ضمانا لاتقاد الذاكرة وحفاظا على تراث الأمكنة اللامادي الغني وفي رحاب الأراضي الفلسطينية المحتلة، يصحبنا الكاتب الفلسطيني في رحلة استكشافية لأحد البلدات الجميلة الضاربة في جذور التاريخ سعيا للحفاظ على تاريخ فلسطين حيا، كتابة رحلية تعرفنا أبعد من الجانب التوثيقي على معالم المنطقة وغناها وثقافتها وتقاليدها وأمكنتها ولا ينسى أن يقربنا التقرير من الإنسان الفلسطيني الصامد.

من برهام إلى جيبيا ذاكرة وتاريخ وجمال

زياد جيّوسي

برهام.. تلك البلدة الجميلة الوادعة الضاربة جذورها في الأرض الفلسطينية عبر التاريخ، بلدة صغيرة المساحة، وقليلة عدد السكان، لكنها جنة بالجمال والأشجار والمناخ الجميل، كنت أسمع عنها، ولم تكتحل عيناي برؤيتها إلا من البعيد حين قمت بجولتي لتوثيق بلدة بير زيت بالقلم والعدسة، فسلبت بير زيت مني اللب، وفتحت قلبي على مصراعيه وسكنت فيه، وحين شاركت مع مجموعة (إمشي وتعرف على بلدك)، وهم بالغالبية من الجيل الشاب، في مسير على الأقدام امتد من بلدة برهام إلى بلدة أبو شخيدم، حيث كان ترتيب مشرفوا المجموعة أن يتم المسير من بلدة برهام باتجاه الوادي الذي يفصلها عن بلدة كوبر، حيث تعتلي كوبر رأس الجبل فوق الواد، وعبر الواد صعوداً بجبل مرتفع للوصول إلى بلدة أبو شخيدم، وهذه البلدات جميعها من قرى محافظة رام الله والبيرة.

برهام تقع إلى الشمال الغربي من مدينة رام الله، وتبعد عن مركز محافظة رام الله والبيرة مسافة 12كم، والوصول إليها عبر طريق فرعي يربطها بالطريق الرئيس لبلدة بير زيت بطول يقارب كيلومترين ونصف، وتقع على هضبة مرتفعة بارتفاع 680م عن سطح البحر. تبلغ مساحة أراضيها 1589 دونماً، وتحيط بها أراضي قرى: كوبر، وجيبيا، وأم الصفا، وبير زيت، وعطارة، ويقدر عدد سكانها بما لا يزيد عن 800 مواطن، حيث بلغ عدد سكانها في إحصاء العام 2004 بحدود 552 نسمة فقط.

حين وصلنا أعلى بلدة برهام بدأنا المسير، كانت عيناي تجول في برهام كي تلتقط من البعيد ما يمكن توثيقه بزيارة خاصة لاحقة، وحقيقة افتقدنا في مسارنا الجميل في الطبيعة المجموعات التي ترافقنا من المحافظات الأخرى، فالحركة بين المحافظات لم تعد سهلة، وزعران المستوطنين ازدادت قذارتهم في محاولات الاستيلاء على الأراضي في التلال من أصحابها الشرعيين، وأصبحت عمليات الإعدام والقتل التي ينفذها جنود الاحتلال ومستوطنيه حدثاً يومياً في محاولة لقمع الشباب الثائر في ظل الرعب الذي بات يهيمن على كل جندي ومستوطن، لذا كان عددنا بحدود 26 شخصاً رجالاً ونساء، شباباً وشابات، بينما وصل عددنا في مسارات سابقة إلى 160 شخصاً، وبالتالي فإن اصرارنا أن لا نوقف مساراتنا هو بعض من أشكال المقاومة والتحدي للمحتل، ومن المؤكد أني كنت الوحيد الأكبر سناً بينهم، وأنا أحمل حقيبتي الصغيرة وعدستي وقلمي على عاتقي الستيني، مواصلاً أينما كنت توثيق بوح الأمكنة بالقلم والعدسة.

ابنة برهام، السيدة نادرة بكر، تواصلت معي من مغتربها في موسكو بعد نشري صور المسير، ورتبت لي مع السيد زياد بكر جولتي في بلدتهم برهام، وبسبب الأمطار تأخرت عدة أيام حتى سمح الجو بذلك، فاتجهت إلى بير زيت برفقة زميلتي في البيدر للإعلام السيدة منى عساف بالمواصلات صبيحة الأربعاء الحادي عشر من تشرين ثاني لهذا العام، وهناك استقبلنا الأخ زياد، ونقلنا بسيارته إلى بلدته، فهي بلدة صغيرة ولا يوجد لها خط مواصلات خاص، وما أن أطللنا على برهام حتى بدأت أشاهد مساحات خضراء كبيرة من الأحراش ومساحات مزروعة بالزيتون، وهو الذي يسيطر على معظم المنتج الزراعي في القرية، فأشجار الصنوبر الباسقة تشق عنان السماء، ولم تتعرض كما مساحات ومناطق غيرها للعبث والقطع وتوسع البنيان على حساب المساحات الخضراء، ما أثار في الروح مشاعر من راحة وجمال، وزاد بذلك مشاهدة مساحات كبيرة مزروعة بالزيتون (الرومي) القديم الذي يستدل عليه من طبيعة الجذوع الضخمة وتجوف بعضها، وفلسطين تشتهر بالزيتون الرومي القديم وأشهرها زيتونة البدوي في بلدة الولجة، والتي قدر عمرها الخبراء الأجانب بين 4500 عام و5500 عام.

وما أن تجاوزنا مطاحن القمح الذهبي، وهي أكبر مطحنة في فلسطين والتي تزود معظم السوق الفلسطيني بمادة الطحين، حتى كنا نتجه إلى مقام أحمد برهان الهاشمي، والبلدة كان اسمها منسوب إليه (برهان)، ولكن مع اللهجة المحكية تحولت إلى برهام، وهو قد قدم إلى المنطقة من اليمن بعد الفتوحات الإسلامية وتوطن ودفن فيها، وما زال مقامه موجوداً ومعلَماً أساسياً من معالم البلدة التاريخية، وقد أفادني السيد زياد بكر أن دراسة أجريت تشير أن المدفون بالمقام هو خليل حفيد أحمد برهان وهو الجد الحادي عشر لأهل برهام، وقال إن أحمد برهان الهاشمي أتى من العراق من واد النُّور، وهو كان من السادة الأشراف وليس من اليمن، وحدثني أن البعض حاول هدم المقام التاريخي بحجة إقامة مسجد أكبر، ولكن جرى وقف المحاولة بالتعاون مع دائرة الآثار وبناء المسجد قريباً من المقام، وتم المحافظة على هذا الأثر التاريخي والتراثي، ومن طبيعة نظام البناء والحجارة فيه وطبيعة القبة أقدّر أن المقام يعود عمره ما بين 700 إلى 800 عام، وبجوار القبر وفي غرف المقام افتتحت جمعية سيدات برهام؛ وهو مشروع ثقافي يحتوي مكتبة ومركز تدريب على الحاسوب. وبكل أسف كانت الجمعية مغلقة ما عطل أن اقوم بجولة داخل المقام وتوثيقه بالصور من الداخل، فاكتفيت بتصويره من فوق السور، ومن المؤسف أيضاً أنه تم إنشاء بناء صغير بجواره من الإسمنت والطوب شوّه المشهد العام للمقام، وأحدث فيه تغييراً غير إيجابي، وهناك البعض يشير إلى البناء بأنه من المساجد العمرية، وهذا بتقديري خطأ، فالبناء لا علاقة له بالمساجد التي أطلق عليها اسم العمرية نسبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب، علماً أن المساجد العمرية في فلسطين بنيت بعد فتح القدس في القدس قرب كنيسة القيامة، وفي بيت لحم مقابل كنيسة المهد لرفض الخليفة العادل الصلاة بداخل الكنائس حتى لا يأتي أحد في زمان لاحق ويستولي عليها من أصحابها الشرعيين من أتباع الديانة المسيحية.

من مقام برهان كنا نتجه إلى ما تبقى من البلدة التراثية، وهي كانت أصل البلدة، وتقع بالقرب من المقام بالجهة الخلفية، وبكل أسف فإن هذه الأبنية معظمها مهدم، وهي على نظام الأحواش التي اشتهرت بها بلدات فلسطين، حيث كان لكل عائلة حوشها الذي تسكنه، وهي أحواش دار علي، ودار أبو مريم، ودار فليان، ودار حسن. وحقيقة، ومما تبقى منها، رأيت أن استخدام حجارة غير منتظمة الشكل في البناء وعبر مراحل زمنية مختلفة، أدى إلى أن تتعرض هذه الأبنية التراثية للخراب، وبعض مما تبقى كان نظام بنائه أفضل فلم يهدم بالكامل، فعلى بوابة الحوش الخارجية للساحة توجد بوابات قوسية، والبوابات القوسية أكثر قدرة على تحمل تأثير الزمن والعوامل المناخية، وبجوارها بيت العاروري الذي بناه الحاج علي العاروري، وهو بيت تراثي جميل يعود لبدايات القرن الماضي وما زال يحافظ على جماليته ورونقه من خلال استخدام حجارة منتظمة الشكل، وأقواس للنوافذ والبوابات، وأيضاً ما زالت بعض البيوت التراثية الأخرى التي بنيت في بدايات ومنتصف القرن الماضي قائمة، وأعتقد أن بعضها ما زال مأهولاً، وبعض الأحواش ما زالت تحافظ نوعاً ما على البناء، فوقفت أتأمل ما تبقى من حجارة مهدمة، وأشعر أني أستمع لهمسات الأجداد تروي لي الحكايات، حكاية شعب سكن فلسطين منذ آلاف السنين، وحفروا الصخر بأظافرهم، وزرعوا الزيتون الذي ما زلنا نأكل منه بعد مئات السنين.

بيوتات وأحواش برهام القديمة أو ما تبقى منها تشير إلى البناء التقليدي للأحواش حيث اعتمدت غالبيتها على نظام العقد المتقاطع، وهو الأكثر انتشاراً في المباني التراثية، بينما الأقل هي الأبنية التي تعتمد السطح المستوي، ولم تدل البيوتات التراثية إلا على بناء واحد اعتمد السقف نصف البرميلي، ولعل غلبة بيوت العقد المتقاطع هو أن نظام الأحواش كان له الغلبة، وهو الأقدم حيث المساكن متجاورة في حوش واحد تسكنه مجموعة من الأسر، وكما العادة فهناك القسم السفلي، وكانت توضع به المواشي، ويعلوه مكان السكن إضافة إلى وجود الحوش أو المصطبة أمام البيت، وإضافة إلى وجود الخوابي لحفظ التموين والمواد الغذائية والقمح والحبوب وجرار الزيت. وفي جولتي رأيت أن المباني التي ما زالت قائمة هي أحدث من الأحواش بتاريخ البناء، وأخذت نظام الاستقلالية وليس نظام الأحواش، ومعظم بيوت برهام التراثية كانت من طابق واحد بعدد 20 بيتاً من 23 بيتاً حسب دراسة أجرتها مؤسسة رواق في العام 2000 م، ومنها مبنيان من طابقين ومبنى واحد من ثلاثة طوابق، ولم يكن قد تبقى منها بحالة جيدة إلا ثمانية مباني، والباقي إما غير صالح أو بحالة متوسطة.

من البلدة التراثية وما تبقى منها اتجهنا إلى آثار الكنيسة البيزنطية، وهذا ما سيكون مادة الحديث في الحلقة التالية من جولتي في برهام قبل أن نتوجه بزيارة سريعة إلى بلدة جيبيا.

صباح عماني جميل النكهة بالمطر وأنا أجلس لشرفتي العمانية أحتسي القهوة وأستذكر زيارتي لبرهام، وأستمع لشدو فيروز وهي تشدو: (شتي يا دنيا تا يزيد موسمنا ويحلى، ودفق مي وزرع جديد بحقلتنا ويعلى).

 

(عمّان 17/11/2015)