ينعكس الصراع الضاري بين أهالي قريتين على طبيعة العلاقات بين أبنائهما الطلاب في المدرسة نفسها، لكن القاص التونسي يرينا إمكانية تجاوز هذا الصراع من خلال حكاية الراوي مع خصمه والتي تتكشف عن أفق آخر تظهر فيه التفاصيل اليومية المشتركة بينهما كجسر يمكن أن يعبراه معا.

«الشخّارة« و »الطُّورارة«

خير الدين الطاهر جمعة

ما كنت  أتصوّر لحظة أن ذلك التلميذ الذي يجلس بجانبي في الصف سيمسك  بهراوة غليظة ويحاول إلهاب ظهري بها و يتسبّب في كسر ركبتي لأبقى أعرج بها أكثر من شهر.....

كنتُ دائما أعتقد و أنا صغير أن الأبطال الذين يتحدَّون مجموعة من الأشرار لا يوجدون إلا في أفلام الكرتون.....حتى دخلتُ المدرسة الإعدادية وتعرضتُ لذلك الحادث الشنيع المؤلم الذي سيزلزل كياني وعقلي مثل رياح الخريف......

في قريتنا كنا نتشرّب التناقضات من الصغر، كنا ننشأ على ثنائية غريبة هي: الانتماء والحقد، الانتماء إلى قريتنا "وذرف " والحقد و العداوة للقرية المجاورة " المطوية " وكان هذا التناقض ملازما لنا حتى أصبح جزءا من حياتنا، كنا نشتمهم  فندعوهم بــ" الطورارة " و تعني المتسكعين في الطرقات وكانوا يشتموننا فيدعوننا " الشخارة " و تعني كثيري النوم، كانت قريتنا معروفة بأعمال المقاولات و بصناعة المرقوم في حين كان "الطورارة " مشهورين بنجاحهم في التجارة و بصناعة الحصير..بل إن شعور الكراهية وصل إلى حد أن أحد رجال أعمال قريتنا القاطن بالعاصمة شيّد مدرسة إعدادية مشتركة بين القريتين حتى لا يذهب أبناء قريتي للدراسة في مدرسة المطوية، في الحقيقة هو كان يريد بناءها في قريتنا و لكن تدخلات مركز الولاية جعلته يبنيها بين القريتين إرضاء للطرفين وبالنسبة إلى أهالي قريتي أي الشخارة فقد كانوا يرون أن الطورارة قد حصلوا على مركز المعتمدية نتيجة لتصفيق وتهليل بعض  أهاليهم الذين نزحوا إلى العاصمة لحكومة الاستقلال في حين ترى أغلب عائلات "الشخارة" نفسها من اليوسفيين الذين ساعدوا ثوار بني يزيد في الحامة زمن الاستعمار، كان ذلك من الماضي البعيد أما  الآن فالذي كان يزيد من تأجيج الصراع أكثر هو مباريات كرة القدم بين فريقيْ القريتين....

كان التناقض عجيبا و كان الطرفان لا يلتقيان بسلام إلا في مكان واحد  وهو خمارات مدينة قابس !!! في مثل تلك الأماكن فقط يصبحون أصدقاء !!!!

هذا الصراع العجيب أثّر في طبيعة العلاقة بين التلاميذ في المدرسة يعني بين " الشخارة " و "الطورارة" بل إن الأمريزداد  تعقيدا لأننا نذهب كل يوم إثنين إلى مدرسة المطوية لأخذ درس العلوم لأنها الوحيدة التي يتوفر فيها مختبر مجهّز و حديث..

كان عاما دراسيا مختلفا بدأ مع حضور مدرس شاب من العاصمة ليدرسنا مادة التاريخ والجغرافيا، كانت لغته جزلة ويبدو متمكنا جدا من مادته و ثوريا في آرائه، فقد كان جريئا في مواقفه  فيقول كلاما كنا نسمعه لأول مرة كان يقول إن هذه المدرسة تأسست على التخلف، و إنه من المفروض أن نكون جيران وأصدقاء وليس أعداء. و قد تفطن إلى أن الصف  منقسم  إلى قسمين على اليمين "الطورارة" وعلى اليسار "الشخارة"، فما كان منه إلا أن جعل بجانب كل تلميذ "شخار" تلميذا "طورار" و هكذا وجدتُني بجانب "طورار " لا أستطيع حتى النظرإليه،كان يجلس على يميني فكنت أتنحى إلى طرف الطاولة وكذلك يفعل هو. وبعد هذا الإجراء الذي نفّذه أستاذ التاريخ والجغرافيا أصبحت حصة الجغرافيا الأكثر سكونا وهدوءا،؟ ولكن ما إن تنتهي الحصة حتى نعود إلى انقسامنا الأول.

وذات يوم كلفنا مدرس الجغرافيا بواجب بيتي، وأخذ يطوف بين الطاولات و كل من لم يقم به يصفعه ويخصم له درجات، في تلك اللحظة انتبهتُ إلى أن "الطورار " الذي بجانبي متوتر جدا إذ لم يقم بالواجب، فقرّبتُ كتابي ناحيته وسط الطاولة، كان المدرس بعيدا فقام بنقل بيانات الخريطة بسرعة ثم دفع كتابي بمرفقه ناحيتي، قمنا بذلك دون أن ينظر أحدنا إلى الآخر، غير أن ذلك التعاون سيتكرر مرة أخرى، إذ بعد أسبوعين كنا سنرسم خريطة فقام المدرس يطوف على الطاولات كالعادة، ويصفع كل من لم يأت بقلم رصاص، وكنتُ أنتظر صفعته المدوية باستسلام حين رأيتُ جاري " الطورار " يلقي بقلم رصاص بين دفّتيْ كتابي...التفتّ إليه فالتقتْ نظراتنا لأول مرة، كانت نظرة تشجيع وامتنان وبراءة وهكذا بدأ شيء من الود يولد بيننا، ولكن تلك العلاقة الوليدة كانت تتلاشى في بقية الحصص وفي الساحة وفي كل مكان من المدرسة خوفا وخضوعا وانتماءً.

وجاء ذلك اليوم اللعين يوم الإثين الذي نذهب فيه للدراسة في المطوية، وكان يوم الأحد الذي سبقه يوما تاريخيا فاز فيه فريق قريتنا "شبيبة وذرف" على "اتحاد المطوية" فريق القرية المعادية فكان يوم الإثنين عندهم يوم الانتقام والثأر، وكانت العادة أن ننتظر نحن قدوم الحافلة بعد منتصف النهارعند باب المدرسة  لنركض بسرعة إليها إذ في تلك اللحظة يقع الهجوم علينا بالعصي وهم في العادة يكونون متربصين  بنا عند تلة صغيرة ( طابية ) لبستان مقابل مبنى المدرسة، في حين نكون نحن قد تسلحنا  بالحجارة لنرشقهم بها حتى لا يقتربوا منا و نقوم في البداية بحراسة البنات حتى يصعدن الحافلة ثم نقفز نحن إليها وقد بدأت بالتحرك......كان ذلك الكر والفر أمرا عاديا للطرفين، و هكذا تبدأ الموقعة بمجرد ظهور الحافلة ففي تلك اللحظة نقوم نحن بـ " ملحمة العبور " ويقومون هم بعملية " الإنزال "...!!

ولكن ذلك الإثنين كان يخبّئ لي مفاجأة ستظل محفورة في ذاكرتي إلى الأبد...

 أطلّت الحافلة الكسول تتهادى من بعيد، فشرعنا في "ملحمة العبور"، أحطنا بالبنات إحاطة السوار بالمعصم و تقدمنا بسرعة وحذر  نقطع الطريق، وبدأت البنات بالصعود إلى الحافلة بعد ذلك بلحظة برزوا لنا من أعلى التلة يُلوّحون بعصيّهم، وبدأنا نرشقهم بالحجارة حتى نمنعهم من الاقتراب،  لكنهم لم يتراجعوا فقد كانوا يتقون ضرباتنا بمحافظهم، تخلّف بعضنا عن الصعود في محاولة لتعطيل وصولهم وكنتُ من بين هؤلاء،  وقد شكّلنا جدارا بشريا يمنعهم من التعرض للذين كانوا بصدد الصعود، كنتُ مع ثلّة من "الشخارة الكوماندوس" آخر من سيصعد عندما التحموا بنا و كانت الحافلة تهمّ بالانطلاق و حين وضعتُ قدمي اليسرى على أول درج شعرت باقتراب أحدهم فالتفتُّ وأنا أهمّ برفع اليمنى تجمدتْ الدماء في عروقي حين وجدتُ "الطورار" الذي يجلس إلى جانبي في حصة الجغرافيا يرفع هراوته في الهواء يريد أن يلهب بها ظهري، التقت نظراتنا للمرة الثانية وخارج الزمن  في تلك اللحظة القاتلة تذكرت يده تنقل الواجب بارتعاش وخوف في حصة الجغرافيا، تلك اليد التي رمت قلم الرصاص بين دفتيْ كتابي لتنقذني من صفعة الأستاذ الوحشية هاهي تلك اليد ترتفع اليوم لقسم ظهري، طالت اللحظة القاتلة وفي ثانية من البرق الخاطف رأيته ينزل يده و ينكس رأسه هامًّا بالتراجع و لكن جمع "الطورارة " الذين كانوا وراءه تدافعوا عليه ففتح ذراعيه ليمنعهم من الوصول إليّ عبثا، قام ابن عمي وبعض الشخارة بمدّ أيديهم لانتشالي و هكذا وجدتُ نفسي ساقطا على درج الحافلة المسرعة و سمعتُ في تلك اللحظة صوتا مفجعا لقد كان صوت طرطقة ركبتي  التي أظنها قد انكسرتْ،تقيّأتُ في الحافلة و ساعدني ابن عمي على الصعود....لقد انكسرت ركبتي و كنتُ أول ضحايا تلك الموقعة.

تغيّبتُ يوم الثلاثاء فقد قضيتُه في المستشفى  وعدتُ يوم الأربعاء و ركبتي في الجبس، أعرُجُ متكئا على عصا طبية، دخلتُ لأجلس في آخر الصف بمفردي و لكني رأيتُ صديقي الطورار يأخذ كتبه و يأتي ليجلس إلى جانبي أمام استغراب كل تلاميذ الصف و عند الفسحة عندما كان يهم بمغادرة الصف أخرج من حقيبته علبة من الشكولاطة الفرنسية الفاخرة وضعها أمامي على الطاولة وخرج، عاد بعد الفسحة ليجلس بجانبي دون أن يقول كلمة  وما كنتُ أتصور أنه سيفعل ما فعله في ذلك اليوم فعند منتصف النهار رأيته يسرع أمام نظرات التلاميذ المستغربة ليحمل حقيبتي و يتبعني على مهل وسط أبناء قريتي بلامبالاة كبيرة كان يمشي مختالا غير مهتم بنظرات الحقد و الاستهجان، وقف إلى جانبي ننتظر الحافلة وفي الطرف الآخر من الطريق كان الحنق ينهش التلاميذ الطورارة وحين قدمت الحافلة، صعد معي، ساعدني في الجلوس على الكرسي، وضع حقيبتي عند قدميّ والعصا بين ساقيّ ثم نزل بسرعة وكانت حافلة تلاميذ المطوية قد انطلقت و رغم ذلك لم يهتم بل لمحته يقف ليلوّح لي بيده  وهويضع حقيبته على ظهره يستعد لقطع المسافة إلى قريته راجلا. ونظرا لأن الحافلة قد تفوته مرة أخرى أصبح يأتي كل صباح على دراجته التي جلبها له أبوه من فرنسا ليتسنّى له مساعدتي في حمل حقيبتي أثناء اليوم الدراسي عند انتقالنا من صف إلى آخر  ومعاونتي في الصعود إلى الحافلة  بعد انتهاء الدروس...

كان صديقي يكفّر عن ذنب لم يرتكبه..... كان أول صديق لي من خارج قريتنا....كنا ونحن نسير جنبا إلى جنب نشعر بالانعتاق ونحس بأننا قد تحررنا من أكذوبة الانتماء والحقد كان شعورا أشبه بالحلم والحياة................

 بعد تلك الحادثة أدركتُ أننا نحن أيضا يمكننا أن نكون أبطالا....

فذلك "الطورار" اللعين...ذلك البطل  سيظلّ صديقي اللدود و عدوّي الحميم الذي لن أنساه ما حييتُ....

لقد صدقتْ فيه نبوءة مدرِّس الجغرافيا  حين كان يمازحه قائلا:

" (أسعد صالح) اسمك اسم أفلام !!!!".

 

أبوظبي21/12/2011