكأننا أمام وقائعها، فيخلق المعايشة، مثل 14 قيراط ، وسلم لة 65 رأس(غنم)..
كما أنه، وهو الفلاح الذى ترسب بأعماقه الدين وتعاليه، وهو الذى لا يعرف أحدا ممن فى طريقه، فلجأ إلى أقرب السبل (الحلال) {قلت لها: يا بنت الحلال أنا أخاف الله.. وأحب حكم الشرع.. قالت وأنا وهبتك نفسى. قلت لها: وأنا قبلت}. وكأنه يقد الزواج الشرعى البسيط، فى مواجهة ما نعيشه (الآن) من مغلاة فى طلبات الزواج، وكأنها عملية تجارية، وليست حبا.
الصور بالكلمة
كما تشير الكلمات إلى استنباط حياة البشر، وكأن الكاتب يستعير حياة (الغنم) للتعبير عن حياة البشر فنجد {فقطيع الغنم – هو الآخر- يحمل بين طياته السلسة التى تربط الحياة بالموت}، و أنه بعد أن وجد حمل صغير يعانى الرحلة، استحضر حياة البشر، فحمله { حتى وصل إلى الحمار، وفتح كيسا ووضع حمله، وكان يتبعه فى سيره ويشق الطريق بمجهود أشد من مجهوده، وبإرادة تكاد تنطق أن لن يثنيها عن عزمها شئ، نعجة هزيلة، لها عن كل مأمأة جواب، فيه نداء حنون تخفى تحته ولع الأم وجزعها}، للتعبير عن مشاعر الأم تجاه أبنائها، فى كل نوع من أنواع الحيوات.وأيضا {فى رابع يوم بعد أدان العصر بشوية) . فاستخدام (أدان) وليس (أذان)، وشوية، تشعرنا بأننا نستمع إلى فلاح تلك الجهة، بألفاظه وتعبيراته، وفقد حاسة الزمن عنده، فاستخدم (بشوية) يعيدنا إلى ذلك الزمن الذى يقدر الفلاح الزمن بموضع الشمس( التقريبية). و { لكن ما عرفشى إيه اللى خلانى أوقف الغنم قدام دى، وإنقلت كنت تعبان أكدب }. فتزيد هذه الصورة تشخص المتحدث لدى القارئ.
كما يستخدم الكاتب ألفاظا تعنى ما وراءها، وكأنه يفتح نافذة على مدة شاسع ، ليؤكد ما ترمى إليه القصة، فنجده وهو يصف "عليوى" ، يشير إلى أنه مصرى مائة بالمائة (ولم يكن مظهر عليوى يُنبئ أنه يستطيع تحمل عبء القطيع، فهو فتى لايزال فى ميعة الصبا، قد لا تلحظ العين أدلة وراثته الفرعونية..... نشاطه قوة خفية تسيل فى الوادى، ولا تقل عن النيل جريانا}. وكذلك قول الغجرية، لعليوى، بعد أن سرقت المعزيتن ممن كانوا يصطحبونها عندما سألها{ قلت لها بتوعك؟ قالت لى : يتوعاتهم} . فاستخدان هذه اللغة وهذه الكلمات(بوتعاتهم) يشخص تلك المرأة على طبيعتها، فيتخيل القارئ أنه أمام امرأة على الفطرة، وتتحدث ما وجدته فى بيئتها.
الجنس
فى أربعينيات القرن الماضى، لم يكن أحد من كتاب القصة أن يتحدث عن الجنس، والذى اقتحمه رائد التجديد فى القصة القصيرة. ولم يكن الجنس لإثارة الغرائز، ولكنه كحاجة أساسية فى حياة كل الكائنات، ويمتميز الإنسان عن غيره، بأنه ليس دائما يسعى للجنس لمجرد الحاجة، ولكن صدق من قال عنه أنه "ممارسة الحب" اى أن الحب، بكل معانيه المتسامية عن المادة، فهو العلاقة التى تربط طرفى المعادلة الأرضية( الذكر والأنثى). وحيث عن تلك الفترة كانت تُشعل الحروب لو أن أحدا تكلم عن هذا الموضوع، الذى تجنبه من سبقوه، وضعه حقى فى الموضع المقبول، ملتصقا بالتبرير الذى يقنع من له عقل ، ويفكر، فنراه يقول، عندما التقى الرجل بتلك الغجرية الهاربة من أهلها، وتبحث عن الحرية التى فقدتها وسط أهلها، الذين يستخمونها كسلعة، حين يشاءون{وزاده إلتهابا أنها ابتدأت تقترب منه شيئا فشيئا.. وكان يدفعها نحوه شعور هو خليط من الفرح والعناد.. وربما لم يكن شوقها للرج، بل لتذوقها حريتها فى ليلتها الأولى . ثم ما إن بادلها الرجل ضمها، حتى انطلقت من مكمنها رغبة قوية طالما كُبتت فكانت فى انفكاكها هوجاء.. ولكنها حريصة على نفسها لإلا تفنى سريعا.. فهى تضغط عل حدتها وتغطى عنقها بستار من الاتئاد واتزان الخطوة.. وجعلت كل همها أن تعطى للرجل ما لم ينله من قبل، وأن تأخذ منه أكبر ما تستطيع}ص88.
كما نلاحظ أن الكاتب استخدم كلمة (العناد) فى هذه الفقرة، ليفتح لنا أفقا واسعا حول ماض هذه المرأة بين أقرانها من الغجر، وكيف أنها كُبتت كثيرا، وتُؤخذ عنوة، دون إرادة، وكأنه تقول هنا(فى من أجبرونى من قبل، ها أنذا أمارس نفس العملية ، ولكن بحريتى، ومحض رغبتى).
الضمائر
استخدم الكاتب أكثر من ضمير، الأمر الذى يجعل من قارئه نتيقظا، لمتابة القصة التى يحكيها عليوى، فيظل يتابع حتى النهاية. فبينما هو يحكى لصديقه فى السجن حكاية رحلته، يتحدث عن المرأة التى هربت ممن يصطحبونها، بضمير المتكلم{ما أعرفش جرى للبنت إيه. انقلبت علىّض فى الصبح قلبة واحدة} نجده بعدها مباشرة يتحول إلى ضمير الغئب، او الراوى العليم، فيقول{نزلت الغجرية بين النعاج بخطوة بطبيئة، لا شئ يدعوهاللبقاء مع القطيع. ولكن لا شئ يدعوها أيضا للرجوع إلى عليوى} وكأن المتحدث هنا شخصا غير عليوى نفسه. ويقذف الكاتب إلى القرية، وتصورات أهلها- وما ترسب فى أعماقه تجاه الغجر- فنجده يوزع صفة الغجر على الجميع{ولكنها مع ذلك تندم على حياةنصفها محبة ونصفها عداء. فالغجر لايقبلون الغريب بينهم... لم تكن تبغض عليوى، ولكنها كانت تتمنى لو كان من الغجر}. حيث يتغلغل المورث العربى فى بطانها، حيث دائما ما يلقى اللوم على الغير، ولا يلقيه على نفسه، مثلما هى نظرية المؤامرة، فهو لا يخطى أبدا.
وإن كان "عليوي" قد انساق وراء المرأة التى ساهمت فى ضياع شرفه، حيث (تغجر) مع المرأة، فانساق وراء إضاعة الغنم التى كُلف بحراستها وتوصيلها، فناله ما ينال الغجر{وكان لا بد أن يتذوق عليوى بعض ما يلقاه الغجر من الإهانات والمطاردة.. فيقع السوط .. ويوضع القيد فى اليدين.. ولكن صحبة الغجر جعلته يستقبل الشتم والكرباج مطمئنا}.
وهنا يحافظ حقى على تلك الصفة التى لازمت القصة القصيرة، منذ أن بدأها محمد تيمور منذ قدم قصته الأولى "فى القطار" التى-نشرت في جريدة السفور سنة 1917م، والتى تعتبر أول قصة مصرية وعرببة لم تُترجم ولم تُمصر، فاعتبرت أول قصة قصيرة مصرية-، والتى تعتمد على العِبرة، أو الجكمة التى يمكن أن تستخلصها القصة فى النهية، فهى انتهت على أن "عليوى" نال جزاءه (السجن) لخروجه عن مجموعته وطائفته(الفلاحين، بما فيها من أمانة ورجولة) ولخيانته الأمانة. وإن كان عليوى قد قبل العقاب ، باستلامه للعقوبة، جراء مصاحبته للمرأة من جانب، وللغجر من جانب آخر، وفقا لتصور المجتمع على أن الفلاح، فى مرتبة أعلى من الغجرى، أو الغجرية.
الأمر الذى معه يمكن القول بأن يحيى حقى كانت همرة وصل حقيقية، بين القصة قبله، وبعدها. إذ خلصها من المحسنات البديعية، واقترب بها من الوضع الاجتماعى، فكانت تصويرا للمجتمع، فى مكان محدد، وفى زمان محدد، فكانت تأريخا للمجتمع عبر القصة القصيرة، الممتدة، والحملة للمتعة القرائية، التى تُعد من أهم عناصر الكتابة الإبداعية. فضلا عن التخلص من الوعظ والخطابة التى لازمت الكتابات الأول للقصة المصرية، والعربية، والتى كانت أقرب إلى الحكاية منها إلى القصة الفنية.
12 / 2 / 2026
[1] - يحيى حقى - مجموعة "دماء وطين" – الهيئة العامة للكتاب – ط 1994.