مقاربات

المغرب الباطني لإدمون عمران المليح

دانييل روندو

ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف

 

يمكن اعتبار هذا النص بمثابة محاولة رام من خلالها دانييل روندو تكثيف التجربة الوجودية والإبداعية للكاتب المغربي إدمون عمران المليح الذي رحل عنا يوم الاثنين الماضي عن عمر ناهز ثلاثة وتسعين عاما. يكتسي هذا النص / الوثيقة أهميته من الموقع المتميز الذي يحتله الكاتب في خارطة الأدب المغربي، ذلك أن إدمون المليح المزداد عام 1917 جاء إلى عالم الكتابة متأخرا؛ حيث سيصدر كما هو معروف كتابه الأول الموسوم «المطاف الثابت» في سنة 1980 قبل أن تقفوه أعمال أخرى نذكر من بينها «أيلان أو ليل الحكي»، «عودة أبي الحكي»، «أدنير أبو النور»، «ألف عام بيوم واحد»، «العين واليد: دراسة في أعمال خليل غريب.»

حقيق بالإشارة أن هذا القدوم المتأخر إن صح التعبير لا ينبغي أن يفهم بطريقة مغلوطة؛ إذ ينبغي للقارئ أن يولي عناية خاصة للثراء المتميز الذي يسم المرحلة السابقة على تجربة الكتابة والتي حرص دانييل روندو على بسطها في هذا النص .

وعليه، يكون في مقدورنا أن نقول إن المليح كان يفكر بطريقته الخاصة في النصوص التي سوف يكتبها تباعا بعد سنة 1980 . في هذا السياق إذن، يمكننا أن نفهم الإشارة الذكية للمؤلف التي مؤداها أن حياة المليح تتوزع على مرحلتين.

النص: باريس، مونبارناس: تموز (يوليو) 1995 .
كانت طنجة ذات وضع استثنائي، إذ كنا نمر بها أثناء سفرنا إلى فرنسا لقضاء العطلة. كنا نقصد كل سنة إلى فيشي التي يتواجد فيها المستعمِرون والمستعمَرون قبل أن نشد الرحال إلى باريس، وكنا نختار الإقامة في أحد الفنادق الموجودة في الشوارع الكبرى حتى يتاح لنا التجول. لم يكن أبي يحب الخط المباشر الذي يصل طنجة بمارسيليا Marseille والذي كانت تسيره الشركة الشهيرة المعروفة باسم باكي ويؤثر عوضا عن ذلك أن يستقل سفينة بخارية صغيرة تقله من طنجة إلى جبل طارق. ومن هناك، نستقل باخرة مال دي آند التابعة لشركة بي آند أو التي كانت تسود فيها لباقة ذات نكهة بريطانية حريفة؛ وهي الباخرة التي استقلها نيزان Nizan في رحلته إلى شبه الجزيرة العربية. يتحدث إدمون المليح بأناة وهو يداعب بأطراف أصابعه شعرات شاربه داخل شقة متواضعة في الطابق الرابع من عمارة في شارع مونبارناس تفتقر إلى مصعد.

راعت اهتمامي المطرقة البرونزية المثبتة فوق الباب والتي استقدمت من أحد منازل مدينة آسفي والتي كان والده تاجرا فيها. كانت كل طرقة على الباب كافية لإثارة سيل من الذكريات التائهة. من هو هذا الرجل ذو الشعر الأبيض الذي يعيش على هامش عالم غاص بالنسيان والذي ألف الباريسيون رؤيته في سطيحة مقهى سيليكت Select؟

بدأت حياته الأولى وسط عائلة من التجار اليهود. كان والداه يقيمان في الدار البيضاء ويقضيان عطلة الصيف في فرنسا وأيام الأعياد في الصويرة. كان يعرف دائما وهو الشاب المصاب بداء الربو أن المغاربة اليهود لا يمارسون السياسة، ولكنه يقرأ الشرط الإنساني لمالرو ويحلم سرا بالثورة، ثم ينتشي برفض الملك محمد الخامس تطبيق قوانين فيشي بصرامتها العنصرية ومرأى الجنود المغاربة وهم يقاتلون بإخلاص بقيادة جوان و دولاتر تحت شمس مونتي كاسينو أو ضباب الألزاس.

وسوف تبدأ مغامرة أخرى في التخلق حين انضمامه إلى الحزب الشيوعي عام 1945؛ إذ ينخرط في العمل السري ويردد نشيد الحزب وهو يقتعد كرسيه في المكتب السياسي. كان الثوري المحترف إدمون المليح دائب السفر؛ إذ كان الحزب وطنه واستقلال بلاده الأفق الذي يطمح إلى استشرافه.

سوف يستنطق عندما ألقي القبض عليه واحتجز في فيلا سرية تابعة للشرطة الفرنسية في ضاحية الدار البيضاء من لدن مفتش سابق في شرطة فيشي، وهو ما أشعره بتقزز لا يوصف، وسوف يكتب لاحقا رسالة إلى ستالين بمناسبة بلوغه سن السبعين؛ ذلك أن ثمة أعياد ميلاد تعزي عن كل شيء.
لم تلبث رياح النصر أن هبت لصالحه بمغادرة الفرنسيين للمغرب. ولأن الأمور ليست دائما بالبساطة التي نتخيلها، فإن الرفيق المشاكس إدمون المليح سوف ينفصل عن الحزب ويعلن القطيعة مع السياسة ويؤثر الإقامة نهائيا في فرنسا. إنها ألخيميا عجيبة من التحولات؛ فها هو الرجل وقد أصبح أستاذا في باريس، وها هو الديكور وسيرته الحياتية وقد طالهما التغيير. لقد بدا المليح وكأنه منذور للتدريس والصداقة وصمت المهزومين والمنفى. يقول المليح في هذا السياق: لقد اخترت بمحض إرادتي قرار الرحيل إلى فرنسا. وعليه، لا أحب مفهوم المنفى؛ لأنه مغلوط ويشي بالتبجح في آن واحد.

لقد حافظت منذ وصولي إلى باريس على علائقي مع المغرب، وهي التي لم تفتأ تتطور وتتقوى وتتعمق. ولم يفعل مقامي بالخارج سوى تقوية شعوري بالانتماء إلى هذا البلد. وحيث أنه واحد من مغاربة الخارج الذين لم ينفصلوا عن مغربهم الباطني، فإنه كان يستجمع كل قواه لخوض معركة جديدة.
وكانت سنة 1980 فاتحة دخوله إلى حياته الثانية عندما أصدر عمله الأول. يمكن النظر إلى كتاب «المطاف الثابت» باعتباره قلعة غريبة ومكوكا متداخلا بلانهائية الزمن. وباعتباره كاتبا باللغة الفرنسية، شأن صديقه خوان غويتيسولو، فقد نجح إدمون المليح في تسريب إيقاع لغته الأم العربية والعبرية المتمثل في بعض الغمغمات والصرخات إلى لغتنا الفرنسية.

لا تثير المطرقة البرونزية المثبتة على بابه فقط ذكريات من حياته الخاصة؛ ذلك أن إدمون يورد في كل واحد من كتبه: عودة أبي الحاكي و أدنير أبو النور الكذب الصحيح للتاريخ والعنصر الصوفي والتمرد والغياب.

وهو ينجز مزجا دالا بين أحداث الدار البيضاء الدامية عام 1965 وصخب التجارة فوق أرصفة ميناء الصويرة؛ وهي المحطة الأخيرة للقوافل القادمة من أقطار إفريقيا السوداء بأحمالها من الذهب والعاج وريش النعام والصمغ العربي والحذق الذي يميز مساومات تجار الملك والحماسة التي ترافق إنشاد مزامير داود وصلوات الإسلام وطقوسه اليومية والتيه والخوف المصاحبين للعمل السياسي السري وأبحاث القبالة في وادي درعة والحمية الصوفية في الزوايا وأحزان الشخصيات المضاعفة.
ولأنه مسافر أبدي في البلاد التي لم يعد يعيش فيها والتي يعود إليها صيف كل سنة، ولأنه ملتزم بالعمل من اجل ذاكرة عمرها ألف سنة، فإنه اختار بفخار وتواضع (صحيح أو كاذب؟) أن يقاوم ضد النسيان.
يقول: هو ذا اليهودي الأخير في أصيلة. و لن يكون في مقدور أي يهودي أن يموت داخل هذا البياض أو أن يولد في هذا النور الظافر. ولن تكون وجوه الغائبين من الآن فصاعدا إلا صفحة منسوخة من لدن إدمون المليح في طرس التاريخ المغربي.