إذا كانت الرواية تشبه شريط السكة الحديد الذى من الممكن أن يمتد من الأسكندرية إلى اسوان، فالقصة القصيرة إحدى محطات هذا الشريط، وهو ما تفعله الكاتبة المهمومة بقضايا المرأة، تُكثفها فيما تفترضه القصة القصيرة من تكثيف، يمكن أن يحتوى رواية، بين ضفتيه.

قصتان

عبـيـر الحـلوجى

 

قانون الكارما

 أعرف أنك تحب، بل ربما تهيم عشقاً. منذ سنوات قليلة لو استشعرت ذلك، لكنت أقمت الدنيا فوق رأسك، وأشبعت الحياة عويلا من حولك. ما كان شيء ليردعني. لم أكن لأتورع عن فضحك أمام أبنائنا والأهل والأصدقاء. أما الآن لا أقوى على مواجهتك. كل منا يبتعد بعينيه عن الآخر. لا تستطيع أن تنظر لي، تخشى اكتشاف أمرك، أما أنا فلي أسباب تجهلها. لم أرغب أبدا بتغيير حياتي، فقط كنت أود إضفاء بعض البريق الطفيف على رتابة أيامنا. قاومتني برفضك التام لأي جديد يطرأ على نمط حياتنا. اتهمتني بالتصابي والعته، لم تعد تلتفت لقصة شعري الجديدة، عطري الآخاذ، توددي الحاني، كلها وغيرها الكثير، مر عليك مرور الكرام. أصبت بالإحباط، شعرت أن دوري في الحياة أصبح روتينياً جامداً. أيام تنقضي كأنها وضعت في طابعة، لتخرج منها متطابقة. حتى أحاديثنا باتت مكررة، عجوز، سكنتها الشيخوخة. نعم التقيته، لست بصدد الكلام عن أين تعارفنا؟ أو كيف تطورت علاقتنا؟ فقط أراد القدر جمعنا بأمر كن، فكان. بمجرد ما وقعت عيناه علْى، اذ بي أرى لمعة، شغفاً، انبهاراً افتقدته من سنوات. وهج أشعل جذوة حياتي المنطفئة. قطعا لا أبحث عن مبررات ادافع بها عن نفسي. أعترف، هناك تجاوزات حدثت، صدقني لم تتعد اللمم. برغم ذلك جلدت نفسي كثيرا عليها. عندما أغمض عيناي لأستدعي فارسا لأحلامي. تظهر لي صورتك، حتى أثناء وجوده. فأنت التجسيد الوحيد لمعنى كلمة رجل بذهني. ليكن جلًي لك، ألحظ وجودها من اليوم الأول. تغيرات طرأت عليك لم تتمكن من إخفائها. يمكنني بسهولة أن أفتش بهاتفك الجديد، الذي من أجلها أقتنيته، رغم جهلك بتقنياته الحديثة. كنا في السابق مصدر سخريتك وكل منا لا يفارق هاتفه. الآن حرصك عليه، نظراتك المستمرة على ما تستقبله من شاشته، ابتسامتك حين تنظر إليه ومقلتيك تجولان خلسة، لتتأكد من عدم ملاحظتى. فضلا عن اهتمامك المفاجئ بمظهرك، حرصك على تناسق ألوان ملابسك، وهو كان أخر اهتماماتك. أمور عدة لو أحصيتها، لأصابك الرعب. أعلمك، أنت جزء مني، لست فقط زوجي، أؤكد لك أن شعوري بك يطال إحساسي بأولادي. لا تحتاج للكلام حتى أعرف ما بداخلك. سؤال يؤرقني، هل كنت تلحظ أنت أيضا ما اعتراني، واكتفيت بالمراقبة من بعيد؟ أم أنني كنت بارعة، لأتقن التمثيل وأخفي ما يجيش به صدري؟ حبيبي لا ألومك، أريد سعادتك حقا. ليتني أتمكن من التعرف عليها، لأخبرها بما تحب، أكلتك المفضلة، مشروبك المحبب، أغنيتك الآثيرة، مئات من التفاصيل الصغيرة التي تدخل الفرحة على قلبك. قد تعتقد أنني جننت! أو لست على استعداد للدفاع عن حياتنا، والاحتفاظ بوجودك فيها! كل ما استطيع قوله، أتفهم تماما ما تشعر به، لن أحرك ساكنا. سأترك لك الخيار، عليك أن تخوض التجربة وحدك، أعدك بتسهيل مهمتك قدر ما بوسعي، فلن أحاول استقطابك أو إبعادك. لست أدري أبذلك أمد يد العون أم أصعب مهمتك؟

-----------

 *الكارما: مفهوم أخلاقي في المعتقدات الهندوسية يؤكد على أن أي عمل، لا بد أن تترتب عنه عواقب مماثلة ،يقابلها في ثقافتنا العربية مفهوم "كما تدين تدان".

 

فتوى...!

جلست مبهوته لا تحرك ساكنا أمام شاشة “التلفزيون” ، تحدق به، تكذب سمعها، لا تستطيع أن تستوعب ما شاهدته. صدر الكلام عن مصدر موثوق بل لعله أصدق من يتكلم في تلك الشئون. كلمات قصمت صبر السنين، فاضت عيناها ببركان دموع خرج من مقلتيها ليصهر قلبها، يحوله جمرة متقدة تحرق وجدانها، وتبدد كل آمالها في الخلاص المرتقب. أصبحت سجينة للحيرة، تجتاحها مئات الأسئلة ،ما العمل؟ لمن تلجأ؟ وما الجدوى من الاستفسار أو التحري بعد أن أتاها الخبر مفصلا واضحا لا يحتاج إلى أي تأويل. في كل مراحل حياتها معه لم تقو على الانفصال. لا تجرؤ على الرجوع لأهلها. أزاحوا عبئها عن كاهلهم، غير مستعدين لحمله مرة أخرى، عليها أن تتحمل ولا تتفوه بمثل تلك الأفكار الشاذة. هكذا عنفتها أمها، كما حذرتها من مصير أخت لها فكرت في ترك بيت زوجها بعد أن تسبب لها في إصابات جسيمة أثناء تقويمه لنشوزها، وما أن علم أبوها و أخوانها بعزمها هددوها بتحويل الكدمات لعاهة مستديمة. تعود صاغرة، آملة في خلاص يهبط من السماء، إن لم يكن عاجلا فآجله مؤكد. مرت بها السنوات ثقيلة خالية من أي فرحة، عمر يسرق، أحلام تغتال، آمال تسحق، لا تحتوي جعبته إلا على كل ما زاد عذابها، حتى ذريته نسخت على شاكلته، تباروا معه في تنغيص أيامها. أوقفه المرض عن الاستمرار في مزاولة حقوقه المقدسة، يستعيدها كاملة مع أول بادرة تحسن، تذهب نظرة الإنكسار المزيفة لتستعيد رمقاته النارية مكانها بمقلتيه. توالت سنوات مرضه إلى ان أقعد تماما. تعترف لنفسها بأنها ليست أسفة على وضعه، بل لعله العكس، سرعان ما تطرد تلك الأفكار من رأسها، لكنها أبدا لم تتمن له الشفاء من قلبها. كل ما رغبت فيه عبر السنين هو الخلاص، فتراه لا يتحقق إلا بموتها أو موته، لا فرق عندها أيهما أسبق. تغيرت أحوالها بعد أن سمعت كبير الشيوخ وهو يصرح أن مآل المرأة لزوجها في العالم الآخر. أصبحت أكثر حرصا على صحته، تنتفض إذا تألم، مرتعبة من مفارقته للحياة قبل أن تجد حلا لمصيرها الأبدي. تفكر هل لو تحسنت صحته، يقبل بأن يطلقها مع تعهدها الكامل بالاستمرار في خدمته؟ حتما سيتهمونها بالجنون، لن يتفهم أحد دوافعها، كيف لها أن تقنعهم بأنها زهدت كل شيء، أجلت كل أمانيها، يغمرها اليقين بحتمية تحققها في عالم الخلاص السرمدي، وها هي الأحلام تتبدد وتتلاشى للأبد. عقدت العزم بعد تفكير عميق بأن تلجأ للقضاء سرا، لتحصل على مرادها. لم يمهلها القدر، فارق الحياة تاركا لها الحسرة والألم على ما فات وما هو مرتقب. وسط حيرتها وحزنها، تذكرت ما سمعته حرفيا " الزوجة لأخر أزواجها" ، فلمعت بارقة أمل في عينيها.