يصور القاص المغربي صراع شاب يخرج في نزهة مع كائن مائي يحاول الدفاع عن نفسه، يدخل تفاصيل ذلك الالتحام ومخاوف الإنسان حينما يدخل صراعاً مع مجهول ورعبه في أقصى لحظات التوتر، وكما يلاحظ القارئ فالإنسان يسعى للعنف حتى مع كائنات الطبيعة المسالمة.

الأخطبوط

سعيد أحباط

وجه طفولي بملامح هادئة يتأمل الأمواج وهي ترسل ذبذبات صوتية إلى الصخور وبين الفينة والأخرى ينقل بصره إلى الأفق الأزرق حيث النوارس تغازل المراكب، ولا يعكر تأمله سوى خشخشة عند موطئ قدميه..... واسترعى الصوت انتباهه فرأى سرطانا ضخما، ولم يكد السرطان يحس بدنـو الشاب منه حتى غاص سريعا... إلا أنه سارع إلى مطاردته إلى أن بلغ صخرة تحت الماء، غيـر أن السرطان كان أسرع منه فغاب عن عينيه، واندس في فجوة تحت الصخرة، وكانت هناك كما توهــم الشاب ثغرة واسعة اتخذها السرطان لنفسه ملاذا. لم يكن الماء الذي تحت الصخرة عميقا فاستطاع الشاب أن يرى الحصى في قراره... فوضـع سكينه بين أسنانه، وطلع على رأس الفجوة، ثم نزل إلى قرارها إلى أن بلغ الماء منكبيه...لكنه لم يلبـث أن رأى عند سطح الماء شقا مستويا يمكن أن تبلغه يده، فقال مع نفسه إنه قد فرٌ منه فدس يـده اليمنى قدر استطاعته داخل الفجوة وأخذ يتلمس جوفها المظلم... وفجأة أحس بأن شيئا قـــد أمسك بذراعه. فاعترته قشعريرة من رعب غريب لا يكاد يوصف ! إنه شيء حي دقيق عريض خشن الملمس بارد، لزج يلتف حول ذراعه العارية الممتدة في أعماق الظلمة، وكان ضغط هذا الشيء كضغط حبـل يربط، وحركته لولبية دائمة كمسمار يدار باستمرار! ثم أخذ هذا الشيء اللولبي العجيب يلتف حـول معصمه ومرفقه ثم بلغ كتفه في ذلك الحين أحس الشاب بطرف دقيق ينفذ إلى تحت إبطه.

حاول أن يرتد راجعا، لكنه لم يستطيع لقد تجمد في مكانه ! وراح يبذل جهد اليأس لكــي يخلع ذراعه غير أنه لم يفعل سوى إثارة غضب عدوه الذي أخذ يشتد في التفافه حول ذراعه، لقد كان لدنا كجلد، صلبا كالحديد، بارد كظلمة الليل، وإذا به يخرج من الشق شيء أخر مسنون دقيق ممتداً كأنه لسانه أحس الشاب بأنه يلحس بدنه لحسا، ثم أخذ يلتف عليه وما هي إلا لحظة حتى سرت في جسده قشعريرة ألـم لـم يحس بمثلها في حياته،، ألم هائل جعل عضلاته كلها تتقلص من شدته!. ثم خرج من شق الصخرة شيء ثالث يتموج كأنما يتلمس طريقه حول بدنه، لم يلبث أن التف علــى ضلوعه التفاف حبل متين... ومن حسن حظه أن هناك بصيص من الضوء أتاح له أن يرى هذه الأشياء الغريبة البشعة التي أخذت تلتف عليه!. لم يلبث أن رأى قطعة مسطحة مستديرة ضخمة الحجم ظاهرة اللزوجة أطلت من جوف الفجوة، هي منبت هذه الألسنة الخمسة التي التفت عليه ورأى من الجهة الأخرى من هذه القطعة البشعة ثـلاث ألسنة شبيهة بالخمسة الأولى ولكن أطرافها كانت لا تزال تحت الصخرة، ورأى في وسط هــذه القطعة المستديرة عينين حادتين تنظران، واستقرت هاتان العينان عليه، وحينئذ أدرك أنه الإخطبوط !

 والمرء لا يستطيع خلاصا من قبضة الإخطبوط، بل تجلب عليه محاولة النجاة غـير اشتـداد قبضة الإخطبوط عليه، وليس هناك من النجاة إلا وسيلة واحدة، يعرفها الصيادون.... إنهم يعرفون الضربة التي تطيح برأسه وذلك لأن مقتله الوحيد في رأسه، ولقد كان يعرف ذلك تمام المعرفة.... ومصارعة الإخطبوط كمصارعة ثور هائج تقتضي من المرء أن ينتهز لحظة بعينها ليصيب منــه مقتلا حينما يحني الثور رأسه للنطاح.... حدق الشاب في الوحش الرهيب وكأنما أحـــس الإخطبوط بذلك.... فركز عليه عينيه الناريتين، وفي لمح البصر أطلق الوحش لسانه الخامس من الصخرة وأهوى به عليه، فقبض على يده وفي اللحظة ذاتها، مد الإخطبوط رأسه سريعا لكي يطبق بمصاصاته البشعــة على صدره ! وانقض الوحش عليه، فانقض الشاب عليه بالسكين...

وأخذ الوحش والشاب يميلان مرة بعد مرة، وفي حركة خاطفة كالبرق أغمد الشاب نصل سكينه في تلك القطعة المسطحة اللزجة،وحفر دائرة حول العينين بأسرع من فرقعة السوط في الهواء ثم انتزع الرأس من مكانه... وهدأ الصراع وتراخت تلك الألسن الملتصقة حول الشاب.... أما المصاصات المصوبة نحوه فقدت قوتها بعد أن زال سر تلك القوة وهوت لساعتها عند الصخرة التي كانت متشبثة بها وغاصت الكتلة كلها إلى قرار الماء، ومع ذلك خشي أن تدب في بدن الوحش حلاوة الروح فينقض عليه مرة أخرى، فتراجع بسرعة لكي يكون بمنأى عن ألسنته الرهيبة، غير أن الإخطبوط كان قد برد برودة الموت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من مجموعتي الصادرة حديثا عن اتحاد كتاب المغرب "بطل من ورق"