يخلق الكاتب العراقي الشاب عالماً بديلاً عن عالم العراقي اليومي المليء بالعنف والقتل والتخلف حيث تسود القيم والأعراف والتقاليد التي تقف بالضد من الحب وتجعل من المرأة لغزا وحلماً كما هو حال أنثى السارد اللبنانية المتخفية في العالم الافتراضي.

جنـسـبوك

SexBook

أثير محسن الهاشمي

مفاتيح البداية :
1-     الحياة كذبة .. يطويها الصدق فينكشف فارغًا مطويا على ذاتهِ .
2-    
المرأة أمل أعضب .. تبحث عن عكاز متكسر .
3-    
الرجل عكّاز متكسر يبحث عن أمل أعضب .

 

للنساء بقية :
-      كلّما أبحْـنَ لنا سرّ ضياءهنّ دوّن التاريخ ألواح أخطائنا ..

-      سأقص روايتي منتهكة اللغة، وفاضحة نفسها على تلّ من العري ..

(1)
لم أكن أتصور أنني في يومٍ ما سأقع ضحية جهاز الحاسوب لأكون أحد الموقعين في برنامج (الفيس بوك)، فأنا للوهلة الأولى سجلت اسمي غير مبالٍ لما يكون، فنحن في زمن الحرية والديمقراطية، لكن ما كنتُ أخشاه أن أقع في فخّ الكسل .

ما لبثت أن تحوّلت حياتي من عزلة إلى تجانس روح وتخاطر عقل، كم كنت أودّ لو أنني سجلت ُ اسمي ها هنا منذ كنت طفلا، لأنجبت اليوم ربما برامج فيس بوك ؛ لأنني ما ألبث إلا وأتعرى أمام محبوبتي الحاسبة تسع ساعات يوميا، أتمدد وأنا على يقين من تيهي في هذا العالم، العالم الذي أمدّ رأسي فيه فيأخذني إلى عوالم مختلفة من الرجال والنساء والمدن و و ..

ولم أكن أعلم أيضا أنني سأجد عريي في هذا الحاسوب الصغير، عري امرأة تخبئ لي حياءها ليقسو على مرأى من زمني المعبّد بإكليل الفحولة المعطلة من كلّ الجهات.

تعرفت إليها ذات عشق، لأكون آخر الجبابرة الذين تعدّوا إلى أن يكسّروا لغة الدّنيا، أنا كسرت لغة اليابان بعريي وعريها، كم كانت تحضر عريي وأحضر عريها، نتجانس (الكترونيا)، هكذا أنجبنا أطفالنا عبر الفيس بوك، لكنهم لم يطلوا إلى الدنيا بعد، كنّا قد أجلنا قدومهم لئلا يُصدموا بواقع الحقيقة، حقيقة مجانين الأرض وهم يتساقطون واحدًا تلو الآخر برصاص الحروب، وخوفا عليهم من مدننا المريضة، وهي تعاني من شلل القرى على الرغم من شيخوختها.

نعم، مدينتنا لفّت عمامتها، وصارت تدرس علم النفس اللغوي، لتكون أول الناجيين من جهل الاحتلال، وهو يقدم إلينا صورًا فوتوغرافية، كـُتب عليها لافتة (للذكرى) من سجن أبو غريب .

لم أكن أشاهد نفسي عارياً إلا عندما كـُشفت أعضاء المسجونين في "أبو غريب"، رأيتُ جسدًا يشبهني تماماً، عريه يشبه عريي حدّ العري، حتى تأكدتُ أنّ المجندات الأمريكيات بحاجة إلى فحولة، إلى جسدٍ ذكوري، إلى جنس أبدي.

توقف كل شيء في عالمنا أثر الحرب، حتى مدننا ما عادت تتنفس إلا بارودًا، ونحن نتأرجح بين مأساتها ومأساتنا، تعطّل كل شيء إلا لساننا صار يكتب من جديد، علّه ينصر الفيسبوك يوماً .

رأيتها عبر الفيسبوك، كانت متنكرة بادئ الأمر باسم رجل، وتضع صورة رجل، ملامحه بشعة، أشعث الرأس، ثخين الشوارب، وجهه لا يبشر بالخير .

لكن الكلمات المكتوبة كانت تنم عن روح لا تنسجم وتلك الهيئة المشوّهة عمداً، كنت ُ في أول وهلة (أتشاءم) جداً عند رؤيتي له، لكن ما لبث وأن كـُشف الأمر، لم تكن الصورة حقيقية، لم يكن هذا الرجل رجلاً، يا للهول !! إنه فتاة، نحن الشرقيون نعرف أن انسجام الرجال للرجال يدوم لأننا باردون، عالمنا (رجولي – حربي – سلطوي – تعصبيّ)، الأنثى لدينا معطلة .

كان دفء الكلام وحرارة المعنى المكتوب، وتبادل الأفكار المختلفة من ضحكة وحزن وسؤال وجواب، أن نتعارف أكثر ..

إنها أنثى متنكّرة بزي رجل، صدقتها بعدما باحت لي بالسرّ ؛ لأنّ حديثها ينم عن أنوثة الكلام، نعم صدقتها ؛ لأنها بريئة حدّ البراءة، و أنثويّة حدّ الأنوثة، لكنني فيما بعد راودني الشّك خوفاً من حيل الأصدقاء وهم يتفننون بالتنكر؛ ولأن كيد الأصدقاء لعظيم، وعلى هذا الأساس قرّرت أن أراها مباشرة لا عن طريق الكتابة فقط، من يضمن لي أنها أنثى فعلا .

تحدثت معها بلطف :

-      أود أن أراك، نحن الرجال طبيعتنا نشكّ بأنفسنا . عذرا أنا ليس من طبعي الشّك، لكنّ أصدقاءنا يتفننون بالتنكر ولبس الأقنعة؛ إنهم جيل النصر الأليم !!

-      ضحكت ضحكة الكترونية ههههههههههههههه

واكتفت برمز الخجل

-      تحيرتُ بإجابتي، تأخرت قليلا بالردّ عليها .. بعد ذلك استعملت رمزا يمكن أن يكون إجابة مهمة لها. رمز الصمت. عدم البوح أفضل لغة للأنثى، خاصة إذا كانت الأنثى تلحّ على رجل أكثر ممّا ينق عليها.

-      تعرّفنا منذ فترة قصيرة. لمَ العجلة ؟؟

-      وماذا يعني؟ رؤيتنا لبعضنا مفتاحًا لبداية الصداقة.

-      سأفكّر بالأمر.

-      إذًا فكّري بالأمر، أيتها الجميلة.

-      (تأخرتْ بالرد قليلا) لماذا تصرّ على مغازلتي من أول وهلة.

-      أحسست أنّ دفء كلامك ينمّ عن أنثى حقيقيّة .

-      وهل هناك ثمة أنثى غير حقيقيّة.

-      نعم .. هناك أنثى تحمل صفات الفحولة، ونحن متخمون من الفحولة .. وها أنا معك تتسارع أحرف الحاسبة قبلي بالردّ عليك.

-      ههههههههههه. شكرا لك.

-      عفوا ..

-      إلى اللقاء.

-      إلى اللقاء.

انتهت محادثتنا كالعادة .. بخاتمة خجولة بعض الشّيء، واستمرت محادثاتنا، وفيما بعد تلاشى الخجل شيئا فشيئا.

لم يكن لي في هذا العالم العنكبوتي إلاّ هي، على الرغم من أنها كانت بعيدة عني إلا أنني صرت أحسّ بها ؛ كان كلامها في - أكثر الأحيان – قد أصبح ينم عن كينونة الوجود، بعدما كان وجودي مشككاً به، من قبل ذاتي، لكن سرعان ما بدأت حياتي وكأنها فيض من المشاعر المنسابة باتجاه لغة لطالما دخلت إلى بيوتنا، وعبرت عمّا في دواخلنا من كبت الزّمان .. وأيّ زمنٍ هذا الذي لا يقبل القسمة إلاّ على نفسه.

يا للهول !! متى سنجد أنفسنا متوازنة ؟ متى سنلحق بركب الأيام الحبلى بالمفاجآت؟

أوّاه ! يا بلد المسنين والعانسين والعانسات والمطلّقات والأرامل .. الشيء الوحيد الذي لم نزل نبحث عنه هو "الخبز".

فتّش عن وجودك عن طريق الخبز، إذا مـُلئت بطوننا خبزاً ساعتها سندخل إلى عمق الانترنت متخمين بالخميرة ..

لكننا سنظل جائعين لرغبة اسمها "الحياة"، لوقفة ندعي أنها العذوبة والرومانسيّة في بلدٍ ماتت به أواصر الحب والهوى ربما!.

أصبحت القضية أكبر من أن نكون في آخر شبابنا، لكن ماذا عسانا فعله، وفحولتنا الجائعة تبغي رومانسيّة بعيدة عن لغة الحرب ..

أخذت رقم هاتفي وقرّرت أن تتصل بي هاتفياً على الرغم من بعد المسافة بين دولتين بعيدتين كلّ البعد، لكنّها قرّرت الاتصال بي كما أخبرتني بذلك، أخبرتها أنها ستجد صوتي خشنًا مبحوحا، لكنّها لم تَـبُحْ لي بمواصفات صوتها، وحساباتي وتوقعاتي حول الصوت لم تكن على البال؛ لان صوت الأنثى بطبيعته رقيق للغاية .

وبالفعل اتصلت بي حبيبتي هاتفياً، كان صوتها ينمّ عن أنوثة فائضة ورومانسية عذبة، تلاحم الصوتان في عالمٍ ملؤه الصّخب والعنف، رقتها وعذوبتها وهدوؤها تجانس مع خشونتي وصراخي .

مرّت اللحظات بسرعة، لكنّني بقيت أحلل هذا الصوت الأنثوي الجميل، يشبه إلى حد ما صوت "شاكيرا" المطربة التي طالما أسمعها، صوتها براءة، كل براءة أنثى، وصوت الأنثى براءة، فالمرأة على قول أحد أصدقائي مفتاح للخلاص، بل هي قارورة عطر إسلامي.

كنتُ أتشوق لرؤية حبيبتي هذه الليلة، حبيبتي الساكنة خلف الحاسوب، أترقّب ساعتي الجداريّة القديمة ذات الدّقّات المزعجة، موعدنا بدأ يقترب، الفصل كان شتاءً، البرد قارص، والأمطار تهطل بقوّة، أصوات الأشجار بدأت تتصاعد، أمّا أنا فكنت أتابع من تحت الغطاء المطر وهو يغسل زجاج نافذتي، رغم دفء الفراش كان البرد يخترق غطائي، لهذا كنتُ بحاجة إلى أنثى تحميني من البرد بأنامل لغتها ولغة أناملها، فتكون بجانبي أنثى ممدّة على أريكتي عارية جوار عري دون سوء ..

كم جميلة المرأة حينما تكون عارية ! وما أبشع الرجل لو كان عاريا ! .. أوّاه يا بلد الإنسان المهيمنة في الخشونة ما أبردك !!

وما أثلجك!! وما أشدَّ حروبك اللعينة !!

بلد شعاره الخوذة والبندقية والرصاص! ألم نكتف بحروبنا القديمة!

ألم تسد حاجاتنا لعب الأطفال المشوهة بالرصاص والقنابل اليدويّة ..تعبئة أطفالنا صارت كتعبئة حياتنا، نعم ليكونوا جنودًا متصارعين فيما بينهم ..

لم تعد السجائر تريح ذاكرتي المعبّأة بدخانها .. طـُرق الباب طرقات خفيفة، لم أتوقّع غير صديقي الذي ملّ مني لأني ما عدتُ أبادله الحديث كما السّابق، صار (الانترنت) زميلي، و(الفيس بوك) صديقي، فتحتُ الباب له، وجدته متشائما، بعد لحظات جلوسه، رنّ هاتفه النّقال ذو النغمة المزعجة، أخرجه من جيبه، نظر إلى اسم المتصل، بدأت ملامح وجهه تتغيّر وخطوط جبينه تتجمّع بين حاجبيه، أخبرته مستفهماً، مـَن المتصل؟

-      صديق لي يعمل معي، مريض، مرضه (نسائي) .

يضحك ..

-      خذ كلّمه فأنا سئمت منه يكلمني عشر مرات في اليوم !!

أخذت الهاتف منه منتحلا شخصيّة صديقي..

-      أهلاً كيف الحال ؟

سألني إذا كنت قد اشتقت إليه أمْ لا فأجبته مستفهماً:

- ألم أكن معك اليوم في العمل ؟

-      نعم . لكن الليل غير النهار، أتمنّى أن تكون بجانبي الآن !!

-      ضحكت ُ ..وبقيت ُ أضحك ..

-      لماذا تضحك .. ألا يعجبك كلامي ؟

-      لم أتوقّف عن الضحك.

-      لـِمَ تضحك ؟؟ .. اللعنة عليك.. تكلّم.

أغلقت ُالهاتف وناولته لصديقي، المشكلة أنه لم يكتشف صوتي، فراح يكلمني بكلّ ما يملك من نفسيّة بسيطة ومريضة..

صديقي هو الآخر راح يضحك، شكرني لأنني أرحته منه ومن ثم راح يخبرني بكلّ تفاصيل هذا (المخنث) الذي يودّ لو يـُتجانس معه ! لا يرغب إلا أن يكون امرأة !

إنّه أمر مضحك جداً !!

يا معشر الرّجال.. تفقهوا بالنّساء قليلاً ..

وأنتن يا معشر النّساء .. الزّمـْنَّ الأنوثة أمام الرجال .. لا تستفحلن في وطنٍ لا أنوثة فيه ..

سبحان الله .. الجنون يلازمني دائماً...

تبا لك أيها الجنون لأنك تشبه المرأة !! والمرأة تشبهك !!

الفارق البسيط .. بيننا نحن الرجال وبين النساء، أنّ النساء يبصرن الأشياء عن بعد ..

أمّا نحن الرجال فلنا سمتان.. سمة أولى : أننا (عميان)

والثانية.. لن أخبركم بها إلا عندما أحيا !!

أنا الآن ميّت ما بين أنثى الله على الأرض، وبين أرض الله تحت الأنثى، لم أزل أقبع تحت أرجلهن، تمشي على رأسي النساءُ، واحدة تلو الأخرى، أنا صرتُ برزخهن المؤدي إلى جحيم الآخرة .

أنا برزخ النساء .. لا نساء لدي، لا امرأة أعشق سواها، هي مـَنْ تعتـّق حالي في لجّة ضوضاء العاشقين.

أنا وهي، قمران يبتسمان لله ساعة نوم الآخرين، فتبتسم السماء لنا، لحظة وجودنا، لحظة نومنا على الحاسوب، في آخر الليل، لنحلم بصباح ٍ جديد ملؤه (الفيسبوك) .

أتيه ما بين المساءات ... معلقاً ما بين غيمات الغروب .. لا أعرف الاتكاء إلا على صيحات الظلام وهو يطبق كفّيه بآخر نظرة بوح ... سأشكك بروحي وهي تعصف على وقع حبيبة روحها فيّ وجسدها خلف الغروب يعيش .. أواه على صبر الرجال .. كم صبرت وكم أرقب ألف طعنة من ذاك الغروب .. لم أزل أراقب زهرة بيضاء ...

(2)
لم أزل أكتب عن فتاة تقيم على آهاتي خرائط حبٍ، لا أشتهي منها غير الدفء ... أواه يا قلبي المعتوه .. يا شريداً نحو "صيدا" .. أيّ موت ٍ ترتقب .. وأي حياة ترتقب .. أي ثلج تشتهيه نارك .. أنا خارطة من النار .. سأعشق فمها المخدوع بالماء وأشربه هوى بعد هوى .

أنا الحزين ما أحببت في يومٍ امرأة مثلها .. وأنا التائه ما بين الأرض وكبرها أحببتها، سأعلن استفحالي على أرضها الحرام لا قتال فيها لا تتار .. سأكون أول جندي يشنّ غاراته عليها .. سأكون أول مهدي تنتظره .. سأكون أول شرطي في الحب يقاسم الواجبات على وجنتيها .. سأكون أوّل فلاح يزرع القبل على نهديها المبتلتين بملح صيدا .. سأكون أوّل يثرب تـُفتح على جزيرتها العربية .. سأكون أوّل صياد يبحث عن لؤلؤ ما بين بحر فخذيها .. سأكون أول عاشق ينام على جسدها غابة الورد.. سأكون أول مراهق يبحث عن أنثى تريق شهوته، سأريق شهوتها، سأخيط كلّ هزائمي على انتصاراتها ..

وكالعادة التقينا، كنا قد سكرنا تاركين وراءنا سبابة الأيام حبلى لنعقر كلّ بلاء ..

أخبرتها أننا سنكون حبيبين نتأرجح .. نموت .. ندفئ بالبرد .. لنكون جسداً واحدا ألتف بك وتلتفين بي .. سأضفر جسمي بك لنكون ضفيرة من اللحم لا ننفصل أبداً ..

أجابتني بجرأة أكثر : سأكون موسيقاك ... ساعزف لك كلّ ترانيمي .. سأجعلك تطير معي .. سنرحل إلى متاهات لا يدركها إلا الله والانبياء، سأحملك طفلا على صدري.. أقبلك وانحت من بياضك أحلى ودائعي لتزيل عني سواد الأيام، سأفرش لك روحي رمالاً دافئة لتنامي عليها راضيا مرضيا.

-      بعباراتها هذه، ازدادت مشاعري لهفة ورغبة، بعد أن تزاحم المعنى بالرد عليها مسرعا، حبيبتي : امنحيني السلم في أرضك الحرام ؛ لأكون أول الفاتحين، وأول المصلين في جامع بياضك وأول المتوضئين بماء فمك، وأول الساكنين على بيوت جنتيك ..

وأول الذائبين بك، وأول السارقين مفاتيحك السرية،وأول الماجنين في قداستك

وأول الساجنين قادتك للأبد .

- لو كنت معي الآن... لقبلتك عند كلّ عاصفة... لأسكنتك معطفي . لأشربتك من كأسي خمرة الحياة .

 - ما أحلى كأسكِ وأنا أتذوّق منه خمر حياتي!

- ردت علي مسرعة : عانقني... عانقني.. ولا تنسَ تذاكر السفر.

- سوف لن أنسى تذاكر السفر يا فراشتي فأنا حبيبك .. ضوءك الأبدي.. اليوم أتممت عليك حبي ورغبت لك القلب حبيباً.

- أنت بحري الذي أسكر فيه ليل نهار، لقد نذرت قلبي لحب واحد.. لرجل واحد ... لبحر واحد ..

أحبكَ يا قلبي، يا نوري، يا بحري، أحبك يا أنا، أحلم أن نلتقي في يوم ما حقيقة لا على (الفيس بوك) فقط .

- كل شيء ممكن ..سنغير مجرى الحياة .. سنبحر فوق بحر الحب .. ونطير في سماء العشق تاركين غبار الحزن خلفنا.. أحبك بطعم الورد يا وردتي .

- اسقني من لعابك فتردي لي الحياة.

- سأسقيكِ من ماء قلبي وروحي حياة، أنا لغة الأسماء وأنت أول اسم يطوف حولي فأقبل دعواه.

- أنت يا لغة الكلام.. يا رجل أنتظر منه حكايات الزمان، أنا المجنونة فيك .. سيخلدني الحب عاشقة مهمومة.. أكمل، لا تتوقف باللغة التي تنساب معك أكثر مما تتدفق معي .

أكملت بلحظات عشق ما طلبت من كلام عشق امنحه لها من غير توقف، توقفت للحظات لأفكر في معنى يليق بها امرأة جميلة، وينسجم معي كرجل مثقف، حدثتها بعد تفكير قصير واستحضار لاستلهام سريع:

أنت لغتي .. لغة الحكايات القديمة .. رأيتك منذ كنت طفلا في منامي.

هكذا أتذكر.. أتذكركِ جيداً .. كنت ألعب وألعب وأنت تلعبين .. وتلعبين .. نلعب سوية بخرائب حينا القديم .. لبنانية آنت الآن لكنك من طين عراقي ..

عندما كنا صغاراً كان الحب يكبر .. لكن حال التراب يتّسع .. فصرت في صيدا وأنا هنا .. أعيش ما بين حائط من آجر وآخر من طين.. أتذكرين؟

-      أتذكر يا حبيبي ذلك جيداً .. نعم أتذكر، لذا عاد إلينا الماء والدم والطين .

-      كنت أقبّل ثوبك المملوء بالطين .. طين الخرائب والفقراء.

كنا قد لعبنا سويّاً .. منذ كنا صغاراً .. فكم وقعتِ عليّ! .. وكم وقعتُ عليكِ فامتزجنا معا ..

تذكّري جيداً .. عندما كنّا ننتظر الرغيف من الخبّاز لنأكل ونلعب وكنا نضحك رغم البؤس الفقر أتذكرين؟

-      نعم أتذكر يا حبيبي .. جيداً خرائبنا التي محاها الزمن المرّ بعدما رممتنا المدن المريضة بالسّعال ..

 (3)
سأبوح للجميع، بأنني سأترك وحل الذكريات..
وأعود من جديد أجمع نفسي بعدما بعثرتها الليالي .. والحزن القديم.. سأترك ليل مدينتي الباحثة عن مأمن لها من الحروب، وأعود .. تحت وصية امرأة تكتبني.. تحت أسمائها اسماً جديداً
.

سأعود .. تلملمني .. بأوجاعي لكي أعود.. أعود أنا ذلك القدّيس.. الباحث عن رعشة يد تمسكني..

عن رائحة امرأة تشمّني، عن وجهٍ بيروتيّ يشرق فيّ ..

أنا القدّيس الحزين .. ما زلت أنصت لوصاياها ..هي سري الجديد.. كنت أبحث عنها في زوايا المدن العتيقة، كنت أبحث عنها في مرايا الليل.. سكون النّعاس.. ارتحالات الفجر .

هي امرأة تخطّ عافيتي بالهدوء وتعزف ألحان أنوثتها على أوتار أوجاعي لأعود ذلك الرّجل المنسيّ بين خاصرة الزّمان .. وبين تعاسة الفقراء؛ لأكون أنا .. ذلك المهدي المغلف باللّهفة لها.

هي امرأتي الجديدة وأنا الرجل الذي بنته من قصب أنوثتها، الرجل الذي دفأته بقمح لهاثها، الرجل الذي أنسته الحزن ببياض طيبتها .

سأولد من جديد .. لأنّي سأعيش في غابة بيضاء فيها جوهرتان من طهر وقداسة، سأزور كلّ صبح ومساء .. ليصلي فمي ما بينهما ..الله! .. إنّهما حمامتان .. وردتان .. من بياض البياض ..

سأحطّ بينهما .. سيعزف فمي عطراهما، سأعيش قليلا قربهما، لا بل سأعيش طويلاً .. مئة عام ربما .. سأعيش ما بين ساقين كرمهما الله بالبياض على البياض .

سأعيش حتما سأعيش بالبياض وهو يركع للبياض، لغابة ملساء، أعطشها الله لتروينا نحن الظّامئون، هكذا أصبحت لغتي بيني وبين نفسي، وبيني وبينها، لغة لطالما كنت ارددها مع نفسي، وارددها لها عبر رسائل مباشرة أو غير مباشرة ..

صرت أناجي نفسي وأناجيها كما هاملت .. حين ناجى نفسه أن اشهدي أنّني أنا الإنسان.. سآخذ بثأري ..فثأري دفين.

سأناجيك أنا.

يا أنت يا روحي

سأناجيك لأنني هاملت

أنا اغتصبت مدينتي ..

وأبي المقتول من أخ المدينة ..

أنا هاملت

أوواه.. أين أكون وأين أروح وأين أصير .. أكون أو لا أكون .. من دونك يا أوفيليا .. لا يساوي العشق طرفة عين .

ماذا لو حان اللقاء، سأقرأ أحلى دفاتر الله على الارض :

 (نهدان .. رباه كم أحلم بنهديك يا أوفيليا .. وأنا أشدهما لي كمحرابين لأصلي لهما بالقبل .. قبلة تذيبهما ليكونا لفمي مطيعين.)

 (فخذان .. رباه سأكون أول المغرورين لأنني أزرع الثلج في مدن الحر .. سأنام على مدينتين من البياض ..)

 (ساقان .. لا انتصر إلا بهما، وأنا المعذب سأنام .. سأنام .. سأنام ..)

(4)
التقينا عبر الفيس بوك كما الأيام السابقة، وهي تحييني وتثني علي بالكلام والغزل الجميل ؛ لأنني كنت اكتب لها غزلا يعجبها ..

أخبرتها أنني سأبدأ من حيث انتهى الأمس .. وعمّ الأمان في شوارعنا والوجوه ..

والوجه يرغب، يتمنى، أن يحتسي ألم العشق والوجود.. وأن يــُحتسى بماء الله حين يطفح بدمع العاشقين.

وجهك سنبلة التيه. بل قمح لهاثي ... هو خارطتي .. سأرسم فيه مدينتي لأكون مخلداً فيه..

-      ضحكت ضحكتها الألكترونية وكتبت: وجهك دربي المعقود بالمتاهات الجميلة .. يبتسم حيث تغيب عني كلّ الأمنيات .. ويشرق في وقت أود أن أحيا بقارورة موت.

-      أخبرتها: أن وجهك يعلمني أن الإنسان لا إنسان إلا حين يقتسم الخبز مع الفقراء .. والجائعين .. والعاشقين، وجهك ما زال يعلّمني أنّ اللغة المستحيلة وَهْم ..

-      قالت: اللغة حين يكون الإنسان إنسان .

-      وجهكِ إنسان إذاً.. اخلعيه سيخرج إنسان أبيض ..

(5)
تعلمت منها أن الحديث للأنثى وهم حكايات.. إلا معها .. كان حقيقة أنثى، أنها أنثى الحقيقة وأنا الرجل الواهم منذ البداية أنّني المضموم دوماً .. لكنني عرفت أن الضّمة لا تتوازن في وقت التيه.

 تعلمت منها أنّ الفاعل مفعول به.. نعم .. والمفعول به فاعل. هي هكذا حياتنا.. أترون العجائز تشتكي أنين شيوخها.. أترون العجائز تشتكي من أزواجهن العاطلين عن...

أترون، المعذّبين في السجون يتخبطون تحت السياط، ويجلسون على قناني الكولا فرادى !

أترون، أن العاشقين منفيّون...

أترون، أننا نعيش في بلاد الكفار تحت غطاء المسلمين..

تعلمت منها، أنّ الحياة لقطة وهم .. وزلة لسان .. وخاطر أمل

تعلمت منها، أنّ الأنثى زجاجة .. والزجاجة أنثى ..

تعلمت منها، أن العراق حانة متدينين يصلون وتحت آباطهم أباريق الحروب !!

تعلمت منها أنّ الوجوه بلايا إلا وجهها.. رأيته، منذ أن رأيته!.

صرت ُلا أورد الكلمات إلا لوجهها المملوء بالقداسة والطهر.. تأكدت ذات عشق معها إنه وجه (إنسان)، إن خلعته سيكون هو لا غير.. لا قناع تلبسه ولا وهم فتمحيه..

أنا منديلها الأبدي .

(6)
لم تتغير حياتي كثيرا.. بل تغيرت فيها أشياء كثيرة.. لم أكن أنسى واقعي المملوء بلغة الحرب.. اللعنة على الحرب وهي تصنع خطاب الفقراء.. نعم كل ما أشاهده في مدني خراب في خراب .. بكيت كثيرا لكنني توهمت في البكاء .. بكائي مجرد بكاء لا ينفع ولا يضرّ..

لا، ربما يضرني أكثر ممّا ينفعني، لا أستطيع أن أترك دمعتي لنفسي.. كلّ دموعي لهم.. لأناسي الفقراء، أعاتب مــَنْ ؟ وبعض العقول مصنوعة من الحديد ! فلا أنا نبي الله داوود حتى ألينها، ولا أنا صدّيق حتى أذيبها. هي هكذا الناس تربّت في زمن الموت واللا حياء .

أحاكم مـَنْ ؟ وأنا الفقير المـُحاكم والمظلوم والمسجون بدموع الفقراء ومذلتهم تحت أسياط اللا رحمة.

أوّاه يا بلدي وأنت تنعق مثل الغراب لحظة سكون الليل، هكذا أسير في بلدي كالمجنون، أحدّث نفسي كلّ لحظة، أبكي، أحزن، أتعاطف كثيراً مع الآخرين، أتذكر دائما أننا بؤرة من المرارة، يغطينا صدف الصدق كاذباً، إن أمطرت سماؤنا، أخرجت ِالمرارة المكنونة من كنهنا .

أنصلي يوما تحت قبة القدس مشيرين إلى البداية أن تعود؟ لنكون قدّيسين في حياة لا قدسية فيها إلا لمن يكون مسئولا سياسياً أو غنياً متسلّطاً على أموال الفقراء، والفقراء عبيدهم إلى يوم الدين.. سأصرخ حدّ الصراخ في مدني الملفوفة بالعمائم المصنوعة من ألبستها الداخلية .

سأصرخ حد الموت، لأغيّر نفسي أولا

- لا سأفشل حتما، نعم سأفشل حتما، لأنني أعيش أحياناً مع فاشلين.

ذهبت إلى مدرستي، كان الجو بارداً جداً، لم أكن أفضّل المدرسة لشيء واحد، هو أنني كنت أعيش ما بين تناقض لا يشبهه تناقض، يا ويلنا من التناقض في زمن المنافقين والمهرجين! أحد طلابي قال لي :أستاذ ....

لا أستطيع إكمال جملة طالبي، لا أستطيع، أتعرفون لماذا ؟؟ لأنني لا أطيقها لكنني سأقولها لكم، أنتم أيّها الناس الذين تقرءون شخصّيتي، أنا الراوي، شخص مجنون، وأعتذر لكاتب الرواية لأنه مجنون مثلي أيضاً .

الجملة التي قالها لي صديقي هي، فراغ أوجهه إليكم لعلكم تجيبون عليه، قال أستاذ أنا .............

نعم.. حتما سيكون فراغاً صعباً عليكم لتجيبوا عليه، هكذا نحن مدرّسو التاريخ نرتجل كلّ شيء لصالح أبنائنا.. التاريخ تشوّه هو الآخر برموز الفراغات والصّح والخطأ، لم تعد هناك حقيقة، بل هي محض تواريخ ليس إلّا.

أمّا زميلتي المدرسة، أتدرون ماذا قالت لي، لا شيء.. صح أم خطأ ؟ سأجيبكم أنا : خطأ، الجواب الصحيح قالت لي: إنها معجبة بي جدا جدًا، حتى أنها تشتهي مني........ سأترك لكم فراغا آخر وسط إجابة الصح والخطأ، لأنني لا أستطيع إكماله، أتعرفون لماذا؟، خشية أن تطلبوا مني ما طلبته هي مني!

لم أكن أفهم جملتها في البدء، قلت لها الجو بارد ونحن في الشتاء، فلا يوجد ما تطلبينه الآن.

-      قالت برومانسية : لا .. أريده منك، هو ...

أنا أعرفه فهل أنتم عرفتم ما أرادت؟!

أوّاه (خلوها ساكتة)، ألحّت علي كثيراً، كثيراً .

لمَ لا تفهمني؟، أريد منك  (.....)

-      خذي هذا ألف دينار واشتري الــ (....)

ضحكت طويلاً، لم تسكت، كنتُ أحاول أن أسكتها لكنّني لم أستطع، اذ كانت تفهم عباراتها، غير أني كنت كسولا أمامها، بينما هي كانت تظنني أنّني أجيبها بذكاء أو دهاء، غير أني بريء والله العظيم .

-      أعتقد أنك لا تريد أن تنفّذ لي رغبتي وشهوتي، قالتها لي بعصبيّة وخرجت مسرعة من الصّف الفارغ إلا منا.

ماذا أفعل يا ربّي والكلّ يريد إزعاجي، لا أعرف لماذا، ولا أعرف لماذا هذه السخافة في القول والفعل، تشوّهَ الكلام، وتشوّهت العقول، أصبح العقل سمة المجانين ؛ لأنهم يعّون الكون أكثر من العقلاء، وأنا أوّل المجانين الذين يرغبون بامرأة مجنونة مثلي تعيش ما أعيش وتتحدث ما أتحدّث، لكم عقلكم أيها العقلاء ولي جنوني .

زمن التيه يحكي لي عطش الأرض، كلّما تقدّمنا خطوة إلى الأمام استيقظ المهرّجون ليحاكمونا على فعلنا، وصاروا هم في مقدمة الرّكب، أما نحن فنصير في آخر المذكورين، سنكفر بالذين لا رأي ولا حديث لديهم إلا النفاق الأبدي ..

أنا العاشق الذي يئس من حياته يوماً؛ لأنها تنق مسرعة مثل برق الشتاء، لن أنام إلا وأنا أحسّ بموت قريب، كلّ شيء فيّ يرتجف خوفاً من شيء مجهول، الروح والإنسان شيئان ينتميان إلى قافلة الوقت، للأسف تنازلنا عن الوقت منذ زمن، نحن العرب نخطّط للفشل دائما أكثر ممّا نبني لنتقدّم إلى الأمام ..

حتى أنا أعترف أنّني العربي الأوّل بين الفاشلين؛ لأنني تائه بين أسمائي وبين ألقاب السراب المؤدية للنوم المفرط.

اللبنانية كانت بريئة جداً، حتى إنّني صرت أثق بها أكثر من أيّ شخص آخر، طلبت منه معتذرا أن أسافر للقاؤها يوماً ما، لكنها كانت تتردّد في ذلك، كنت ألحّ عليها عبر رسائلي خاصّة في الفيس بوك، لكنّها متردّدة بعض الشّيء لا لشيء سوى أنّها مرتبطة بمرافقة والدها، ومع هذا رحبت في أكثر من مناسبة أنها تتمنى أن تجد العذر المناسب لرؤيتي واللقاء بي، إنها أيضاً تتمنى اللقاء في الحقيقة بدلاً من وهم الفيس بوك، كانت تودّ لو تنام على كتفي لا على كتف حاسبتها، وأنا أيضا كنت أتمنّى أن أحسّ ببياضها، لا أن أقلب أصابعي فوق شاشة حاسبتي الصديقة.

كانت شاعرة بطعم الشعر وكنت شاعراً من أسوأ الشّعراء الشباب

لله دركِ يا روحي! وأنت ترفرفين بين جوّ مشحون بالموت ..

لله دركِ يا روحي! ما عدتِ قادرةً على الحلمِ،

سأستيقظ بعد قليل من عالم أنثاي الفيس بوكية لأجد نفسي في عالمٍ صاخب وعنيف.