تقدم الناقدة السورية هنا تحليلا لرواية الكاتب والمترجم المصري، تكشف فيه أنها أقرب إلى أن تكون رواية نفسية عن حالة وبنية الذات الداخلية المعرضة للانتهاك كنوع يردنا إلى حالة "اضطراب ما بعد الصدمة"، وكيف يتشوه الإحساس الفطري لديها، والحالة العدائية التي تتفاقم داخلها حتى تصل إلى فكرة القتل.

الذات في تعدّدها وانكسارها

قراءة في «عصور دانيال في مدينة الخيوط»

دعـد ديـب

 

يعيد أحمد عبد اللطيف تشكيل المدينة عبر عمارة سردية موازية في روايته "عصور دانيال في مدينة الخيوط" الصادرة عن دار العين للنشر عام 2022، والتي حازت جائزة ساويرس في دورتها الحادية والعشرين، في مغامرة تجريبية برؤى تتأرجح بين الفانتازيا والتخييل. هذه العمارة تتشكل من عالم من الدمى والموتى، فأهل المدينة يتوزعون بين عالمين، العالم السفلي والعالم العلوي، الذي تتحرك فيه الكائنات المرئية، وكلهم دمى تتحرك، "دمى ماريونت"، عبر خيوط يمسك بها سكان العالم السفلي، وهنا يفتح السارد عالم التأويل واسعًا، حيث الإشارة مضمرة إلى أجهزة السلطة المهيمنة التي تحوّل البشر إلى كائنات مسرنمة تتحرك وفق ما هو مرسوم لها، والتي تمسك البشر والأحداث بخيوط غير مرئية، وتحركهم وفق ما يناسب برامجها وسياساتها، وكأنها روبوتات مبرمجة على إيقاع واحد في سلوكها وحركتها وردود أفعالها. وقد يذهب بنا الفكر لتأويل آخر شبيه بالعالم السفلي لأسطورة "عشتار وتموز"، حيث تقيم آلهة الموت والشر، والتي تملك قدرات عجيبة لاجتثاث الحياة.

يبدأ السرد من العصر الأخير الذي يسميه "العصر الرابع ــ الأيام الأخيرة في حياة دانيال"، لنطلع على حال المدينة التي استيقظت على عالم الموت، على مشهد الجثث الأربعين المذبوحة والعارية التي تمسك بأيدي بعضها بعضًا بوضع غريب يحمل إشارة لانتقام جنسي، حيث تصطف وفق دائرة مشكلة وردة مفتحة؛ وفي منتصفها نافورة "كانت جثثًا مرصوصة بيد آدمية في شكل زهرة متفتحة"، وسط عالم غريب من الدمى البشرية ذات العيون الزجاجية التي تشهد بلا أدنى تأثر أو اهتمام، فلم يعد هنالك ما يهزها، أو يثير انفعالها، فلا غضب ولا حزن ولا فرح، في حيادية تامة كالعدم.

العتبة النصية الأولى في العنونة "عصور دانيال في مدينة الخيوط" تبدو كأنها حكاية كاملة لخصت مراحل النص، وأثارت فضول القارئ لإدراك مقاصده عن أي عصور، وأي خيوط، يشير. كذلك أثارت العتبات المتلاحقة والاستهلالات: بدءًا بالإهداء وإدراج مقطع من سفر دانيال بالكتاب المقدس، وتلاها بتفسير شوبان عن معزوفة رومانس لارجيتو مزيدًا من الجاذبية في محاولة لتركيب ما يجمع هذه الأحجيات مع بعضها، وإيجاد خيط مشترك بينها ما يدفع بالقارئ إلى التوغل في المتن الحكائي للنص، وفك طلاسمه ليغرقه ثانية بالترتيب غير المتواتر للعصور التي نوه عنها بالعنوان، إذ استهلها بهذه البداية التي صدم بها القارئ في "العصر الرابع لدانيال" ملتقطًا خيط التشويق لديه، وإثارة فضوله ليعي ويعرف ما وراء هذا العالم الغرائبي.

ولماذا بدأه بالعصر الأخير لأيام بطله الأخيرة "دانيال"، حيث يرصد حياته في عصوره المختلفة بصورة لا تتبع التسلسل الكرونولوجي، وإنما هي عدسة سردية يتنقل بها ليسلط الضوء على مشهد أو أكثر من تفاصيل حياته، سواء من الطفولة وأيام المدرسة، أو في مرحلة لاحقة أثناء وظيفته في الأرشيف، حيث يكثف كل جزء فيها للإحالة إلى عوالمه الداخلية في فانتازيا الشبيه والأصل، متنقلًا بين الحقيقة والخيال وبين الواقع والفانتازيا، عبر الذات التي تتناسل من ذاتها في مخاتلة الكاتب لقارئه الذي يظن أن هنالك ساردًا يتحدث عن دانيال الذي يرقبه من النافذة، ولكن مع تقدم السرد نعلم أنه هو السارد والمسرود عنه والراوي، كلهم شخصية واحدة اسمها "دانيال"، حيث تتداخل أحلامه وكوابيسه مع الواقع، وبعض الأحلام تتحوّل إلى واقع يكاد لا يفصل بينهما أي ساتر أو حجاب.

ولكن، لماذا دانيال؟
تسمى دانيال بهذا الاسم استجابة لنبوءة من عرافة نصحت بها أبويه بعد موت أشقائه السابقين، وهو قناع آخر تتوارى وراءه الشخصية، ألا وهو النبي التوراتي دانيال، حيث يشتبك معه في صفاته الثلاث بأنه مفسر الرؤى والأحلام، وأنه عاش في فترة السبي البابلي، وصداقته لفتيان ثلاثة هم "حنانيا، ميشائيل، وعزريا"، والمعروفون في سفر دانيال بأسماء بابلية هي شدرخ، ميشخ، وعبدنغو، الذين دفعوا إلى النار ولم يحترقوا بها كمعنى للتطهير والتجدد، فالأصدقاء الثلاثة دانيال الصغير، ودانيال الأكبر، وإبراهيم، ثلاثة أصدقاء في مرحلة الطفولة بأعمار متقاربة يتلقون دروسًا عند الشيخ الأعمى، حيث يثير الكاتب قضية حساسة ومسكوت عنها هي قضية البيدوفيليا.

وهي ما يعرف بالتحرش الجنسي بالأطفال، وما يمكن أن نعده نوعًا من السبي النفسي، باستعراض السطوة النفسية للفاعل المنتهك والحالة التي يعيشها الطفل المتعرض لحادثة الانتهاك، وما تتركه من تدمير في بنيته النفسية، والإحساس بالخزي نتيجة الفعل من جهة، والخذلان عندما يدرك أن ثمة من رآه ولم يساعده ولم يحل دون تعرضه للانتهاك، ليصير الموت أو القتل المجازي فعل تطهير، وهو هنا يورد حالتين: الأولى، فعل الانتحار لدى إبراهيم للتخلص من عار الانتهاك، وانكشاف الانتهاك، والثانية، هي عار الانتقام عندما يقدم دانيال على التسبب في موت الشيخ بالطريقة ذاتها التي مات فيها إبراهيم دهسًا في طريق عبور السيارات، متحولًا بين القاتل العادل والبطل القاتل.

ولكن هل تنتهي هنا القصة؟
لا، وهنا كانت الضربة التي شوهت وجه دانيال من قبل الأب، والتي أحدثت جرحًا في وجهه، وعطبًا في لسانه قاده إلى الصمت. فقد بدأ الصراع الدرامي بالتشكيك بفكرة الانتقام، إذ أن الانتقام ليس حلًا، فهو يحول المرتكب إلى ضحية، المرتكب الذي ثبت أنه انتهك أعراض أغلب الفتية وكأنهم جميعًا دانيالات مستلة من دانيال الأصل. وهنا استطاع السارد أن يعمل على تفكيك البنى النفسية والداخلية للكائنات المنتهكة، والاستفادة من الرموز الميثولوجية وتوظيفها لصالح الفكرة التي يبتغيها. يبدو النص وكأنه سبيكة صهرت فيها أفكار ذات حمولة معرفية ورمزية عالية، من ضمنها عدم استخدام علامات الترقيم، وكأنه يقول للذاكرة دوّني أنت ما ترينه ضروريًا، أو ما ترينه طافيًا على صفحة الوعي، حيث تبدو الجمل في انسياب مستمر، ومن دون عائق، أو فاصل.

«عصور دانيال في مدينة الخيوط» أقرب إلى أن تكون رواية نفسية عن حالة وبنية الذات الداخلية المعرضة للانتهاك كنوع يرد إلى حالة "اضطراب ما بعد الصدمة"، وكيف يتشوه الإحساس الفطري لديها، والحالة العدائية التي تتفاقم داخله ليصل إلى فكرة القتل، أو القتل المجازي، الذي يخاتلنا الكاتب بحدوثه أو عدم حدوثه، مبلبلًا انتباهنا بتعدد وجوه دانيال المختلفة في عصوره الممتدة، أو بالهروب من الحدث، ومحاولة تناسيه، إذ يقول الراوي: "كل الذين قتلتهم أحياء"، كنوع من المبالغة في الإيهام، هل حصل القتل فعلًا، أو هو فكرة سيطرت على عقل البطل، أو هو تخيل في ذهن الراوي.

يظهر دانيال في أيامه الأخيرة مقتولًا مع الجثث الأربعين، ولكن بطريقة أخرى، رميًا بالرصاص، وبجانبه حقيبة الحكاية؛ الحقيبة التي وصلت إلى زوجته لنعرف الأحداث من خلال قراءة الزوجة لتفاصيل ما كتبه دانيال، وكأنه الميت الشاهد على القتلى، في إحالة رمزية للعدد أربعين، الذي يرمز إلى النضج والحكمة والتطهير، الأربعين كنقطة فاصلة بالأحداث والأحوال، وهو كذلك عدد أيام الفيضان الكوني الذي أغرق الأرض، فيضان نوح، كذلك فقد تاه يسوع أربعين يومًا في البرّية، حيث تعرض للإغراء من الشيطان، واختُبرت قوة إيمانه وقوته الروحية، كما نزل الوحي على سيدنا محمد وهو في الأربعين، ومروحة واسعة موازية كأيام تيه موسى، وأربعين الميت، وأربعين ما بعد الولادة، وأربعينية الشتاء، ودائمًا يأتي الفرج ما بعدها، وهنا كان الفرج بالموت.

موت دانيال الضحية والقاتل؛ السارد والحالم؛ الذات وأشباهها، وقد حاول أحمد عبد اللطيف الإفصاح عن تعدد الشخصية في الواحد بشكل فيه بعض المباشرة، ومشككًا إلى حد ما بذكاء القارئ في فهم رمزه المقصود بقوله: "لكن دانيال هو قدَري، هو شبحي، هو جسدي، ودانيال هو القطعة التي مني غير أنها منفصلةٌ عني" (ص 50).
وتاليًا، ينتقل بنا السارد إلى العصور الأخرى لبطله وهو يدخل في شبكة الأرشيف التي تعد ملفات عن كل شيء، وعن كل الناس. وهنا يجير الكاتب المشهد للإشارة إلى اليد التي تحرك خيوط المدينة العليا الممسكة بناسها، أو ما أسماهم بالدمى، أي الجهات المهيمنة على واقع المدينة، وهم من جسدهم بالعالم السفلي، ذلك العالم الذي يتعهد بحماية ورعاية أشخاص لهم تاريخ بالارتكاب والانتهاك. ومن ناحية ثانية، هذا الأرشيف قاده، أي البطل، إلى معرفة أشباه الشيخ المنتهك، وعناوينهم، واستدراجهم إلى حتفهم الذي مر بنا في المشهد الأول. يقول صاحب "صانع المفاتيح" إن العمل كشف حساب مع ذاته، ويهديها إلى "الطفل الذي كنته"، كاستهلال في المقدمة للإيحاء بالرموز التي اشتغل عليها.

وقد كان لتكرار معزوفة موسيقى رومانس لارجيتو لشوبان دور في إتمام الصورة الدرامية، إذ يقول: "هذه ليست معزوفة موسيقية، لكنها حنين شخص للعودة إلى ذاته". وكأنه خلفية لمشهد كوني سرمدي يصدح بالوجود، ويتردد صداه في أعماق البطل، كتعبير عن نوستالجيا مجروحة لطفولة معذبة حملت ثقل ذاكرة مضطربة من دون ذنب، وكان مرادفها تأكيد دانيال على الجهل بالزمن، كلازمة يكررها، وكأنما يحيل للكون السرمدي الممتد في نص مركب فيه العمق التحليلي والمتعة الجمالية في الوقت ذاته.

 

أحمد عبد اللطيف: كاتب ومترجم من طراز خاص. فازت روايته الأولى "صانع المفاتيح" (2010) بجائزة الدولة التشجيعية في مصر عام 2011. كما فازت روايته الثالثة "كتاب النحات" (2013) بجائزة ساويرس الثقافية عام 2015، وترشحت روايته الخامسة "حصن التراب" (2017) إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية في عام 2018. كما فازت مجموعته القصصية "مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية" (2021) بجائزة ساويرس الثقافية فرع القصة القصيرة عام 2022. ترجم من الإسبانية إلى العربية ما يفوق ثلاثين عملًا. أيضًا فاز عام 2013 بجائزة المركز القومي للترجمة في مصر عن ترجمته لرواية "الكون في راحة اليد" لجيوكوندا بيلي.

 

عن (ضفة ثالثة)